ملخص

تتجه الأنظار نحو حي تل السلطان في رفح، الذي بات محوراً لما يعرف بـ"الخطة ب" الرامية لبلورة نموذج "غزة الجديدة"؛ حيث يتم العمل على تقسيم القطاع ميدانياً وتوظيف أموال الإعمار في مناطق إدارية بديلة تحت إشراف "قوة الاستقرار الدولية"، سعياً لتقليص نفوذ الفصائل المسلحة وحصر تواجدها في النطاق الغربي فقط.

تأتي هذه التحركات الميدانية في ظل تعقيدات إقليمية ودولية متزايدة تحيط بمستقبل قطاع غزة ومسارات الحل السياسي المطروحة.

في خطوة علنية لافتة، شرع "مجلس السلام" في تجهيز أول منطقة إنسانية داخل الشطر الشرقي من غزة الخاضع للسيطرة الإسرائيلية. وشهد حي تل السلطان غرب رفح نشاطاً مكثفاً لآليات ثقيلة قامت بنصب البيوت الجاهزة (الكرفانات) وتأسيس بنية تحتية للطاقة الشمسية وشبكات المياه، في محاولة لإعادة تأهيل الحي الذي تعرض لدمار واسع جراء النزاع بين "حماس" وإسرائيل.

ليس صدفة أن اختار "مجلس السلام" تدشين المنطقة الإنسانية التجريبية في رفح، إذ لا يعيش في منطقة تل السلطان أي من الغزيين الأصليين، في خضم الحرب أمرهم الجيش الإسرائيلي بإخلاء مناطقهم فوراً، وفرضت القوات على الحي سيطرة عسكرية كاملة، وينشط داخله عصابات مسلحة تفرض واقعاً أمنياً معقداً. 

أول خطوة عملية 

يبدو تدشين المنطقة الإنسانية في غزة الشرقية بعيداً من سيطرة "حماس" مشروعاً إغاثياً موسعاً وخطوة أولى في إعادة بناء غزة الجديدة، إذ يمثل في عمقه أول خطوات الانتقال العملي نحو "الخطة ب"، التي ينفذها "مجلس السلام" لفرض واقع إداري وسياسي جديد يحيد الفصائل الفلسطينية بمعزل عن نتائج مفاوضات القاهرة المتعثرة. 

وتقوم "الخطة ب" على مبدأ نقل السكان تدريجاً من غزة الغربية، التي تسيطر عليها "حماس"، إلى غزة الشرقية الخاضعة في الوقت الحالي لسيطرة إسرائيل.

تستند هذه الخطة إلى البند رقم 17 من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام والازدهار ذات البنود الـ20، الذي ينص على أنه "في حال رفضت حركة 'حماس' التخلي عن سلاحها أو ماطلت في المفاوضات، فإن "مجلس السلام" يبدأ منفرداً بإنشاء مناطق إدارية نموذجية داخل المربعات الخاضعة للسيطرة الميدانية للجيش، من دون شرط موافقة الفصائل".

تهدف "الخطة ب" إلى تحويل تل السلطان في رفح إلى حقل تجارب لـ"غزة الجديدة"، عبر تقسيم القطاع والبدء بضخ أموال الإعمار والمساعدات في مناطق الإدارة المدنية البديلة الخاضعة لرقابة "قوة الاستقرار الدولية"، مما يحصر وجود الفصائل المسلحة في مناطق غزة الغربية فقط.

وفي جوهر "غزة الجديدة" فإنها تقوم على مبدأ تفكيك الهوية السياسية والعسكرية الحالية للقطاع، وإعادة صياغته ضمن مشروع أميركي صممه مستشارو الرئيس ترمب ليكون امتداداً لما يعرف بـ"ريفييرا الشرق الأوسط"، عبر تحويل ساحل غزة إلى منطقة استثمارات سياحية وتجارية ضخمة تندمج مع موانئ ومشاريع الإقليم.

