مبادرة دولية لكسر الجمود السياسي في الصومال
ملخص
تتولى تركيا، بمشاركة سفراء من الاتحاد الأوروبي وممثلين عن الأمم المتحدة، قيادة جولة جديدة من المحادثات في الصومال، حيث التقى وفد الوساطة، وفقًا لإذاعة صومالية محلية، في مقديشو بمسؤولين حكوميين وممثلي ائتلاف المعارضة «مجلس المستقبل» الذي يضم أحزابًا وشخصيات وطنية.
وتأتي هذه الجهود الدولية في ظل أزمة سياسية حادة بين الحكومة والمعارضة على خلفية التعديلات الدستورية والانتخابات.
أكدت مصادر صومالية موثوقة انطلاق جولة محادثات جديدة في الصومال بوساطة دولية، في ظل الأزمة السياسية بين الحكومة وتحالف المعارضة، والتي تشمل قضايا مثل التعديلات الدستورية والانتخاب المباشر وتمديد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود حتى 2027.
وبحسب المصادر فإن هذه الجولة من المحادثات تقودها تركيا وعدد من سفراء الاتحاد الأوروبي إضافة إلى ممثلين من الأمم المتحدة، وأفادت إذاعة محلية صومالية بأن وفد الوساطة التقى في العاصمة مقديشو مسؤولين حكوميين، إلى جانب ممثلي ائتلاف مجلس المستقبل المعارض الذي يضم عدداً من الأحزاب السياسية المعارضة، إضافة إلى شخصيات وطنية مؤثرة.
وأوضح متحدث مشارك في المحادثات أن الأجندة تشمل مراجعة التعديلات الدستورية الأخيرة استجابة لمطالب الشارع السياسي، إلى جانب دراسة مطالب المعارضة بمرحلة انتقالية بتوافق الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة، وكذلك النظام الانتخابي وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، وفقًا لمصدر طلب عدم الكشف عن هويته.
وتأتي هذه الجولة من المحادثات بين الفرقاء السياسيين داخل الصومال في وقت تشهد البلاد تحديات سياسية وأمنية واسعة، وبخاصة الحرب التي أعلنتها مقديشو على "حركة الشباب"، إلى جانب التحديات المتعلقة بوحدة الأراضي الصومالية، لا سيما في ظل الاعتراف الإسرائيلي باستقلال إقليم صوماليلاند وسعيها لإقامة قواعد عسكرية قرب ميناء بربرة، فضلاً عن السعي الإثيوبي للحصول على منفذ بحري على السواحل الصومالية، وبخاصة بعد توقيع أديس أبابا مذكرة تفاهم مع الحكومة السابقة في هرجيسا، تضمنت ضمان اعتراف إثيوبيا باستقلال الإقليم مقابل حصولها على منافذ سيادية في السواحل الشمالية للصومال.
ويرى مراقبون أن المبادرة الجديدة التي تقودها تركيا بصورة أساس، تمثل أول بادرة تشير إلى توسيع نفوذ أنقرة في منطقة القرن الأفريقي، وبخاصة أنها تأتي في أعقاب توقيعها عدداً من الاتفاقات مع مقديشو، من بينها اتفاقات استثمارية وأمنية وعسكرية، وقد نشرت أنقرة إثر ذلك وحداتها العسكرية على السواحل الصومالية.
مبادرة متقدمة
من جهته، قال المتخصص في الشأن الصومالي محمد عيدي إن المبادرة التي تقودها أنقرة بمشاركة سفراء غربيين وممثلين من الأمم المتحدة، تهدف بصورة أساس إلى التقريب بين الفرقاء السياسيين الصوماليين حول أربعة ملفات رئيسة تتعلق أولاً بتسوية الخلاف حول التعديلات الدستورية الأخيرة وضرورة التوصل إلى تصور مشترك حول جوهر التعديلات المطلوبة، وثانياً بالتوصل إلى توافق حول النظام الانتخابي، وثالثاً برسم إطار للعلاقات بين الحكومة المركزية والحكومات الفيدرالية في الأقاليم الصومالية، ورابعاً بتشكيل حكومة توافق وطني لإدارة المرحلة الانتقالية التي تضمن التطبيق الأمثل للتعديلات الدستورية المتوافق عليها.
ويرى عيدي أن النقطة الخلافية التي عطلت التواصل بين الحكومة والتحالف المعارض، والتي تتمثل في رفض التمديد للرئيس المنتهية ولايته، يمكن تجاوزها إذا اتفق حول النقاط الأربع، إذ من المتوقع أن يوافق الائتلاف المعارض على استمرار حسن شيخ محمود رئيساً للبلاد في حال إقرار مرحلة انتقالية تشارك فيها المعارضة الحكومة.
ويقرأ عيدي القيادة التركية للمحادثات باعتبارها ضامناً مهماً لنجاح التفاوض، وبخاصة أن لديها مصالح كبرى في الصومال ولا تنحاز لأي طرف، إذ إن مصالحها الاستراتيجية في السواحل الصومالية بما في ذلك استثماراتها في استكشاف النفط، فضلاً عن المصالح الحيوية المتعلقة بالملاحة عبر "باب المندب" تحتم عليها العمل على إيجاد مخارج منصفة لكل أطراف الأزمة السياسية الصومالية.
