احتفالات صاخبة بانتهاء «الثانوية العامة» في مصر ورسائل تتجاوز الفرح
قد يخيل للمتفرج أول الأمر أنه يشاهد حفل زفاف أو احتفال بإنجاز رياضي، ولكن الحقيقة أن هذه المشاهد تعبر عن فرحة الطلاب بانتهاء امتحانات الثانوية العامة.
تعتبر الثانوية العامة في مصر محطة حاسمة في حياة الطلاب، إذ تحدد مسارهم التعليمي والمهني في ظل تنافس شديد على مقاعد الجامعات الحكومية.
شهدت عدة محافظات مصرية هذه الاحتفالات، حيث استأجر بعض الطلاب فرقاً موسيقية شعبية تعزف الطبول والمزمار البلدي، إلى جانب دراجات نارية تقوم بحركات استعراضية، بينما اكتفت طالبات باستقبال الزهور والتهاني.
تضمنت الاحتفالات عروض الغوريلا ورش الملح وإطلاق الألعاب النارية وسط الزغاريد والهتافات في مناطق متفرقة من القاهرة والإسكندرية وكفر الشيخ والإسماعيلية والغربية والأقصر وبنها وجنوب سيناء.
ولفت ظهور إحدى الأمهات في مقطع فيديو بمحافظة الإسماعيلية وهي تحطم «القُلة»، وهي إناء فخاري مخصص لحفظ مياه الشرب، في تقليد شعبي يُعبّر عن التخلّص من أزمة مؤرقة، فيما أهدت أم في محافظة المنوفية ابنتها هاتف «آيفون بروماكس 17».

ويرى خبراء ومتخصّصون أنّ هذه الاحتفالات تعكس «حجماً غير مسبوق من الضغوط والتوتّر» المصاحبَيْن لامتحانات الثانوية العامة في مصر، إلى حدّ جعل مجرد انتهائها مناسبة تستحق الاحتفال، بصرف النظر عن النتيجة المُرتَقبة بعد نحو أسبوعين.
وعدَّ الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي هذه المظاهر «مؤشّراً على حجم الأزمة التي يعيشها المجتمع المصري، بعدما تحوَّلت الثانوية العامة إلى ما يشبه الكابوس الذي يُلقي بظلاله على الطالب والأسرة طوال مدّة الامتحانات، ويتجسَّد في كمٍّ غير طبيعي من التوتر والخوف والقلق، وهو ما يفسر انفجار الفرحة بهذا الشكل بمجرّد انتهائه».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «هناك عوامل أسهمت في تحول هذه الشهادة إلى (بعبع) يخيف المجتمع، منها النظرة المبالغ فيها إليها بوصفها الفرصة الأولى والأخيرة للطالب، وأنها ستحدّد مصيره والجامعة التي سيلتحق بها، فضلاً عن محدودية المقاعد المتاحة في الجامعات الحكومية، وعدّ المجموع الذي يحققه الطالب معياراً لـ(الشرف) أو (العار) الذي سيصيبه ويصيب عائلته».
ووفق البوابة الإلكترونية الرسمية لوزارة التربية والتعليم، بلغ إجمالي المتقدّمين لامتحانات الثانوية العامة في مصر لعام 2026 نحو 921 ألفاً و709 طلاب وطالبات، فيما أُجريت الامتحانات داخل 2032 لجنة أساسية موزَّعة على مستوى الجمهورية ضمن 613 مجمعاً امتحانياً.

وانتهى، يوم الخميس، ما بات يُعرف في مصر بـ«ماراثون الثانوية العامة»، الذي انطلق في 21 يونيو (حزيران) الماضي لطلاب الشعبتين الأدبية والعلمية.
وألقت الاستشارية النفسية الدكتورة غادة السمان باللائمة في أزمات الثانوية العامة على ما وصفتها بـ«العقلية القديمة» لدى بعض العائلات، التي تنظر إلى هذه الشهادة على أنها «مفترق طرق» ومحطة فاصلة في «تحديد مصير» الأبناء.
وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ «من أخطر ما يؤثّر في الصحة النفسية للطلاب أن يقيّموا ذواتهم وفق مجموع درجاتهم في هذه الشهادة. فإذا حقق أحدهم مجموعاً مرتفعاً، اعتقد أنه يستحق حبّ عائلته، وإذا تعثَّر، اعتقد أنه ابن غير بار وسيصبح مكروهاً، وهو ما قد يصيب الطلبة بأمراض نفسية خطيرة، مثل الاكتئاب، والوسواس القهري، والقلق المرضي».
تعكس هذه المظاهر الاحتفالية الضغط النفسي الهائل الذي يعانيه الطلاب وأسرهم طوال فترة الامتحانات، مما يدفعهم إلى تفريغ هذا التوتر بمجرد انتهائها. وبينما يرى خبراء تربويون أن هذه الظاهرة تدل على أزمة عميقة في نظام التعليم المصري، تشير توقعات إلى استمرار هذه المشاهد في الأعوام المقبلة في ظل محدودية الخيارات المتاحة للطلاب.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.