ملخص

في ظل استمرار الضربات الأميركية والردود الإيرانية، تثير التطورات العسكرية تساؤلات حول طبيعة وأهداف التصعيد الحالي وسقفه، وسط رسائل متناقضة من واشنطن وطهران بين التهديد بالتصعيد وعدم إغلاق باب التفاوض والوساطة.

تأتي هذه التطورات في ظل توتر متصاعد حول مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً حيوياً لحركة النفط العالمية.

بين مفاهيم الحرب المفتوحة، وقدرة الأطراف على ضبط إيقاع العمليات العسكرية من دون الانزلاق إلى تصعيد شامل ينذر بكلفة "غير محسوبة الأبعاد والتداعيات" على الجميع، تثير جولة الصراع الراهنة بين طهران وواشنطن وتبادل الضربات المستمر منذ أكثر من أسبوع بعد انهيار مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان في وقت سابق من الشهر الماضي، أسئلة حول حدود المواجهة الحالية، واحتمالات عودة الحرب بصورتها الواسعة والمكثفة مع استمرار تعثر مسار المفاوضات بينهما.

أثار تجدد الضربات بين واشنطن وطهران وتوسع نطاقها تدريجياً مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، لا سيما مع تداخل العوامل العسكرية مع اعتبارات السياسة والاقتصاد وأمن الطاقة، مما يعني أن أي خطأ في التقدير أو توسع غير محسوب قد يحول المواجهة من صراع محكوم إلى حرب يصعب السيطرة على تداعياتها.

وتَفجّرَ الوضع قبل نحو عشرة أيام بسبب مضيق هرمز حيث تصرّ طهران على التحكّم بحركة الملاحة، وفرض المسار الذي يجب أن تسلكه السفن، وهو ما ترفضه واشنطن، الأمر الذي قاد للإطاحة بمذكرة التفاهم المُبرمة بين الطرفين في 17 يونيو (حزيران) الماضي، والتي نصّت على بدء مفاوضات لمدة 60 يوماً قابلة للتمديد، حول الملف النووي الإيراني وغيرها من المسائل بغرض وضع حدّ نهائي للحرب.

حدود التصعيد المتبادل وأهدافه

أمام استمرار الضربات الأميركية والردود الإيرانية عليها، تطرح تلك التطورات العسكرية أسئلة حول طبيعة وأهداف التصعيد الراهن وسقفه، وذلك على وقع الرسائل المتناقضة لدى كل من واشنطن طهران بين التلويح  بالمضي في العمل العسكري مع عدم غلق باب التفاوض والوساطة.

ورغم لغة التهديد المتبادلة، يرى مراقبون ومحللون أن كلا البلدين لا يزالان يخشيان العودة إلى الحرب المفتوحة، محافظين على سقف محدد للضربات رغم توسع رقعتها تدريجياً. ويرون أن واشنطن حريصة على توجيه ضربات تعزز الردع وتحافظ على تفوقها العسكري دون الانخراط في حرب طويلة، بينما تدرك طهران أن المواجهة الشاملة مع أميركا ستكون وجودية، لكنها ترفض تآكل قدرتها على الردع أو خسارة نفوذها الإقليمي. وهذا يعقد حسابات الطرفين ويثير تساؤلات حول قدرة قواعد 'التصعيد المنضبط' على ضبط الصراع، وما إذا كانت المنطقة أمام انهيار هذه القواعد.

AFP__20260719__C2KJ3CQ__v1__MidRes__UsIranIsraelWar.jpg

يعيد تجدد الضربات بين الولايات المتحدة وإيران واتساع نطاقها تدريجاً المخاوف من احتمالات انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة (أ ف ب)

ووفق تقييم العميد أيمن الروسان، المحلل الأردني المتخصص في شؤون الدفاع، فإن "طبيعة المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران تشير إلى انتقالها من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة الاستنزاف العسكري المنظم"، موضحاً في حديثه لـ"اندبندنت عربية" إن التركيز العملياتي الأميركي "لم يعد منصباً على استهداف المواقع العسكرية التقليدية فقط، بل اتجه إلى ضرب البنية اللوجستية ومراكز القيادة والسيطرة وشبكات النقل والموانئ، بهدف تقليص القدرة التشغيلية للقوات الإيرانية وعزل مسارح العمليات عن خطوط الإمداد".

