فرنسا وإسبانيا تكافحان حرائق غابات ضخمة وتجلِيان عشرات الآلاف من السكان
تسببت حرائق غابات عارمة في جنوب غربي فرنسا ووسط إسبانيا بحركة نزوح واسعة النطاق لمصطافين وسكان محليين، وسط مساعٍ أوروبية مكثفة لاحتواء النيران.
دفعت حرائق غابات هتاجة اجتاحت مناطق في جنوب غربي فرنسا ووسط إسبانيا يوم الجمعة السلطات المعنية إلى إجلاء عشرات الآلاف من ديارهم، بينما واصلت الرياح العاتية ودرجات الحرارة المرتفعة تأجيج النيران وإخراجها عن نطاق السيطرة. واضطر عدد من أهالي فرنسا للهروب عبر القوارب إثر زحف ألسنة اللهب نحو شبه جزيرة كاب فيريه السياحية المطلة على المحيط الأطلسي، وسط تقارير أصدرتها وكالة «أسوشييتد برس» تفيد بتعرض عشرات من عناصر الإطفاء لإصابات أثناء تأدية مهامهم.
تأتي هذه التطورات الميدانية في ظل موجات حر شديدة تضرب القارة الأوروبية وتزيد من مخاطر اندلاع الحرائق واتساع رقعتها.
اتساع رقعة الحرائق
في الأراضي الفرنسية، التهمت ألسنة اللهب المنطلقة يوم الأربعاء قرب كاب فيريه مساحة قدرها قرابة 125 كيلومتراً مربعاً. وتبعد تلك الشبه جزيرة حوالي 60 كيلومتراً عن مدينة بوردو، وتُعتبر وجهة سياحية بارزة تشتهر بشواطئها الرملية وقرى استزراع المحار إضافة إلى منتجعاتها الفارهة.
كما أُجبر نحو 67 ألف شخص على مغادرة منازلهم بعد إصدار أوامر بإخلاء مناطق إضافية إلى الجنوب، إثر اندلاع حريق آخر. وقال لوران موريتي، أحد سكان بلدة آريس الفرنسية، إن «المشهد مهيب ومخيف في الوقت نفسه. لم نشهد من قبل عملية إجلاء بهذا الحجم، وكل ما نأمله هو أن يتمكن رجال الإطفاء من السيطرة على الحريق سريعاً».
إطفائيون في منطقة جيروند يوم 24 يوليو (رويترز)
وكان أكثر من 20 ألف شخص قد أُجلوا، الخميس، من بلدات ومنتجعات سياحية، فيما نُقلت دفعات جديدة من السكان براً، مع تخصيص قوارب لنقل من تعذر عليهم المغادرة بوسائلهم الخاصة.
وأفادت سلطات إقليم جيروند بأن 53 منزلاً وموقعاً للتخييم دُمّرت بفعل النيران، فيما أُصيب 42 من رجال الإطفاء. ووصل نحو 1500 شخص ممن غادروا شبه الجزيرة بحراً إلى مدينة أركاشون، بعضهم على متن قوارب أجرة صغيرة وآخرون عبر سفن أكبر.
دعم أوروبي
دفعت فرنسا بمئات من عناصر الإطفاء إلى المنطقة، كما عززت جهودها بوسائل برية وجوية إضافية، في وقت اندلع فيه حريق كبير آخر إلى الجنوب على الساحل، أتى على نحو 25 كيلومتراً مربعاً، ولا يزال خارج السيطرة بسبب الرياح العاتية.
وترجح السلطات أن يكون الحريقان ناجمَين عن أسباب عرضية. وبلغ عدد الذين أُجلوا 44 ألفاً في جيروند، و23 ألفاً في إقليم لاند.
وفي سياق متصل، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حصول بلاده على مساندة أوروبية تتضمن طائرتي إطفاء كانادير قادمتين من كرواتيا، وطائرتي إير تراكتور من البرتغال، إلى جانب مروحيتين ثقيلتي الحمولة طراز بلاك هوك من التشيك وسلوفاكيا.
إسبانيا تعلن حالة الطوارئ
في إسبانيا، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ الوطنية بسبب حرائق الغابات للمرة الأولى، بعدما دفعت الحرائق المشتعلة في مدريد وإقليم أفيلا المجاور إلى إجلاء نحو 20 ألف شخص.
دخان كثيف يغطي سماء شاطئ لاكانو جنوب غربي فرنسا يوم 24 يوليو (أ.ف.ب)
وتؤجّج موجة الحر، التي يُتوقع أن تتجاوز خلالها درجات الحرارة 39 درجة مئوية في أجزاء من البلاد، اتساع رقعة النيران. واندمج حريقان كبيران غرب مدريد في حريق واحد امتد سريعاً على مساحة 30 كيلومتراً مربعاً بحلول بعد ظهر الجمعة، فيما وصفت رئيسة حكومة مدريد الإقليمية، إيزابيل دياث أيوسو، الحريق بأنه «الأسوأ في تاريخ مدريد».
وقالت السلطات الإقليمية إن نحو 18 ألف شخص أُجلوا من قرى وبلدات تقع غرب العاصمة.
