يبدأ رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يوم الخميس زيارة رسمية إلى طهران على رأس وفد حكومي رفيع، لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين تركز على الطاقة والتجارة والنقل والزراعة. وأكدت الحكومة العراقية أن ملف «حصر السلاح بيد الدولة» لن يدرج على جدول أعمال الزيارة، واصفة إياه بأنه «شأن سيادي عراقي» لا يقبل النقاش.

تندرج زيارة الزيدي إلى طهران ضمن مسعى دبلوماسي أوسع لتعزيز التعاون الاقتصادي مع الجيران، مع الإبقاء على مسافة متساوية من واشنطن وطهران.

وتأتي الزيارة بعد أقل من أسبوع على زيارة أجراها الزيدي إلى الولايات المتحدة، في إطار تحركات دبلوماسية تشهدها بغداد مع شركائها الإقليميين والدوليين، في وقت تحاول فيه الحكومة العراقية الحفاظ على توازن علاقاتها بكل من واشنطن وطهران وسط تصاعد التوترات الإقليمية.

استقبل رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي، اليوم الاثنين، سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى العراق السيد محمد كاظم آل صادق.وجرى، خلال اللقاء، بحث تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المتبادلة للشعبين... pic.twitter.com/mYfUcST3LC

— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء (@IraqiPMO) July 20, 2026

وأفاد المتحدث الرسمي باسم الحكومة، حيدر العبودي، في مؤتمر صحفي الأربعاء، بأن الزيارة تأتي تلبية لدعوة من الرئيس الإيراني، وأن الزيدي سيرافقه وفد رفيع لإجراء مباحثات ثنائية تتناول التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والنقل والزراعة، مشيراً إلى أن ملف الغاز سيكون أيضاً ضمن المباحثات «وفق ما تقتضيه المصلحة العراقية».

ولم يشر العبودي إلى إدراج أي ملفات أمنية أو عسكرية ضمن جدول أعمال الزيارة، بل شدد بصورة مباشرة على أن «حصر السلاح شأن سيادي عراقي لا يناقَش في عواصم أخرى»، مضيفاً أن هذا الملف يمثل «قراراً وطنياً» يندرج ضمن أولويات البرنامج الحكومي لرئيس الوزراء.

وذكرت تقارير محلية نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة، أن الزيدي قد يطلب من الجانب الإيراني الضغط على فصائل مسلحة لتسليم صواريخ وطائرات مسيّرة وإنهاء ما تصفه الحكومة بـ«ملف السلاح المنفلت» قبل الموعد المحدد في نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.

غير أن تصريحات الحكومة الأربعاء استبعدت إدراج هذا الملف ضمن المباحثات مع المسؤولين الإيرانيين؛ إذ أكد العبودي أن قضية «حصر السلاح» تبقى شأناً عراقياً داخلياً لا يخضع للنقاش مع أي دولة.

ويعدّ ملف «حصر السلاح بيد الدولة» أحد أبرز التعهدات التي أعلنتها حكومة الزيدي منذ تشكيلها؛ إذ تؤكد بغداد أن هدفها هو إخضاع جميع الأسلحة لسلطة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في حين تدعو إلى معالجة هذا الملف عبر الأطر القانونية والحوار بما يحفظ الاستقرار الداخلي.

توقعات الخبراء

مع ذلك، يشكك مراقبون في قدرة الحكومة على احتكار أسلحة الفصائل. وقال الباحث سيف السعدي لـ«الشرق الأوسط» إن «موافقة بعض الفصائل على حصر السلاح هو تكتيك مرحلي لتجنب التصادم مع الإدارة الأميركية»، مضيفاً أن «حصر السلاح لا يتم بمجرد إعلان هذا الفصيل أو ذاك؛ إنما عبر السيطرة على السلاح وجرده، من ثم إعادة هيكلة الألوية والأفواج حتى لا تبقى جسماً واحداً».

من جانبه، قال الأكاديمي عباس عبود لـ«الشرق الأوسط» إن «من الصعب توقع حدوث صدامات مسلحة بين الدولة والفصائل من أجل تفكيك منظومة السلاح»، مشيراً إلى أن الحكومة ستحافظ على «الحوار بوصفه وسيلةً ممكنةً لحصر السلاح».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (يمين) يستقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في النجف يوم 7 يوليو 2026 (المكتب الإعلامي الحكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (يمين) يستقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في النجف يوم 7 يوليو 2026 (المكتب الإعلامي الحكومي)

في شأن متصل، قال المتحدث الحكومي إن العراق يحمل خلال تحركاته الخارجية مبادرة تستند إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع التطورات المتسارعة في المنطقة مع توسع نطاق الحرب مجدداً بين الولايات المتحدة وإيران.

أبرز ما جاء في حديث رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي خلال المقابلة التي أجرتها معه مجلة (ذا إتلانتيك) الأميركية: العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية يجب أن تتحول من الطابع العسكري إلى الشراكة الاقتصادية. الاقتصاد هو الذي يصنع الروابط بين الشعوب وليس الوجود... pic.twitter.com/NrYGLLMjcU

— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء (@IraqiPMO) July 22, 2026

وكان الزيدي كشف خلال مقابلة مع مجلة «أتلانتك»، عن اقتراحه للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تأجيل انتقامه من إيران رداً على مقتل جنود أميركيين في العراق والأردن.

وتسعى بغداد خلال الأشهر الأخيرة إلى ترسيخ سياسة تقوم على تجنيب العراق الانخراط في الصراعات الإقليمية، مستفيدة من علاقاتها بأطراف متنافسة في المنطقة، مع تأكيدها أن استقرار العراق يتطلب خفض التوترات الإقليمية وعدم تحويل أراضيه ساحةً لتصفية الحسابات، وأن «المفاوضات هي الطريق الأنسب لمعالجة التداعيات الخطرة على المنطقة والعالم».

ويظل ملف حصر السلاح بيد الدولة من أكثر الملفات حساسية، حيث تواجه الحكومة العراقية مقاومة من فصائل مسلحة تتمتع بنفوذ واسع. ويرى مراقبون أن نجاح هذه السياسة يتطلب إرادة سياسية قوية وضمانات أمنية، وأن التصريحات الرسمية قد لا تعكس الواقع الميداني المعقد. ومع استمرار التوترات الإقليمية، يبقى مصير هذا الملف مرهوناً بموازين القوى الداخلية والخارجية.