وذكر الروسان، أن واشنطن تراهن "على أن إضعاف القدرات اللوجستية سيحد من قدرة طهران على المناورة العسكرية واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، وصولاً إلى فرض واقع عسكري جديد يمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى، وربما دفع القيادة الإيرانية إلى القبول بشروط تفاوضية أكثر تشدداً بعد إضعاف أدواتها العسكرية والاقتصادية"، معتبراً أن الضربات الأميركية الأخيرة "تعكس تحولاً في مفهوم إدارة الحرب، من استهداف القدرات العسكرية المباشرة إلى استهداف مراكز الثقل التي يقوم عليها النظام العسكري الإيراني، بما يشمل البنية التحتية اللوجستية وشبكات الإمداد ومرافق الطاقة والموانئ".

ومع تأكيده على أن الهدف العسكري الأميركي من استمرار توجيه ضربات لإيران لم يعد "تدمير قوتها العسكرية وحسب وإنما تقليص قدرتها كذلك على الاستمرار في القتال وإطالة أمد المواجهة، وهو ما يندرج ضمن استراتيجية الاستنزاف والإكراه الاستراتيجي الرامية إلى فرض إرادة سياسية عبر الضغط العسكري والاقتصادي المتواصل"، يشير الروسان في المقابل، إلى أن إيران "حتى الآن لا تزال قادرة على امتصاص جزء من الضربات وتوسيع دائرة الرد، سواء عبر استهداف مصالح وقواعد أميركية في المنطقة أو من خلال تطوير استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والصواريخ الفرط صوتية القادرة على المناورة، الأمر الذي جعل المواجهة تدخل مرحلة أكثر تعقيداً"، معتبراً أن هذا التعقيد يجعل من "التفوق العسكري الأميركي أمراً غير كاف لتحقيق أهداف سياسية حاسمة، بخاصة مع استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يؤكد أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة السيطرة الفعلية على الممرات البحرية أو فرض الاستقرار في بيئة عمليات شديدة التعقيد"، على حد وصفه.

من جانبه، يرى العميد سعيد قزح المتخصص العسكري والاستراتيجي اللبناني، أن جولة التصعيد الراهنة "ما هي إلا استمرار للحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي، إنما بوتيرة أخف وأقل تصعيداً"، موضحاً في حديثه معنا، أن واشنطن تركز بشكل رئيسي على مجموعة من الأهداف العسكرية التي تسعى لتحقيقها، والمتمثلة في "تقطيع أوصال المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية لإيران التي تطل على مضيق هرمز من أجل عزل هذه المنطقة في حال رغبة واشنطن في تنفيذ أي عملية مستقبلية على الساحل الإيراني المتحكم في المضيق أو جزرها الرئيسية في تلك المنطقة".

وتابع قزح: "تعكس طبيعة الضربات الأميركية ونطاقها الجغرافي حتى الآن، رغبة أميركية في قطع الخطوط والجسور وطرق الإمداد عن المناطق الإيرانية الساحلية، مع العمل على عزل القوة العسكرية والبشرية الموجودة داخل هذه المناطق المطلة على هرمز، وذلك عبر التركيز على ضرب أجهزة المراقبة والرادار والرصد الإيرانية التي تتبع الملاحة البحرية عبر هرمز، فضلاً عن تدمير مخازن الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيرة التي تستخدمها طهران في غلق المضيق".

وبحسب قزح، فإنه انطلاقاً من تلك الأهداف العسكرية فإن الولايات المتحدة "قد تنجح تحقيق الجزء الأكبر منها، لكن لا تستطيع أن تمنع نهائياً خطر استهداف إيران للسفن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، إذ تصعب طبيعة الجغرافيا الإيرانية وطول سواحلها من القضاء على هذا الخطر نهائياً".

