بدء تطبيق نموذج المناطق التجريبية في جنوب لبنان تزامناً مع المسار التفاوضي برعاية أمريكية
تشهد مناطق جنوب لبنان إطلاق أولى خطوات آلية المناطق التجريبية وسط ترقب لنتائجها في اختبار قدرات الدولة اللبنانية وتمهيداً لتوسيعها.
تتجه الأنظار نحو الشروع في تنفيذ «المناطق التجريبية» بجنوب لبنان باعتبارها الخطوة التنفيذية الأولى ضمن الآلية المتزامنة مع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بإشراف أمريكي، حيث يُتوقع أن تُحدد نتائج هذه الخطوة مدى إمكانية تعميمها على نطاق أوسع، بالتزامن مع التحضيرات لجولة المباحثات السابعة المرتقبة بالعاصمة روما مطلع أغسطس (آب).
تأتي هذه الخطوة الميدانية في ظل تعقيدات سياسية وأمنية مستمرة ترتبط بملف السيادة اللبنانية وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة.
وبدا أن اختيار زوطر الغربية وفرون وصريفا بوصفها نقطة انطلاق لم يكن قراراً ميدانياً فحسب، بل جاء نتيجة تفاهمات سبقت القمة اللبنانية-الأميركية، هدفت إلى إطلاق نموذج يمكن البناء عليه تدريجياً، في إشارة إلى أن تقييم المرحلة الأولى لن يقتصر على الانتشار العسكري، بل سيشمل مجمل آليات التنفيذ تمهيداً للانتقال إلى مراحل لاحقة إذا نجحت التجربة.

منيمنة: مقاربة لبناء الثقة ومنع تعطيل المسار
وفي هذا السياق، أفاد النائب إبراهيم منيمنة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بأن «فكرة المناطق التجريبية انطلقت لمعالجة أزمة الثقة بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها»، مبيناً أن «اعتماد مسار تدريجي ومتوازٍ بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الدولة وحصر السلاح وإعادة الإعمار، يمثل المدخل الأكثر واقعية لتطبيق الالتزامات ويمنع استغلال الملف من أي جانب».
وأوضح منيمنة أن «المشكلة الأساسية كانت تتعلق بمستوى الثقة بالدولة اللبنانية، بالإضافة إلى أن بعض عناصر ملف حصر السلاح تحمل تعقيدات وتفاصيل قد تُستغل لتعطيل المسار. لذلك، كان من الأفضل اعتماد آلية تقوم على مسارات متوازية تبدأ بانسحاب إسرائيل من مناطق محددة، ثم دخول الدولة اللبنانية لتثبيت مرجعيتها الأمنية وحصرية السلاح فيها، على أن يترافق ذلك مع إطلاق مسار إعادة الإعمار واستكمال بسط سلطة الدولة».
وأضاف: «هذا النهج المرحلي يمنع تحويل ملف حصر السلاح إلى سلة واحدة كبيرة، لأن ذلك كان سيتيح لإسرائيل استخدامه ذريعة لإطالة أمد الاحتلال، كما كان سيمنح (حزب الله) مبرراً للاستمرار في التمسك بسلاحه»، موضحاً أن «الانتقال التدريجي أفضل من تكليف الدولة بمهمة ضخمة دفعة واحدة، لأن ذلك كان سيزيد الشكوك في قدرتها على التنفيذ، ويؤخر الضغط المطلوب على إسرائيل للانسحاب بانتظار اكتمال بناء قدرات الدولة، وهو مسار يحتاج إلى وقت طويل».
وأكد أن الدولة اللبنانية «بدأت بالفعل بناء الثقة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي»، لكنه شدد على أن «التحدي الحقيقي يكمن في الإطار الزمني للتنفيذ، لأن إطالة المهل قد تعطّل الفكرة بأكملها، وتسمح لـ(حزب الله) بإثارة الشكوك حول النيات وفاعلية هذا المسار».
وأضاف: «المطلوب أن يسير الانسحاب الإسرائيلي واستعادة الدولة لسلطتها بالتوازي، من دون ربط أحدهما بالآخر بصورة تعطّل التنفيذ. يجب أن يكون هناك جدول زمني منطقي وسريع، لأن أي مهل فضفاضة ستُفسَّر على أنها تكريس للاحتلال. المطلوب انسحاب سريع، بالتزامن مع تعزيز قدرات الدولة والجيش من خلال الدعم الدولي، حتى يتمكن من أداء مهامه».
