هدنة التقاط الأنفاس
لم تكن هدنة 1953 في شبه الجزيرة الكورية أكثر من وقف مؤقت لإطلاق النار، فبعد 70 عاماً لم تتحول إلى سلام دائم، بل بقيت المنطقة منزوعة السلاح رمزاً لصراع معلق دون حل جوهري.
وتتكرر هذه الظاهرة في صراعات كثيرة حول العالم، حيث تستخدم الهدن كمساحات للتنفس لا كبوابات للسلام.
هذا مؤشر يؤكد أن في السياسة ليست كل هدنة بداية سلام، كما أن وقف إطلاق النار لا يعني وقف الصراع، بل السلام يبدأ حينما يشعر الجميع بأن هنالك ثقة متبادلة، والشواهد على ذلك كثيرة يؤكدها التاريخ، فكثير من الحروب لا تنتهي عند وقف النار، بل عندما يقتنع أحد الطرفين بأن تكلفة المواجهة أصبحت أعلى من مكاسبها، ومن ثم يبدأ بناء الثقة للوصول إلى السلام، أما غير ذلك فتبقى مناورة وهدنة التقاط أنفاس، يعيد خلالها كل طرف ترتيب أوراقه استعداداً للجولة التالية.
لذلك، ينظر مراقبون إلى مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية باعتبارها هدنة تكتيكية وليست نهاية للمواجهة، فرضتها ظروف إقليمية ودولية بعد حرب خرجت منها طهران منهكة بفقدان قياداتها العليا، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي، إضافة إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة في البنى التحتية والمنشآت النووية، واقتصاد يعاني عقوبات دولية قاسية. لذا، كانت حاجة إيران إلى الوقت أكثر من حاجتها إلى الاتفاق نفسه، فسعت إلى الهدنة لا تخلياً عن مشروعها، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما ظل الطرف الآخر ينظر إليها كمرحلة لبناء الثقة.
الأسابيع التي أعقبت التوقيع كشفت سريعاً عن أن طهران لم تغيّر سلوكها، وأن الاتفاق لم يغيّر طبيعة النظام بقدر ما غيّر إيقاع المواجهة، وهذا بدا واضحاً خلال الجنازة الرسمية للمرشد علي خامنئي؛ فالجنازة لم تكن مناسبة لتخفيف الاحتقان أو إرسال رسائل طمأنة، بل تحولت إلى منصة سياسية أعادت إنتاج خطاب الثورة ذاته، إذ كانت الهتافات تدعو إلى الثأر، واللافتات استهدفت الولايات المتحدة، وبقي الخطاب الرسمي أسير مفردات المواجهة، وهي رسالة تؤكد أن المؤسسة التي تحكم في طهران لا ترى في الهدنة تحولاً استراتيجياً، وإنما محطة مؤقتة في صراع تعدّه طويل الأمد.
ويأتي استهداف السفن التجارية في الخليج العربي ضمن أدوات التصعيد الإيرانية لإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي والضغط على واشنطن، ويتجلى ذلك في التهديدات بإغلاق مضيق باب المندب، مستفيدة من دروس مضيق هرمز. وليس مصادفة أن تعود تهديدات الحوثيين ضد المطارات والمنشآت الحيوية في السعودية والملاحة في بحر العرب، ثم ضبط سفينة قادمة من إيران محملة بأسلحة للحوثيين، وهذا دليل على نقل تجربة هرمز إلى باب المندب. كما أن إعادة تشغيل الخط الجوي بين طهران وصنعاء دون اعتبارات دولية تؤكد أن النفوذ الإيراني لم يكن على طاولة التفاوض، وأن أدوات طهران الإقليمية ما زالت ضمن معادلة المساومة.
إيران لم تتوقف يوماً عن استهداف محيطها العربي بعد الهدنة، بل ظل السلوك الإيراني قائماً على توسيع النفوذ وليس بناء الثقة والشراكات، واستمر استهداف السعودية ودول الخليج والأردن وسوريا بالمسيّرات والصواريخ، لأن طهران لا تنظر إلى دول الجوار بوصفها دولاً جارة وشريكة، بل تراها ساحات نفوذ، ولذلك فإن الحديث عن بناء ثقة مع النظام الإيراني يبقى محدود الجدوى ما دامت عقيدته السياسية والأمنية تقوم على تصدير النفوذ قبل احترام سيادة الدول.
ولهذا لم يكن استئناف الضربات الأميركية مفاجئاً، لأن أسباب الأزمة بقيت كما هي، فالهدنة عالجت بعض الملفات التكتيكية، لكنها تركت جوهر الخلاف معلقاً، وهو البرنامج النووي، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، وشبكة الوكلاء، وعندما تؤجّل أصل المشكلة، فإنك لا تؤسس لسلام، وإنما تؤجّل موعد الأزمة التالية.
نقلاً عن الشرق الأوسط
مادة إعلانية
مادة إعلانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
يكشف مسار ما بعد الهدنة أن إيران لم تغير سلوكها، بل استمرت في توسيع نفوذها عبر وكلائها، مما جعل استئناف الضربات الأميركية متوقعاً. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول جدوى الاتفاقات المؤقتة ما لم تعالج جوهر الخلاف، وأبرزه الملف النووي والصواريخ الباليستية وشبكة الوكلاء. ويبقى السؤال: هل يمكن بناء ثقة حقيقية مع نظام عقيدته تصدير النفوذ على حساب سيادة الدول؟
المصدر الأصلي: العربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.