لماذا تتناقض أفعال وتصريحات النظام الإيراني؟
يعاني النظام السياسي الإيراني من عزلة شعبية داخلية وانقسام حاد بين النخبة الحاكمة من أتباع الخميني، مما يسبب عدم استقرار في القرار السياسي وتناقضاً في السياسات والتصريحات الإعلامية، وهو ما ينعكس سلباً على مستقبل النظام واستقرار المجتمع.
يستعرض المقال جذور التناقض في السياسات الإيرانية التي تعود إلى عزلتها الشعبية وانقسام النخبة الحاكمة.
عندما وصل نظام الشَّاه محمد رضا بهلوي لنهايته في 1979م نتيجة لسياساته الخاطئة التي أدت لسلبيات متصاعدة في الكثير من المجالات وخاصة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والدينية والثقافية والتجارية وقطاع الأعمال، كانت معظم فئات الشعب الإيراني تُصعِّد مطالبها بوجوب الإصلاح السريع لتخفيف السلبيات المتصاعدة التي تؤثر على مستوى معيشة وحياة الناس. وعندما لم ينجح نظام الشاه بمعالجة السلبيات المُتصاعدة التي تطالب بها معظم فئات الشعب الإيراني، نجح الخُميني، رجل الدين الأبرز الذي كان معارضاً لنظام الشاه لأكثر من عشرين عاماً، بقيادة ثورة شعبية عامة، شارك بها معظم فئات الشعب الإيراني، تسببت بسقوط نظام الشاه، وساهمت بتأسيس نظام سياسي جديد بقيادة الخُميني في فبراير 1979م.
نعم، لقد قاد الخُميني ثورة الشعب الإيراني التي تشكلت من مختلف الفئات السياسية والحزبية، والتوجهات الفكرية والدينية، والتطلعات الاقتصادية والتجارية، والطبقات الاجتماعية والشعبية، والانتماءات الأمنية والعسكرية، وغيرها من فئات، مما ساهم بسرعة تأسيس نظام سياسي جديد لم يواجه معارضة حقيقية من أنصار نظام الشاه الذي تم إسقاطه. لقد كانت ثورة شعبية عامة تطلع من خلالها أبناء إيران إلى:
1) قيام نظام سياسي يمثل مختلف الفئات والتوجهات والتطلعات والطبقات والانتماءات.
2) تأسيس نظام سياسي يتيح المشاركة السياسية العادلة للجميع.
3) تأسيس نظام سياسي يعمل على التنمية الاقتصادية الشاملة.
4) تأسيس نظام سياسي يعمل على محاربة جميع مظاهر الفساد السياسي والإداري والمالي والاجتماعي التي تسببت بخروج الشعب على نظام الشاه.
إلا أنه وعلى النقيض من ذلك، اكتشف أبناء الشعب الإيراني بأن جميع تطلعاتهم من الثورة التي شاركوا فيها لن تتحقق، وجميع آمالهم وأحلامهم حول مستقبل دولتهم ومكانتها السياسية ستظل آمالاً وأحلاماً لن تُبصر النور، وذلك بسبب التوجهات والسياسات الأمنية والعسكرية وغير البناءة التي تأسس عليها النظام السياسي الجديد بقيادة الخُميني.
نعم، لقد عمل الخُميني بعد سيطرته على النظام السياسي الجديد على التفرد بالسلطة، وإقصاء كل من لا يتفق معه من أصحاب التوجهات السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، وغيرهم من المُختلفين معه فكرياً وسياسياً، واحتكر السلطة وجعلها لأصحاب التوجهات الفكرية المتوافقة مع توجهاته وتطلعاته السياسية والفكرية والدينية. وتأسيساً على هذه الطريقة التي عمل بها الخُميني، سيطر تيار واحد على النظام السياسي الإيراني والمتمثل بأصحاب التوجهات الفكرية المؤمنة بتوجهات وأفكار الخُميني، وإقصاء كل من لا يتفق مع توجهاتهم. ولعل هذه النتيجة الأولى لتشكل نظام سياسي ذا توجه أحادي فكرياً وسياسياً، مما تسبب عاماً بعد عام بتراجع شعبية النظام السياسي حتى وصل لمرحلة العزلة السياسية عن الشعب الإيراني نتيجة لسياساته الخاطئة التي تسببت بانقسامات داخلية وعزلة وعقوبات دولية.