"الخطة ب"

هبطت الآليات التابعة لـ"مجلس السلام" في تل السلطان بعد انسداد كامل في المفاوضات التي يجريها "مجلس السلام" والوسطاء مع "حماس"، إذ تمحورت العقدة الكبرى في تمسك الحركة الفلسطينية بالسيطرة على الجهاز المدني للقطاع.

وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود بسبب خلافات جوهرية، أبرزها مصير نحو 50 ألف موظف حكومي جرى توظيفهم منذ عام 2007، إضافة إلى تعثر التوافق حول آلية الإشراف الأمني على المعابر. وتتمسك الفصائل بالحفاظ على بنيتها التحتية كشرط مسبق، في حين يصر الجانبان الأمريكي والإسرائيلي على ضرورة إنهاء المنظومة العسكرية للحركة.

33333.jpg

فلسطينيون في موقع غارة إسرائيلية على مبنى سكني في غزة (رويترز)

التصلب في موقف "حماس" دفع "مجلس السلام" لسحب خطة السلام والازدهار القائمة على الاتفاق المتبادل بين "حماس" وإسرائيل، وتفعيل "الخطة ب"، وهي استراتيجية لا تبحث عن توقيع من الفصائل، بل تبدأ بفرض الواقع البديل مباشرة في الميدان.

لذلك شرع "مجلس السلام" في عملية عزل وتطهير عسكري تنفذها القوات الإسرائيلية على حي تل السلطان في رفح لتحويله إلى منطقة منزوعة السلاح تماماً، ليأتي دور "مجلس السلام" في ملء الفراغ فوراً عبر تقديم الخدمات الإنسانية والبدائل المدنية، متجاوزاً أي هيكل إداري في غزة.

يعقب الرئيس التنفيذي لـ"مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف قائلاً "العملية معقدة للغاية وتتطلب اتخاذ كثير من الخطوات الصغيرة للوصول في النهاية إلى اتفاق في شأن التنفيذ الكامل للخطة، فالتحركات على الأرض وبناء الثقة وتلبية الاحتياجات الأساسية هي المسار المباشر لليوم التالي".

على أرض غزة، من المفروض أن تتولى "اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة"، وجه الإدارة المدنية الجديدة المقبولة دولياً، حيث تجري الاستعدادات لبدء عملها في إدارة المربعات الآمنة.

يقول الباحث السياسي أحمد العجلة "يسعى هذا المخطط الإداري إلى سحب البساط تدريجاً وبصورة ناعمة من تحت أقدام المؤسسات الحكومية التابعة لـ'حماس'، لقد فهمت الحركة الإجراءات الأخيرة وعملت إعادة تموضع لتفادي الصدام الإداري المباشر، وتجنب تحمل المسؤولية المعيشية أمام السكان في مناطق خرجت عسكرياً وجغرافياً عن سيطرتها الفعالة". 

بالفعل، حلت حركة "حماس" لجنة الطوارئ الحكومية التابعة لها وأعلنت استعدادها لنقل إدارة غزة إلى حكومة التكنوقراط، لكن يبدو أن "مجلس السلام" مصمم على نقل سكان غزة الغربية إلى المناطق الشرقية، يضيف العجلة "هذه الهندسة تعمل على تجفيف البيئة الحاضنة للسلاح، فبدلاً من خوض معارك سياسية حول نزع السلاح، يتم حرمان الفصائل من أهم أدوات سلطتها، وهي التحكم في لقمة العيش والمساعدات والوظائف، ليجد المواطن نفسه أمام معادلة صريحة تضعه بين القبول بنموذج الإدارة المدنية الجديدة لنيل السكن والعمل والخدمات، أو التمسك بالمنظومة القديمة والبقاء في مربعات عسكرية معزولة ومحرومة من الإعمار". 