وفي تعليقه على مواقف «حزب الله» الأخيرة، قال منيمنة: «كان متوقعاً أن يعترض الحزب على هذا المسار، لكن اللافت أن لهجة بعض المواقف بدت أقل حدة مما اعتاده اللبنانيون، وكأن هناك قدراً من تقبل الواقع، وإن كان من المبكر البناء على ذلك». وأضاف أن «موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري كان متقدماً؛ إذ رحّب بالمسار وأكد أنه ينسجم مع ما كان يطالب به، وهذا الموقف لا يمكن فصله عن خلفيات سياسية تستحق التوقف عندها»، مشدداً على أن «المناطق التجريبية ليست بديلاً عن الانسحاب الإسرائيلي، لأن الانسحاب حق غير قابل للتفاوض، وإنما هي آلية لتسهيل تنفيذه ومنع إسرائيل من التذرع بأي حجج للاستمرار في احتلالها. والهدف هو الانتقال تباعاً من منطقة إلى أخرى، بحيث يتوسع الانسحاب الإسرائيلي تدريجياً مع انتشار الدولة اللبنانية في كل منطقة».

كرم: نجاحها يفتح مسار إنقاذ لبنان
من جانبه، ذكر عضو كتلة «الجمهورية القوية» النائب فادي كرم لـ«الشرق الأوسط» أن «بدء تجربة انتشار الجيش اللبناني في (المناطق التجريبية) يُمثل اختباراً مزدوجاً للدولة اللبنانية والمجتمع الدولي»، مشيراً إلى أن نجاحها سيمهد الطريق أمام استعادة الدولة لهيمنتها والقضاء على السلاح غير الشرعي، بينما سيفرز إخفاقها تداعيات بالغة الخطورة على الساحة اللبنانية.
وأوضح كرم أن «المناطق التجريبية تمثّل تحدياً جديداً للدولة اللبنانية وللجيش اللبناني في فرض الأمن وبسط سلطة الدولة، ولذلك سُميت مناطق تجريبية»، مشيراً إلى أن «هناك أيضاً تحدياً يقع على عاتق الولايات المتحدة لتأمين الظروف والتسهيلات اللازمة التي تمكّن الجيش اللبناني من الانتشار والعمل بحرية، ومنع أي عرقلة إسرائيلية لهذا المسار، بالتوازي مع استمرار دعم الجيش وتعزيز قدراته».
وأضاف: «يبقى الرهان أيضاً على عدم عرقلة (حزب الله) هذا المسار، لأن هناك عوامل عدة يمكن أن تؤثر في نجاحه. لكن إذا كانت الدولة اللبنانية قد حسمت قرارها، فإن الأمور ستسير في الاتجاه الصحيح».
ورأى أن «الجيش اللبناني يخوض اليوم على الأرض اختباراً من شأنه أن يعزز ثقة المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، بالدولة اللبنانية إذا نجحت تجربة هذه المناطق»، لافتاً إلى أن «نجاحها يعني انطلاق مسار إنقاذ لبنان وتحريره من السلاح غير الشرعي والفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة».
وأكد أن المرحلة التالية «ستكون توسيع نطاق فرض سلطة الدولة والجيش اللبناني على مناطق أوسع، بما يؤدي إلى معالجة أكثر جدية لملف السلاح غير الشرعي وصولاً إلى إنهائه، بالتوازي مع إنهاء الوجود الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية».
وفي تقييمه لطبيعة الاختبار، قال كرم: «هو بالتأكيد اختبار للثقة، لكنه أيضاً اختبار أمني. الجيش اللبناني قادر على خوضه، إلا أن الأمر يتطلّب قراراً سياسياً واضحاً بحمايته وإنجاحه. فلا يجوز أن تفشل الدولة أو الجيش في هذه المهمة، لأن الفشل سيكون كارثة على لبنان».
ورأى أن نجاح هذا المسار ستكون له انعكاسات مباشرة على المفاوضات المرتقبة، قائلاً: «كل خطوة مرتبطة بما قبلها وما بعدها. هناك مسار سياسي بدأ، ويترافق مع خطوات أمنية على الأرض. قد يكون مساراً صعباً، لكنه مستمر، ولم يعد ممكناً إفشاله، كما أن المسؤولين عنه، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء، مصممون على إنجاحه».
تكتسي هذه التجربة أهمية بالغة لكونها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى تجاوب الأطراف المحلية والدولية مع مساعي التهدئة. وسيبقى التحدي الأبرز متمثلاً في قدرة المؤسسات العسكرية والأمنية على فرض سيادتها دون إثارة أزمات جديدة. كما ستلعب المواقف السياسية للكتل النيابية دوراً حاسماً في إنجاح أو تعثر هذه الخطوات التنفيذية. وتترقب الأوساط السياسية النتائج العملية للمرحلة الأولى لمعرفة ما إذا كانت ستشكل نواة لحل أوسع أم ستواجه عقبات تعيق استمرارها.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.