وفي أفيلا، الواقعة إلى الشمال الغربي من مدريد، التهمت النيران نحو 90 كيلومتراً مربعاً، مما أجبر 1500 شخص إضافي على مغادرة منازلهم. وقال فرانسيسكو مارتينيث، رئيس بلدية بورغوهوندو: «خلال ستين عاماً لم أرَ شيئاً مثل هذا في قريتي. لم أشهد حرائق بهذا الحجم من قبل».
من جانبه، قال وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي-مارلاسكا، إن إيطاليا واليونان سترسلان طائرتَين من طراز «كانادير» لكل منهما، للمشاركة في جهود الإطفاء.
وأظهرت لقطات بثها التلفزيون الإسباني جدراناً من اللهب تتقدم عبر الغابات والأحراج وسط أعمدة كثيفة من الدخان، فيما زادت التضاريس الجبلية والرياح القوية من صعوبة عمليات الإطفاء.
وقال خواكين إسبينوسا (33 عاماً)، الذي أُجلي من قرية تشابينيريا غرب مدريد: «كانت البلدة كلها محاطة بالدخان والنار. شعرت بالخوف، وكان الناس في حالة من التوتر».
حرائق غير مسبوقة
وخلال أسبوع واحد فقط، سجلت منطقتا مدريد وقشتالة - لا مانتشا أسوأ حرائق في تاريخهما الحديث.
ولا تزال فرق الإطفاء تكافح لإخماد ثاني أكبر حريق تشهده إسبانيا على الإطلاق في مقاطعة غوادالاخارا بإقليم قشتالة - لا مانتشا، بعدما دمّر نحو 320 كيلومتراً مربعاً خلال الأسبوع الماضي.
دخان كثيف يتصاعد في كاب فيريه جنوب غربي فرنسا يوم 23 يوليو (أ.ف.ب)
وكان 13 شخصاً قد لقوا حتفهم في حريق اندلع جنوب إسبانيا في وقت سابق من الشهر الحالي، في أكثر حرائق البلاد دموية في السنوات الأخيرة.
وقالت وزيرة التحول البيئي الإسبانية، سارا آغيسين، إن الحرائق أتت منذ بداية العام على نحو 1140 كيلومتراً مربعاً، أي أكثر من خمسة أضعاف المساحة التي احترقت خلال الفترة نفسها من عام 2025، مشيرة إلى وجود 9 حرائق كبيرة أخرى لا تزال مشتعلة في أنحاء مختلفة من البلاد.
ودعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى توافق سياسي لمواجهة تغير المناخ، معتبراً أنه عامل أساسي للتكيف مع واقع يشهد تزايداً في موجات الحر وحرائق الغابات.
ويرى خبراء أن تغير المناخ، إلى جانب تراجع النشاط الزراعي في المناطق الريفية، أسهما في زيادة مخاطر الحرائق، بعدما فقدت القرى الأحزمة الزراعية التي كانت تشكّل مناطق عازلة، وأصبحت الأشجار والأحراج تمتد حتى أطراف المنازل.
وقال محلل حرائق الغابات، راؤول كيليث: «هذه العوامل مجتمعة تشكّل البيئة المثالية لاندلاع مثل هذه الحرائق».
صقلية أيضاً تحت النيران
وفي إيطاليا، واصلت حرائق الغابات اجتياح أجزاء من جزيرة صقلية، ولا سيما في مقاطعة أغريجنتو جنوب غربي الجزيرة، حيث أسهمت درجات الحرارة التي تجاوزت 40 درجة مئوية، إلى جانب انخفاض الرطوبة والرياح، في اتساع رقعة النيران.
أجلت السلطات الفرنسية آلاف السكان بعد اتساع رقعة الحرائق جنوب غربي البلاد يوم 23 يوليو (أ.ف.ب)
وأدت الحرائق إلى عمليات إجلاء متفرقة، كما أسفرت عن مقتل أحد رجال الإطفاء في أثناء مشاركته بإخماد حريق بمدينة كالتانيسيتا.
ويأتي ذلك في وقت كان فيه عام 2025 ثالث أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، وسط تحذيرات العلماء من أن تغير المناخ يزيد من وتيرة وشدة موجات الحر والجفاف، خصوصاً في جنوب شرقي أوروبا، ما يجعل المنطقة أكثر عرضة لحرائق الغابات وتداعياتها الصحية والبيئية.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
تُظهر هذه الحرائق المتسارعة حجم الضغط الهائل الملقى على عاتق أجهزة الطوارئ وفرق الإطفاء في مواجهة الظروف المناخية القاسية والرياح المساعدة على انتشار النيران. كما يبرز التضامن الأوروبي عبر إرسال طائرات ومروحيات الإسناد الحاجة الملحة للتعاون العابر للحدود للحد من الخسائر البشرية والمادية. وستبقى متابعة جهود السيطرة على البؤر المشتعلة وتأمين العائدين من أبرز الأولويات خلال الأيام المقبلة لضمان استقرار الأوضاع في المناطق المتضررة.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.