كيف تعاملت "حماس" مع الخطة ب؟ 

بسرعة واجهت "حماس" "الخطة ب" بإعلان حل "لجنة الطوارئ الحكومية"، وهذه الخطوة دفعت الباحثين السياسيين للتساؤل إن كان هذا القرار تراجعاً من الحركة، أم أنه مجرد مناورة سياسية جديدة؟ 

تتبع "حماس" تاريخياً تكتيك "الانحناء الموقت أمام العاصفة" عندما تشتد الضغوط، ومن خلال انسحابها من إدارة الحياة اليومية، تريد الحركة إلقاء العبء الإنساني الثقيل وملفات الصحة والإغاثة والرواتب بالكامل على عاتق "مجلس السلام" والمجتمع الدولي. 

يشير المتحدث باسم الحركة حازم قاسم إلى أن "حماس" قررت حل اللجنة الحكومية لتسهيل دخول المساعدات لإنهاء المعاناة، ولأنها لن تكون عائقاً أمام أي ترتيبات إنسانية، مؤكداً استعداد الحركة لتسليم المرافق. 

يقول الباحث الأمني هشام المغاري "وجود لجنة التكنوقراط في غزة الشرقية فقط قد يمهد لسيناريو صدام فلسطيني إذا حاولت الشرطة الجديدة فرض القانون ونزع السلاح داخل المناطق الإنسانية، وهو ما سيرفضه مقاتلو الفصائل عسكرياً، مما يهدد بتفجير المنطقة بأكملها". 

ويضيف "لأن 'حماس' تدرك هذا الأمر جيداً، بدأت بالفعل في تطبيق خطة الاختراق الصامت للالتفاف على الفرز الأمني، إذ لجأت إلى تعزيز علاقاتها مع العشائر والعائلات الكبيرة لتضمن بقاء نفوذها وسلطتها الحقيقية، ولتصبح قادرة على توجيه الشارع والتحكم في مفاصل غزة الجديدة من دون الحاجة إلى رفع شعاراتها بصورة علنية". 

كيف يتعامل المجلس مع ملف السلاح؟ 

في الواقع، يثير بدء العمل في المربع الأمني بتل السلطان تساؤلات حاسمة حول مستقبل السلاح في القطاع، إذ يخطط "مجلس السلام" باتباع أسلوب فرض الأمر الواقع من خلال السماح بدخول المدنيين إلى المناطق الإنسانية بصورة طوعية، لكن بشرط خضوع كل فرد لعمليات فحص وتدقيق أمني دقيق ومعقد تشرف عليه أجهزة دولية، وبذلك يتم عزل أي شخص مرتبط بالعمل العسكري، وهذا يعني نزع سلاح المنطقة من دون الحاجة إلى توقيع اتفاقات سياسية مع الفصائل. 

تعتمد "الخطة ب" على تأسيس منظومة أمنية مزدوجة تتكامل فيها القوات الدولية مع العناصر المحلية، عن طريق نشر قوة الاستقرار الدولية لحماية حدود المنطقة الإنسانية من أي اختراقات عسكرية خارجية، فيما يتولى جهاز الشرطة الناشئ مهمة التعامل اليومي مع المدنيين. 

يقول الباحث العسكري سعيد شبانة "الرهان الأميركي هنا ذكي وخطر في آن واحد، فهم يستغلون الحاجة الماسة إلى العمل والرواتب لبناء عقيدة أمنية جديدة كلياً في غزة، تكون مهمتها حماية النموذج المدني المستقر وفصله تماماً عن الفصائل، مما يجعل المواطن والشرطي المحلي في مواجهة مباشرة لحماية لقمة عيشهم واستقرارهم ضد أية محاولة لإعادة عسكرة المنطقة". 

اقرأ المزيد

جودة المعيشة... حافز 

تعتمد "الخطة ب" في جوهرها على معادلة بسيطة، وهي "الإنعاش الاقتصادي لضمان الولاء"، إذ يدرك "مجلس السلام" أن السيطرة العسكرية والأمنية لا تكفي وحدها لاستدامة النموذج الجديد في تل السلطان برفح، ما لم تترافق مع تغيير ملموس في الواقع المعيشي للسكان. 

