ملخص

تتسم الخريطة الراهنة بتعقيد بالغ، إذ تسعى طهران للإبقاء على أهمية مضيق هرمز كأداة ضغط نفوذ، وفي المقابل تسعى الدول الخليجية لتقليص اعتمادها عليه، بينما ترغب الولايات المتحدة في تأمين حركة الملاحة البحرية متجنبة الدخول في صراع عسكري شامل، ووسط هذه التجاذبات المتباينة يتحول البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى امتداد صراعي لمعركة هرمز، متجاوزين مفهوم التنافس على الممرات المائية ليصبحا صراعاً على صياغة مستقبل الاقتصاد والطاقة في المنطقة.

تعتمد الاقتصادات الكبرى والناشئة بشكل حيوي على أمن وسلامة ممرات الشحن البحري الدولية لنقل إمدادات النفط والغاز والبضائع المختلفة.

المشكلة الأساس في المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة، أن الطرفين يملكان أدوات ضغط، لكن لا يملك أي منهما القدرة على تحقيق انتصار حاسم، مما قد يحول الصراع الجاري حالياً إلى حرب ممتدة لأعوام على غرار الحرب الروسية - الأوكرانية، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدا كما لو أنه لا يعطى أولوية لانتخابات التجديد النصفي.

في مثل ذلك السياق، قد تبدأ دول العالم في البحث عن بدائل لممرات الطاقة، وقد يتعايش الاقتصاد العالمي مع أزمة مضيق هرمز، على غرار التداعيات التي اعتادها لأزمة كورونا والحرب الروسية - الأوكرانية، وهنا تعتبر إيران أن الورقة الإستراتيجية لرابحة الوحيدة في يدها مهددة بفقدان أهميتها، وهي مضيق هرمز،  لذا برز مضيق باب المندب والبحر الأحمر كساحة جديدة للصراع، خصوصاً مع تصاعد تحركات جماعة الحوثي ضد الملاحة المرتبطة بالسعودية، فهل أصبح باب المندب امتداداً لمعركة هرمز؟

بالرغم من تأكيد طهران الدائم على ارتباط أمن مضيق هرمز بأمن الخليج بأسره، يبقى الهاجس الإستراتيجي قائماً حول نجاح عواصم الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، في استنساخ مسارات بديلة تخفض من الارتباط بالمضيق، مما يحجم قيمته الجيوسياسية، تبعا لكونه المعبر الحيوي لثلث تجارة النفط المنقولة بحرا والتي تحمل كميات ضخمة من الخام والغاز نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية، فضلا عن عبور آلاف السفن والناقلات سنويا لتتجاوز أهميته قطاع الطاقة وتلامس عصب التجارة العالمية، وهو ما يجعل أي تهديد بتعطيل الملاحة فيه سببا مباشرا لأزمة دولية، في حين تدرك القيادة الإيرانية أن الإمعان في اتخاذ هرمز سلاحا سياسيا واقتصاديا قد يحفز الأطراف الأخرى على إيجاد البدائل بوتيرة أسرع.

وهنا تكمن المعضلة الإيرانية، فالقوة الإستراتيجية لطهران لا ترتبط فقط بقدراتها العسكرية، بل أيضاً بموقعها الجغرافي الذي يمنحها قدرة على التأثير في أحد أهم طرق الطاقة العالمية، وإذا تراجعت أهمية هرمز، فإن جزءاً من هذه القوة سيتآكل، وخلال الأعوام الماضية، استثمرت السعودية والإمارات في إنشاء بنى تحتية، تهدف إلى تجاوز مضيق هرمز جزئياً، فقد طورت السعودية خط أنابيب شرق - غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وطورت الإمارات منشآت التصدير في ميناء الفجيرة على بحر عُمان، وهي محاولة إستراتيجية لتقليل نقاط الضعف، إذ يمنح الدول المنتجة هامش مناورة في حال تعرض المضيق للخطر، وأصبحت الموانئ السعودية على البحر الأحمر مركزاً خليجياً للتجارة، منذ أن أدى الصراع مع إيران إلى اختناق حركة الملاحة عبر هرمز.

ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن استمرار الحرب وإغلاق هرمز فترة طويلة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، وقد يدفع العالم إلى الاستثمار بصورة أكبر في بدائل تقلل من مركزية المضيق مستقبلاً.