اقرأ المزيد- الصومال وسط دوامة اختبارات: تحد في الداخل وتدويل بالخارج
- شبح الحرب الأهلية يلوح في الصومال بعد اشتباكات مقديشو
- "إيبولا" هل يكون سادس زوار الصومال المزعجين؟
- الصومال على صفيح ساخن... بونتلاند تتحدى مقديشو
ويضيف المحلل الصومالي أن ما يزيد من حرص أنقرة على إيجاد حلول للأزمة السياسية الصومالية، إلى جانب تحقيق المصالح التجارية والاستثمارية، هو تعزز الأطماع الأجنبية في السواحل وما تشكله من تحديات جيوسياسية للمنطقة عموماً وعلى المصالح التركية، وبخاصة المساعي الإسرائيلية للتواجد في مداخل البحر الأحمر، فضلاً عن المشروع الإثيوبي المتعلق بإيجاد موطئ قدم له في السواحل الصومالية.
وترى أنقرة، وفقاً لعيدي، أن التوغل الإسرائيلي في المنطقة يمثل تهديداً لمصالحها الحيوية، سواء على المستوى التجاري أو الاستراتيجي. ويهدد استثماراتها، وبخاصة في مجال النفط على السواحل الصومالية.
وعلى رغم فشل الجولات السابقة من المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين، فإن المحلل السياسي الصومالي يرى ثمة أمل في الجولة الجديدة، لأن من يقودها يتمتع بعلاقات متقدمة مع الأطراف المتنازعة كافة، مشيراً إلى أن الجولات السابقة التي قادها الأوروبيون والأمم المتحدة لم تحظَ بالقبول من أحد أطراف الأزمة، في حين تتمتع تركيا برصيد معتبر في ذاكرة الصوماليين، فضلاً عن إسهاماتها التنموية والاستثمارية داخل البلاد، إضافة إلى موقفها المبدئي في شأن وحدة الأراضي الصومالية، ونجاحها في صياغة اتفاق أنقرة بين الصومال وإثيوبيا، ومن ثم فإن هذه الجولة تتمتع بفرص نجاح أكبر من سابقاتها، بحسب عيدي.
ذكريات دامية
من جهته، يرى المحلل السياسي الإثيوبي بيهون غيداون أن تعدد المبادرات في الشأن السياسي الصومالي يطيل من عمر الأزمة ولا يقدم حلولاً ناجعة، مشيراً إلى أن دول المنطقة المحيطة بالصومال لديها مخاوف من التمدد التركي في الصومال، وبخاصة في شقيه العسكري والسياسي، ومؤكداً أن الحضور التركي المتنامي في المنطقة يستدعي ذكريات قديمة تعود إلى بدايات القرن الـ19، حين تدخل العثمانيون مع أحد الأطراف وخاضوا حروباً دامية ضد عدد من الأقاليم الإثيوبية.
وأضاف أن الذاكرة الإثيوبية تحتفظ بصور التدخل التركي السلبي في تاريخ المنطقة، مؤكداً أن ثمة مواقف معلنة من الاتحاد الأفريقي اتخذت خلال العقد الماضي، تؤكد ضرورة حل الأزمات السياسية في القارة عبر الوساطات الأفريقية، مؤكداً أن المبادرات العابرة للقارات تأتي في إطار تعزيز النفوذ وتحقيق المصالح الخاصة، وليس بالضرورة لحلحلة أزمات المنطقة.
ويقرأ غيداون الاهتمام التركي المتزايد بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، على أنه محاولة لمد النفوذ أمام الحضور المحتمل لإسرائيل، لا سيما بعد اعترافها باستقلال صوماليلاند، مما يعزز من فرص دخول المنطقة ككل في صراعات قوى إقليمية ودولية.
ويوضح غيداون أن الأزمة السياسية القائمة في مقديشو يمكن حلها من خلال وساطة للاتحاد الأفريقي، إذ إن أبعادها لا تتجاوز التوافق حول التعديلات الدستورية الجديدة والنظم الانتخابية المراد سنها. وتساءل "هل الحوار حول قضايا سياسية تقنية الطابع يستدعي تدخلاً تركياً ودولياً؟"، مجيباً "إن استدعاء قوى إقليمية ودولية من خارج المنطقة لم يسهم في حلحلة الأزمة بقدر ما يساعد في تعميق الخلافات، وإدخال المنطقة ككل في صراعات النفوذ وحروب الوكالة".
وأشار إلى أن الحل يكمن في إطلاق مؤتمر للحوار الوطني برعاية الاتحاد الأفريقي، تتمخض عنه حكومة وفاق وطني تدير المرحلة الانتقالية بعد الاتفاق على التعديلات الدستورية ذات العلاقة بتحديد صلاحيات الحكومة المركزية في مقديشو وحكومات الأقاليم الفيدرالية، إضافة إلى النظم الانتخابية المراد إقرارها لتصبح الفترة الانتقالية بمثابة تجربة للحال الديمقراطية في الصومال.
وتبرز أنقرة كوسيط رئيسي نظرًا لمصالحها الاستراتيجية في الصومال، حيث ترتبط باتفاقيات أمنية واستثمارية. كما أن التحديات الجيوسياسية مثل المساعي الإثيوبية والإسرائيلية في المنطقة تزيد من أهمية هذه الوساطة. ويرى مراقبون أن نجاح المحادثات قد يعيد الاستقرار السياسي ويمهد لانتخابات شاملة.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.