AFP__20260718__C2JR9DR__v3__MidRes__TopshotIranUsIsraelWar.jpg

على مدار الأيام وسعت واشنطن نطاق الأهداف التي تُضرب في إيران لتشمل الجسور ما يمثل تحولا كبيرا في جولة التصعيد الراهنة (أ ف ب)

ووفق قزح، فإن "عودة التصعيد والحرب وإن بصور مختلفة كان متوقعاً ومرتقباً منذ اليوم الأول لتوقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران"، معتبراً أن تلك المذكرة ببنودها الـ14 "حملت نصوصها بذور تفجيرها لا سيما بعد أن فسرت إيران التنازلات الأميركية باعتبارها انتصاراً يستدعي فرض شروطها".

ويتمحور الخلاف بين البلدين حول السيطرة على مضيق هرمز، إذ تطالب إدارة ترمب بأن تتخلى إيران عن نفوذها على الممر البحري، بينما تعتبر طهران أن مذكرة التفاهم الموقعة الشهر الماضي تمنحها حق إدارة حركة الملاحة فيه. وقد أدى هذا التباين في تفسير الاتفاق إلى انهياره، بعدما تبادلت واشنطن وطهران الاتهامات بانتهاك بنوده.

وخلال الأيام الأخيرة وسعت الولايات المتحدة نطاق ضرباتها على إيران، مع استهدافها محافظات في مختلف أنحاء الجمهورية الإسلامية، في المقابل واصلت طهران استهداف دول بالمنطقة، كذلك أعلنت مسؤوليتها عن مهاجمة  ناقلات نفط في مضيق هرمز.

وتقول واشنطن إنها تستهدف بالأساس مراكز قيادة عسكرية إيرانية ومواقع الدفاع الجوي والمراقبة الساحلية والقدرات البحرية ومنصات إطلاق صواريخ وطائرات مُسيّرة وشبكات اتصالات "وذلك بهدف زيادة تقويض قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية والبحارة المدنيين العابرين لمضيق هرمز".

احتمالات عودة "الحرب المفتوحة"

مع دخول التصعيد أسبوعه الثاني واتساع دائرته، ينذر "حدوث أي خطأ أو تقدير في الحسابات العسكرية" بخروج المواجهة عن شكلها الراهن نحو صراع مفتوح يصعب احتواء تداعياته، سواء على مستوى الإقليم أو الاقتصاد العالمي، بحسب ما يقول مراقبون ومحللون.

ويقول اللواء محمد الشهاوي، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاسترايتيجية في مصر، إن "خطر التصعيد غير المحسوب والانزلاق نحو الحرب الشاملة يبقي موجوداً إلا أننا لم نصل بعد إلى نقطة اللاعودة"، موضحاً في حديثه معنا "عندما نحلل ذلك من زاويتي الدوافع والكوابح، نجد أن الأخيرة والمتمثلة بالأساس في كلفة الحرب على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي قد تبقي التصعيد في دوائره الراهنة".

AFP__20260719__C2KA3T4__v1__MidRes__IranUsIsraelWar.jpg

أعلنت طهران أنها في "حرب شاملة" مع الولايات المتحدة ودعا الرئيس بزشكيان الإيرانيين ليكونوا "واقعين ويقبلوا بالتداعيات الطبيعية لهذه المقاومة" (أ ف ب)

وبحسب الشهاوي، فإن دوافع عودة التصعيد تتمثل في "فشل المسارات الدبلوماسية ووصول المفاوضات لطريق مسدود، فضلاً عن محاولة كل طرف فرض قواعد اشتباك جديدة بالقوة، إضافة للضغوط الداخلية على كلا الطرفين لدفعها لاتخاذ موقف صلب"، مضيفاً "لا تزال حسابات الأطراف تحول دون الانزلاق إلى حرب شاملة، هي السيناريو الأكثر ترجيحاً، لا سيما لما يحمله هذا السيناريو من كلفة باهظة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، ورغبة الولايات المتحدة في تجنب حرب جديدة واسعة في الشرق الأوسط قد تؤثر على ملفات مهمة، الصين وروسيا وأوكرانيا وملف انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فضلاً عن تحرك أطراف إقليمية ودولية لعودة دور الوساطة واحتواء التصعيد".

