تتهيأ العاصمة البرتغالية لشبونة لاحتضان المشهد الختامي في واحدة من أعظم المسيرات الكروية في العصر الحديث. فبين جنبات ملعب خوسيه ألفالادي، حيث بدأ الفتى الموهوب رحلته المهنية بقميص سبورتينغ لشبونة، يستعد الأسطورة كريستيانو رونالدو لإنهاء مشواره الدولي مع «برازيل أوروبا». ومن المقرر أن يشهد يوم 24 سبتمبر المقبل، خلال المواجهة أمام ويلز ضمن دوري الأمم الأوروبية، لحظة تاريخية تتجاوز كونها مباراة رسمية لتصبح موعداً وطنياً يمزج بين الاحتفاء بالمجد ودموع الوداع.

تأتي هذه اللحظة الفاصلة في مسيرة رونالدو كجزء من التحولات الكبرى التي تشهدها منتخبات كرة القدم الأوروبية في ختام دوريات الأمم والمنافسات الدولية.

أخبار متعلقة

عودة إلى النبع: رمزية الوداع بملعب البدايات
جاء اختيار معقل سبورتينغ لشبونة ليحمل دلالة رمزية بالغة الأثر؛ فالقصة التي بدأت بركض طفولي مشحون بالأحلام قبل أكثر من عقدين من الزمان، ستنتهي في ذات البقعة بعد أن دكّ «الدون» حصون الكرة العالمية وتسيّد منصات التتويج. وفي هذا الصدد، أفادت مصادر مقربة من الاتحاد البرتغالي للكرة بأن ترتيبات استثنائية تجري خلف الكواليس لإخراج هذا المشهد الوداعي بما يليق برجل غيّر هوية الكرة البرتغالية ونقلها من مصاف المنتخبات الباحثة عن مكان إلى منتخب بعقلية البطل الحتمي.
تصاريح من قلب الحدث: كلمات الضمير المرتد والوفاء المطلق
وكان رونالدو قد مهد لهذه اللحظة الفارقة عقب المشاركة المخيبة للآمال في مونديال 2026 والخروج المرير من دور الستة عشر أمام إسبانيا، حيث صرّح بكلمات تفيض بالتأثر قائلاً:
«أرحل عن المسرح الدولي بضمير مرتاح.. لقد قدمت كل ما لدي من أجل هذا القميص. يجب أن نتذكر أنه قبل حقبة كريستيانو، لم تكن البرتغال قد توجت بأي لقب كبير. لقد حققت ثلاثة ألقاب تاريخية، وبالنسبة لي، فإن التتويج بلقب يورو 2016 يوازي تماماً في قيمته المعنوية والأدبية الفوز بكأس العالم. الحياة تستمر، وأنا سعيد وممتن لكل ثانية عشتها مدافعاً عن شعار بلادي».
ومن جانبه، علّق المدير الفني لمنتخب البرتغال، البرتغالي المخضرم جورجي جيسوس، على قرار القائد التاريخي، مؤكداً دعمه الكامل لخيار رونالدو:
«كريستيانو ليس مجرد لاعب، هو الروح النابضة للكرة البرتغالية ومصدر إلهام لأجيال متعاقبة. بقاؤه في الملاعب طوال هذه السنوات ومنافسته الشرسة وهو في الحادية والأربعين من عمره هما معجزة رياضية بحد ذاتها. نحن نحترم رغبته، وسنقاتل لنمنحه في ليلة ويلز الوداع الذي يستحقه كأعظم من ارتدى قميص البرتغال عبر التاريخ».
الأرقام تتحدث: تركة ثقيلة وإرث يعانق الخلود
يغادر كريستيانو رونالدو الساحة الدولية وهو يتربع وحيداً على عرش هدافي المنتخبات على مر العصور وعبر التاريخ، محطماً كافة القيود الرقمية التي اعتقد الكثيرون أنها عصية على المساس. وتلخص مسيرته الأسطورية مجموعة من الأرقام القياسية غير المسبوقة:
• الهداف التاريخي للمنتخبات: سجل 146 هدفاً دولياً بقميص البرتغال.
• عميد لاعبي العالم: خاض ما يقارب 233 مباراة دولية منذ ظهوره الأول عام 2003 وهو في الـ 18 من عمره.
• صاحب السبق المونديالي: اللاعب الوحيد في تاريخ اللعبة الذي نجح في التسجيل في 6 نسخ متتالية من كؤوس العالم (من 2006 وحتى 2026).
• صانع المجد الجماعي: قاد بلاده لانتزاع أول لقب قاري في تاريخها ببطولة يورو 2016، متبوعاً بلقب دوري الأمم الأوروبية.
دقيقة صمت في وداع الأيقونة
لن تكون مواجهة ويلز القادمة مجرد تسعين دقيقة لتجميع النقاط في بطولة دوري الأمم، بل ستكون بمثابة مهرجان دموع وانحناءة شكر جماهيرية واسعة لـ «الرقم 7» التاريخي الذي أعلنت التقارير أن الاتحاد البرتغالي يتجه لحجبه نهائياً تكريماً لإنجازاته. إنها اللحظة التي تلتقي فيها الطفولة بالشيب، ويلتقي فيها المدرج بالملعب ليقولوا بصوت واحد: «شكراً كريستيانو.. شكراً لمن علمنا أن الأحلام لا تسقط بالتقادم، وأن العزيمة تصنع المستحيل». من ماديرا إلى لشبونة، دارت الأرض دورتها كاملة، ليعود البطل إلى بيته الأول، واضعاً نقطة النهاية لأجمل حكاية كروية شهدها القرن الحادي والعشرون.

تعد هذه المباراة نهاية لحقبة استثنائية في تاريخ الكرة البرتغالية، حيث يطوي رونالدو صفحة المشاركات الدولية بعد مسيرة حافلة بالأرقام القياسية والتتويجات القارية. يبقى السؤال الأبرز هو الكيفية التي سيتعامل بها المنتخب البرتغالي مع مرحلة ما بعد «الدون»، مع ترقب الجماهير لقرار الاتحاد البرتغالي بشأن حجب القميص رقم 7 تكريماً لإرثه التاريخي.