لماذا يتحرك الحوثيون في باب المندب؟

من هذا المنظور، يمكن تفسير التصعيد الحوثي الأخير في البحر الأحمر واستهداف الملاحة المرتبطة بالسعودية ضمن سياق أوسع يتجاوز حدود الأزمة اليمنية المحلية، إذ يشكل باب المندب البديل الأساسي المحتمل للطاقة والتجارة حال تعطل هرمز، وقد دلت الشواهد في الأعوام المنصرمة على قدرة هذا المضيق على التأثير في حركة الأسواق العالمية بفعل الهجمات السابقة التي أجبرت شركات النقل البحري على تغيير مساراتها، وبالتالي فإن الضغط على باب المندب يخدم غايتين تتمثل الأولى في الحيلولة دون تحول البحر الأحمر إلى ملاذ آمن بديل، بينما ترتكز الثانية على توجيه رسالة سياسية وإستراتيجية للخليج وواشنطن بأن أي مساع لتهميش النفوذ الإيراني ستقابل بردود فعل وعراقيل في مسارح عمليات أخرى.

اقرأ المزيد

ولكن هل تستطيع إيران فعلاً إغلاق كل البدائل؟ فعلى رغم أهمية التحرك في باب المندب، فإن السيطرة على طرق التجارة العالمية ليست بتلك السهولة، فهناك اختلافات جوهرية بين هرمز وباب المندب، فإيران تقع مباشرة على مضيق هرمز، وتمتلك قدرة جغرافية وعسكرية أكبر على التأثير فيه، بينما الحوثيون لا يسيطرون بصورة كاملة على مضيق باب المندب نفسه، بل يعتمدون على الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الصغيرة لتهديد حركة السفن، وكذلك فإن استهداف باب المندب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويدفع القوى الدولية إلى تعزيز وجودها العسكري في البحر الأحمر، كما حدث خلال الأعوام الماضية، ويمكن القول إن تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر لا يمكن فصله بالكامل عن الصراع الأوسع حول مستقبل طرق الطاقة العالمية، فإيران تدرك أن خسارة مركزية هرمز تعني خسارة جزء مهم من نفوذها الإستراتيجي، ولذلك فإن منع ظهور بدائل مستقرة قد يصبح هدفاً جيوسياسياً لإيران، وفي الوقت نفسه فإن تحويل كل الممرات البحرية إلى ساحات صراع، يحمل أخطاراً كبيرة على إيران نفسها، لأن الاقتصاد الإيراني يعتمد أيضاً على استقرار التجارة والطاقة الإقليمية، ولا ننسى مصالح حلفاءها مثل الصين.

المعادلة النهائية تبدو معقدة، فإيران تريد الحفاظ على قيمة هرمز كورقة قوة، ودول الخليج تريد تقليل اعتمادها عليه، والولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة، وبين هذه الحسابات المتعارضة، يصبح البحر الأحمر وباب المندب امتداداً لمعركة هرمز، ليس فقط كصراع على الممرات البحرية، بل كصراع على من يملك القدرة على رسم خريطة الاقتصاد والطاقة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة، ويبدو أن طهران مصممة على إشعال الصراع من أجل زيادة الضغط على واشنطن ودول الخليج، ولكن توسع الصراع قد يمهد لعودة إسرائيل للمشهد مرة أخرى، كما في الـ 28 من فبراير (شباط) الماضي.

تظل أزمات الملاحة البحرية في الشرق الأوسط مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتوازنات الجيوسياسية بين القوى الكبرى والإقليمية. إن سعي الدول المنتجة للنفط نحو تنويع طرق التصدير يهدف إلى تقليص نقاط الضعف الإستراتيجية أمام أي توترات محتملة. وفي ظل هذه المعطيات، تواصل الأطراف المختلفة مراقبة تطورات الم ON المائية الحساسة كعنصر حاسم في رسم ملامح أسواق الطاقة العالمية للاعوام المقبلة. كما أن تداخل المصالح التجارية الدولية، لا سيما المرتبطة بقوى مثل الصين، يفرض قيوداً وضوابط على مدى اتساع رقعة هذه الصراعات البحرية.