وبحسب الشهاوي فإن التصعيد الراهن وطبيعته "يجعل الشرق الأوسط في منطقة رمادية"، موضحاً أن "التصعيد موجود ولكن كل الأطراف تدرك خطورة الانزلاق لحرب شاملة، وعليه فإن العودة إلى مسار دبلوماسي قادر على فك نقاط الاشتباك يبقى المسار الأمثل قبل فوات الأوان".

الأمر ذاته توافقت معه دانية ظافر، المديرة التنفيذية لـمنتدى الخليج الدولي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، قائلة إن الضربات لا تزال تتبع نمط "الرد بالمثل"، مشيرة، وفق ما نقلت عنها صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، إلى أن استهداف البنية التحتية يمثل تصعيداً، لكنه لا يعني العودة إلى "حرب واسعة النطاق".

في الاتجاه ذاته، ووفق العميد أيمن الروسان، فإنه وعلى رغم أن "المؤشرات الحالية تدل على ارتفاع مستوى التصعيد، لكنها لا تعني بالضرورة أن المنطقة أصبحت على أعتاب حرب إقليمية مفتوحة مجدداً"، موضحاً أنه في مواجهة المؤشرات التي تعزز رغبة واشنطن في التصعيد لـ"استعادة قوة الردع وتحقيق إنجاز عسكري يعوض غياب الحسم السياسي إلى جانب سعي تل أبيب لاستمرار الضغط على إيران ومنعها من استعادة قدراتها العسكرية"، توجد كوابح قوية تحد من احتمالات الحرب الشاملة، تتمثل في "الكلفة الاقتصادية والعسكرية الباهظة لأي مواجهة واسعة، وإمكانية تعطل إمدادات الطاقة العالمية وإغلاق مضيق هرمز لفترات أطول، إضافة إلى الأخطار التي قد تطاول القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، فضلاً عن الضغوط الدولية الرامية إلى احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع إقليمي مفتوح قد يمتد إلى ساحات جديدة".

وعليه، يرى الروسان، أن "السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار حرب الاستنزاف، مع تنفيذ ضربات أميركية أكثر كثافة ضد مراكز القيادة والبنية اللوجستية الإيرانية، يقابلها استمرار إيران في توسيع نطاق الرد ضد المصالح الأميركية والإقليمية من دون الوصول إلى مواجهة شاملة"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن هذا السيناريو "يبقى شديد الهشاشة، لأن أي هجوم يؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة أو يستهدف منشآت استراتيجية حساسة قد يدفع الطرفين إلى تجاوز سقف التصعيد الحالي والدخول في مرحلة جديدة أكثر اتساعاً".

ويتابع الروسيان: "بتقديري أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك، وأن الصراع لم يعد يدور حول تحقيق انتصار عسكري سريع، بل حول استنزاف القدرات وإعادة رسم موازين الردع. ومع غياب مؤشرات حقيقية على تسوية سياسية قريبة، فإن أخطر ما يواجه المنطقة ليس فقط استمرار الحرب، وإنما احتمال حدوث خطأ في الحسابات العسكرية أو السياسية قد يحول المواجهة الحالية من حرب استنزاف طويلة إلى حرب إقليمية يصعب احتواء تداعياتها".

واعتبر الروسان أن "استهداف وسقوط جنود أميركيين في التصعد الراهن مثل حلقة ضغط جديدة على إدارة الرئيس دونالد ترمب، ورفع سقف المطالب الداخلية برد عسكري أكثر قوة لاستعادة الردع، في المقابل، تحاول إيران إظهار قدرتها على فرض كلفة مرتفعة على أي تصعيد أميركي، من خلال توسيع نطاق الاستهداف ليشمل القواعد والأصول العسكرية الأميركية، بما يعزز معادلة الردع المتبادل ويزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراع".

