انتهت المسرحية الخادعة

تصاعد الدخان فوق أبوظبي إثر ضُربة إيرانية. (رويترز)

رابط مختصر

https://arab.news/werb3

لطالما عرضت طهران على الخليج لسنوات طويلة دبلوماسية هادئة وتكيُّفاً حذراً، إلى جانب وعود بأن نزاعها محصور مع إسرائيل أو واشنطن، وليس مع جيرانها العرب. ثم جاءت الحرب، لتُقابل إيران وعودها الخاصة بالقوة.

أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيرة نحو أهداف عبر دول مجلس التعاون الخليجي الست. جرى اعتراض بعضها، بينما أصابت أخرى منشآت عسكرية وبنية تحتية ومناطق مدنية في البحرين والكويت والسعودية وقطر وعمن والإمارات، حيث تحملت الإمارات النصيب الأكبر من تلك الضربات مقارنة بأي دولة خليجية أخرى. وكانت بعض تلك الأهداف أصولاً أمريكية متمركزة داخل هذه البلدان، بينما لم يكن الكثير منها كذلك.

تفاوت حجم الضربات وتداعياتها بحسب كل دولة، لكن القرار الكامن خلفها كان واحداً. ست حكومات. ونظام واحد يقرر في كل مرة أن الأراضي الخليجية هدف مشروع. لم تقبل إيران قط بالخليج سوى باعتباره حديقتها الخلفية وجائزة طالما سال لعابها طمعاً فيها. ولقد أوجدت الحرب وضوحاً تاماً حيال ذلك. كما شكلت تحذيراً لمدى المدى الذي قد تذهب إليه إيران لولا الدفاعات الهائلة التي بنتها دول الخليج والتعاون الأمني الذي طوّرته مع شركائها، بما في ذلك الولايات المتحدة.

هذا النمط هو مسرحية إيران الخادعة، وليس مسرحية الخليج. لقد كان اختبار الحوار هو الخيار الصحيح لكل حكومة حاولت ذلك، وقامت كل حكومة بذلك وهي مدركة تماماً للأمور. وقد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثل منذ اندلاع الحرب، مختبراً ما إذا كانت إيران ستغير مسارها بالفعل. ولقد خلص بشكل متزايد إلى أن الكلام وحده لن يغير سلوك النظام، وأنه قد يتطلب الأمر ضغطاً عسكرياً أكبر بكثير لتحقيق ذلك.

لقد كان الانفتاح الإيراني مجرد تكتيك، تكتيك كانت طهران مستعدة دائماً للتخلي عنه اللحظة التي يتوقف فيها عن خدمة مصالح النظام. لم تكن الحرب سبباً لدفع إيران لمهاجمة جيرانها العرب الذين لمهاجموها ولم ينضموا إلى الحرب ضدها. بل أكدت تلك الحرب، بوحشية وبما لا يدع مجالاً للإنكار، ما فهمه الخليج طويلاً وكان مصمماً لإخفائه وراء دبلوماسيته المزعومة.

يعكس التفاوت في حدة الهجمات الإيرانية تقييم طهران للضغط على أساس كل دولة على حدة. وتزن إيران مدى تعرضها للخطر، والعلاقات التي لا تزال تأمل في الحفاظ عليها، ومقدار الضغط الذي تعتقد خطأً أنها قادرة على ممارسته على واشنطن، ومقدار الضغط الذي تريد وضعه مباشرة على كل حكومة خليجية.

ما فعلته الحرب هو تجريد إيران من قدرتها على إنكار نواياها. لقد أطلقت إيران النار على دول أظهرت لها الصبر والحوار وضبط النفس.

جيسون د. غرينبلات

تواجه كل دولة خليجية ظروفاً مختلفة، تشمل الجغرافيا، والتعرض العسكري، والتحالفات، والقنوات المؤدية إلى طهران، والاعتبارات الاقتصادية، من بينها مصالح إيران الخاصة ومصالح الأثرياء الإيرانيين الذين يمارسون أعمالاً تجارية في أجزاء من الخليج. ومجتمعة، تشكل هذه العوامل الضغط الذي تواجهه كل دولة والاستجابة المتاحة لها.

إن حكومات الخليج التي تواصلت مع طهران فعلت ذلك وهي تدرك تماماً طبيعة الأمور. لقد فهموا النظام الذي يتعاملون معه حتى وهم يختبرون بمسؤولية ما إذا كان بإمكان الدبلوماسية كبح جماحه. وما فعلته الحرب هو تجريد إيران من قدرتها على إنكار نواياها. لقد أطلقت إيران النار على دول أظهرت لها الصبر والحوار وضبط النفس.

لقد تحمّل الشعب الإيراني عواقب هذا النظام لفترة أطول وبصورة مباشرة أكثر من أي شخص آخر. إن الأمل بالنسبة لهم والوضوح بشأن حقيقة النظام هما أمران مختلفان. إن ترامب، وكل أصحاب النوايا الحسنة في كل مكان، يأملون في مستقبل يعيش فيه الإيرانيون تحت ظل حكومة تنفق ثروة بلادهم على شعبها وتندمج في المنطقة والعالم الأوسع، بدلاً من إنفاق تلك الثروة على الوكلاء والرؤوس الحربية. هذا المستقبل ليس قريباً من الأفق في أي مكان. ولا حتى قريبة منه. وللوصول إلى هناك في نهاية المطاف، فإن المنطقة، والمصالح الأمريكية إلى جانبها، تخدمها رؤية واضحة ونظرة استباقية وثابتة تجاه هذا النظام.

إلى أن يحين ذلك اليوم، تمتلك المنطقة إجابة حقيقية واحدة: الوحدة، مدعومة بقدرة حقيقية. وتعني الوحدة دفاعاً جوياً متكاملاً، ومعلومات استخباراتية مشتركَة، وفهماً واضحاً في طهران بأن الضغط على دولة خليجية واحدة سيُقابل برد جماعي مشترك. وينبغي أن يُفهم الصاروخ الإيراني القادم الذي يُطلق على أي دولة خليجية، من قِبل طهران والجميع، على أنه صاروخ أُطلق على الدول الست معاً.

من شأن هذا النوع من الوحدة أن يمنح ترامب أيضاً شيئاً قيّماً: منطقة موحدة تجعل حسابات إيران أكثر صعوبة وموقفه هو أقوى. وقد يدفع أوروبا أيضاً للكف عن المراقبة من الخطوط الخلفية والبدء في تقاسم أعباء الفوائد التي تتلقاها، بدءاً من مضيق هرمز الذي تسعى الإرادة الأمريكية للحفاظ على فتحه وصولاً إلى مليارات الأموال الخليجية التي تدفقت إلى الاقتصادات الأوروبية.

لا يتطلب أي من هذا أن يتفق الخليج على كل شيء آخر. إنه يتطلب شيئاً واحداً: رفض السماح لإيران بإحياء هذه المسرحية أو تخيل أن لديها أي فرصة لسرقة ما بناه الخليج وما زال يبنيه.

كان جيسون د. غرينبلات مبعوث البيت الأبيض إلى الشرق الأوسط في إدارة ترامب الأولى. وهو مؤلف كتاب "في طريق إبراهيم: كيف صنع دونالد ترامب السلام في الشرق الأوسط". حساب تويتر (X): @GreenblattJD

تنويه: الآراء التي يعبر عنها الكتاب في هذا القسم تخصهم ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر صحيفة عرب نيوز.