يقول الباحث المجتمعي عز سلمي "تقوم الفكرة على ربط لقمة العيش والاستقرار الاقتصادي اليومي للمواطن بمدى التزامه بالنموذج الإداري والأمني الجديد، فالوصول إلى السكن المجهز، والرعاية الطبية، وشبكات المياه والكهرباء المستدامة، يصبح مكافأة مباشرة للقبول بالعيش داخل المربعات منزوعة السلاح". 

ويضيف "في غزة التي تعاني نسبة بطالة قياسية تجاوزت 85 في المئة جراء الحرب، تطرح الخطة مشروعاً ضخماً لتشغيل آلاف العمال والمهنيين المحليين في مجالات البناء والصيانة وإعادة إعمار البنية التحتية، ملوحة بهدف رئيس، وهو تصفير البطالة في المناطق التابعة لها بالكامل". 

أما الباحث الاقتصادي سمير أبو مدللة، فيقول "هذا الأسلوب يمثل ذروة الهندسة الاجتماعية والسياسية بالمال، إذ يسعى المخطط إلى تحييد الحاضنة الشعبية للفصائل بالتدريج، فالعامل الذي يجد وظيفة مستقرة وراتباً مجزياً لتأمين عائلته داخل منطقة آمنة، سيتحول تلقائياً إلى مدافع عن استقرار هذا النموذج". 

"حماس" وإسرائيل تحذران 

على رغم تحسين جودة حياة الغزي في "الخطة ب"، فإن تحويل تل السلطان إلى مربع أمني إنساني تجريبي يواجه تحذيراً من الفصائل الفلسطينية حول أخطار "الهندسة الديمغرافية الخطرة" لقطاع غزة.

يقول عضو المكتب السياسي في حركة "حماس" باسم نعيم "تجميع المواطنين في تجمعات سكنية مشروطة بالفحص الأمني، يمثل عملية نزوح قسري مقنع تحت لافتة العمل الإنساني، تقسيم القطاع إلى مربعات معزولة ونظام كانتونات مغلقة يقضي تماماً على وحدة الأراضي الفلسطينية، ويتحول مع الوقت إلى أداة جغرافية لفرز السكان والتحكم في حركتهم، مما يغير الطبيعة السكانية للقطاع بصورة دائمة".

من الأساس، لا يبدو الجانب الإسرائيلي متوافقاً بالكامل على هذا النموذج، يقول وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير "الاعتماد على قوة الاستقرار الدولية أو لجان التكنوقراط لتفكيك نفوذ 'حماس' في رفح هو وهم خطر، هذه المربعات ستتحول على المدى الطويل إلى دفيئات آمنة غير مستقرة لإعادة تنظيم المسلحين، ما لم يحسم الجيش الملف عسكرياً بالكامل ويسيطر على الأرض بصورة دائمة".

ومن جانبه، أوضح رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست يولي إدلشتاين أنه "لا يمكننا المقامرة بأمن مواطنينا عبر نقل الصلاحيات الأمنية والسيطرة على معابر حساسة مثل رفح إلى جهات دولية قبل القضاء الكامل على البنية التحتية والأنفاق، وغياب الحسم العسكري الشامل يعني أن هذه المناطق الإنسانية ستصبح جيوباً أمنية هشة تهدد بالتفجر في أية لحظة".

يعتقد المراقبون أنه بسبب هذا التناقض بين موقف واشنطن ومخاوف إسرائيل، فإن "الخطة ب" التي يسعى "مجلس السلام" إلى تطبيقها في رفح مهددة بالانهيار، نتيجة الرفض الشعبي والاشتراطات والعمليات العسكرية الإسرائيلية. 

تفتح هذه التطورات الباب أمام سيناريوهات معقدة تتعلق بمستقبل الإدارة المدنية في القطاع ومدى قابلية تنفيذ الخطط الدولية على الأرض. وسيراقب المجتمع الدولي مدى نجاح هذه المناطق التجريبية في إعادة صياغة الواقع الأمني والسياسي، في وقت تظل فيه خيارات التسوية الشاملة رهينة التجاذبات بين الأطراف الفاعلة.