وقُتل الجمعة 4 جنود أميركيين في الشرق الأوسط، في أول خسائر من نوعها منذ التصعيد الجديد، وبحسب القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، فقد قتل جنديان في ضربات إيرانية استهدفت قاعدة عسكرية في الأردن، كذلك عُثر في الموقع على رفات يُرجح أن تكون عائدة لجندي ثالث فُقد أثره، كذلك قتل جندي آخر أثناء تفجير ذخائر غير منفجرة تعود لطائرة إيرانية مسيّرة أُسقطت في شمال العراق، ما يرفع عدد العسكريين الأميركيين القتلى منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي إلى 17.

اقرأ المزيد

في المقابل، يرى العميد سعيد قزح، أن "سيناريو الحرب الشاملة أمر متوقع لا سيما مع عودة الاستعدادات العسكرية الكبيرة من الجانب الأميركي والمتمثلة في إعادة الطائرات الحربية والمقاتلات التي كانت قد سحبتها واشنطن من المنطقة لا سيما طائرات التزود بالوقود"، مشيراً إلى أن اتساع نطاق دائرة الاستهداف الأميركية في إيران بما يتجاوز مناطق جنوب البلاد التي انحصرت فيها الضربات منذ استئناف الأعمال القتالية في 7 يوليو (تموز) الجاري، بما يشمل مناطق وسط البلاد وشمال غربها، يؤشر على مستويات التصعيد التي قد نشهدها في الأيام المقبلة.

واعتبر قزح، أن إصرار طهران على السيطرة على مضيق هرمز مع رفض التعاطي مع الحلول السلمية لملفها النووي، سيبقيا ملفين عالقين لعودة واستمرار الحرب مجدداً.

وتتوافق رؤية قزح مع تقديرات أميركية بعزم واشطن توسيع دائرة الحرب مع إيران، إذ نقلت تقارير أميركية، عن مسؤولين لم تسمهم قولهم إن "الولايات المتحدة تبدو مستعدة لسيناريوهات أكثر حسماً مع طهران عبر توسيع دائرة الحرب"، وهو ما يتوافق مع مؤشر زيادة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لعدد طائراتها العسكرية في المنطقة.

AFP__20260720__C2LM348__v1__MidRes__UsPoliticsTrump.jpg

مع عودة التصعيد وانهيار مذكرة التفاهم أعلن الرئيس ترمب استئناف الحصار البحري على الموانئ الإيرانية (أ ف ب)​​​​​​​

وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي بتوسيع نطاق الأهداف التي تُضرب في إيران لتشمل محطات الطاقة والجسور وإرسال قوات برية للسيطرة على جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني الرئيسي، وقصف موقع "بيكاكس ماونتن" (جبل الفأس) النووي الموجود تحت الأرض.

كذلك اعتبرت إيران على لسان رئيسها مسعود بزشكيان، أنها في "حرب شاملة" مع الولايات المتحدة، الذي قال أمس بحسب بيان صادر عن الرئاسة "الحقيقة هي أن جمهورية إيران الإسلامية منخرطة في حرب شاملة"، مضيفاً "علينا أن نكون واقعيين ونقبل بالتداعيات الطبيعية لهذه المقاومة"، على حد وصفه.

ماذا عن المسار السياسي؟

على رغم انهيار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران على وقع الضربات المتبادلة بين البلدين، فإن مؤشرات سياسية ودبلوماسية بدت أكثر حضوراً في الساعات الأخيرة، عكست رغبة إيران والولايات المتحدة في استئناف الجهود الدبلوماسية لإنهاء تصاعد وتيرة الهجمات.

فمن جانبها، قالت وزارة الخارجية ‌الإيرانية على لسان المتحدث باسمها، إسماعيل بقائي، إن الوسطاء قدموا في الآونة الأخيرة مقترحات إلى طهران، في مؤشر على استمرار الاتصالات الدبلوماسية، وقال بقائي في مؤتمر صحافي في طهران أمس الإثنين، إن بلاده "تلقّت رسائل" عبر وسطاء، رافضاً "الخوض في التفاصيل"، ومضيفاً "المهم أن الجهاز الدبلوماسي كان نشطاً في الأيام الأخيرة، وقد نُقلت إلينا أفكار عبر بعض الوسطاء".