وإذا كانت النتيجة الأولى للممارسات الأحادية لنظام الخُميني تسببت بعزلة للنظام السياسي الإيراني على المستويات الشعبية داخلياً، وعلى المستويات الإقليمية والدولية، فإن الصِراعات الداخلية-الداخلية بين التيار الأحادي المُسيطر على النظام السياسي الإيراني، والمتمثل بأتباع فكر وتوجه الخُميني، تتسبب بتناقض في السياسات والتوجهات والأفعال والتصريحات، وذلك لأسباب عديدة، منها:
1) وجود نخبة سياسية جديدة ولدت بعد ثورة 1979م، وتملك أفكاراً وتوجهات مختلفة عن جيل الثورة الذي يكبرها سناً وما زال مسيطراً على السلطة.
2) وجود نخبة سياسية جديدة ولدت بعد ثورة 1979م، وتؤمن بأفكار وتوجهات الخُميني وتأمل بمواصلة قيادة الدولة وخلافة المسيطرين على السلطة.
3) وجود صراع سياسي بين نخبة سياسية ترى بأهمية تغيير التوجهات السياسية داخلياً والتقرب من الشعب الإيراني وتلبية متطلباته، وذلك لأجل المحافظة على استقرار النظام، ونخبة سياسية أخرى ترى بعدم أهمية إحداث أي تغييرات في السياسة الداخلية.
4) وجود صراع سياسي بين نخبة سياسية ترى بوجوب تغيير التوجهات السياسية الخارجية والتعامل بعقلانية مع التحديات الإقليمية والدولية لأجل المحافظة على بقاء النظام السياسي، ونخبة سياسية أخرى ترى بوجوب الاستمرار على التوجهات السياسية والأمنية التي تأسس عليها النظام السياسي ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية والتعامل معها مهما كان حجم ومستوى التحديات.
5) وجود صراع سياسي بين نخبة سياسية تؤمن بأهمية الاندماج بالمجتمع الإقليمي والدولي، والعمل بالقانون الدولي، للاستفادة من الفرص السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتجارية التي من شأنها أن تساهم بتعزيز مكانة إيران داخلياً ودولياً، ونخبة سياسية أخرى تؤمن بوجوب الاستمرار على المنهج الذي تأسس عليه النظام والمتمثل بالمواجهة المباشرة وغير المباشرة مع الدول الإقليمية والدولية، وتجاهل القانون الدولي.
6) وجود صراع سياسي بين نخبة سياسية تؤمن بالدبلوماسية والحوار والمفاوضات لحل الخلافات السياسية والأمنية مع الدول بدلاً من الصراع والحروب، ونخبة سياسية أخرى تؤمن بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول بأي طريقة كانت وترى بأن ذلك هو السبيل الأمثل لتحقيق توجهات وسياسات إيران الداخلية والإقليمية والدولية.
وفي الختام، من الأهمية القول، إن النظام السياسي الإيراني يعاني بعد 47 عاماً من تأسيسه من الآتي:
1) حالة عزلة شعبية داخلية بسبب احتكار السلطة من أتباع الخُميني واستبعاد جميع المكونات الشعبية.
2) حالة صراع متصاعدة بين المسيطرين على السلطة من أتباع الخُميني بسبب اختلاف رؤاهم حول الطريقة الصحيحة لمعالجة القضايا الداخلية ومواجهة التحديات الخارجية.
نعم، إن حالة العزلة الشعبية الداخلية التي يعاني منها النظام السياسي الإيراني، وحالة الانقسام الداخلية بين النخبة الحاكمة من أتباع الخُميني المُؤسس للنظام، تتسببان بعدم استقرار القرار السياسي، وتؤديان لتناقض في السياسات المُتخذة والتصريحات الإعلامية، مما سيؤثر سلباً على مستقبل النظام السياسي واستقرار المجتمع الإيراني.
هذا التناقض الداخلي يضعف قدرة النظام على اتخاذ قرارات موحدة، ويزيد من احتمالية حدوث تغييرات مفاجئة في السياسة. كما أن استمرار العزلة الشعبية يهدد استقرار النظام على المدى الطويل. وقد تؤدي هذه الانقسامات إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في إيران.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.