من جانبها، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول إيراني كبير قوله إن الوسطاء قدموا لطهران مقترحاً لتهدئة الحرب ‌مع الولايات المتحدة، ينص على وقف إطلاق النار عشرة أيام بهدف إيجاد سبل لإحياء الاتفاق الموقت ‌الذي يهدف إلى تمهيد الطريق لاتفاق دائم لإنهاء الحرب، كذلك قال مصدران حكوميان باكستانيان على نحو منفصل إن وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، الذي يزور باكستان حالياً لإجراء مزيد من المحادثات، طلب من إسلام آباد استئناف الوساطة في الصراع ‌الإيراني- الأميركي. ووصل مؤمني في وقت لاحق إلى إسلام آباد لإجراء مزيد من المحادثات.

AFP__20260720__C2PK3WE__v1__MidRes__PakistanWarIranUsIsrael.jpg

وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني خلال لقائه نظيره الباكستاني في إسلام أباد لبحث تطورات الحرب (أ ف ب)

وجاءت هذه الجهود الدبلوماسية عقب ليلة أخرى شهدت وقوع غارات أميركية على مدن إيرانية وهجمات من الحرس الثوري الإيراني على أصول عسكرية أميركية في جميع أنحاء المنطقة.

ويقول مراقبون، إن التحدي الأبرز الذي يواجه جهود الوساطة التي تقودها دول عربية وباكستان وأطراف أخرى لإحياء الهدنة أو استئناف المفاوضات تتمثل في انعدام الثقة بين واشنطن وطهران ما يجعل أي مسار دبلوماسي بالغ الصعوبة.

لكن ما يعزز احتمال تحقيق اختراق سياسي، وفق ما تقول مجلة "إيكونوميست" البريطانية، أن أياً من الطرفين لا يمتلك خياراً عسكرياً قادراً على تحقيق أهدافه. فواشنطن، على رغم مئات الضربات الجوية، لم تتمكن من إنهاء قدرة إيران على تهديد الملاحة، لأن الأخيرة لا تزال تمتلك صواريخ ومسيّرات قادرة على استهداف السفن حتى من داخل الأراضي الإيرانية، وفي المقابل، لا تستطيع طهران الاستفادة اقتصادياً من استمرار إغلاق المضيق، بعدما عادت العقوبات الأميركية وجرى استئناف الحصار البحري، فيما تتراجع صادراتها النفطية ويزداد الضغط على اقتصادها المتأزم، مشيرة إلى أن الأسواق بدأت تشعر بتداعيات الأزمة، إذ تراجعت حركة ناقلات النفط إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر، وعاودت أسعار النفط إلى الارتفاع وسط مخاوف من استمرار تعطل الإمدادات العالمية.

وبحسب تقديرات غربية فإن استمرار الحرب قد يخدم مصالح الحرس الثوري الإيراني أكثر مما يخدم واشنطن، لأن الصراع الطويل يعزز موقع المؤسسة العسكرية داخل النظام الإيراني ويمنحها مبررات إضافية لتشديد قبضتها الأمنية. وتنقل مجلة "نيوزويك" الأميركية، عن أندرياس كريغ، أستاذ الأمن في كلية كينغز بلندن، قوله إن الحرب الطويلة "تقوي النموذج السياسي للحرس الثوري"، لأنها تبقي البلاد في حالة تعبئة مستمرة، وتبرر قمع المعارضة، وتكرس الحرس بوصفه المدافع الأساسي عن الدولة، معتبراً أن طهران تحتفظ بأهم أوراق قوتها من خلال قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وإرباك أسواق الطاقة العالمية، وهي أدوات تمنحها تأثيراً يفوق بكثير قدراتها العسكرية التقليدية.

تظهر المواجهة الحالية تحولاً في الاستراتيجيات العسكرية للطرفين، حيث تركز الولايات المتحدة على استنزاف القدرات اللوجستية الإيرانية، بينما تسعى إيران إلى توسيع دائرة الردع عبر تطوير أسلحتها. ويظل مضيق هرمز نقطة الاشتعال الرئيسية التي قد تؤدي إلى حرب شاملة إذا أخطأ أي من الطرفين في حسابه. كما أن تعثر المفاوضات يزيد من احتمالية استمرار التصعيد، مما يهدد استقرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي.