هل إيران دولة طبيعية؟
النص المسموع لهذا المقال من إنتاج نظام آلي تلقائي.
يتناول المقال مفهوم الدولة الطبيعية في الفكر السياسي الحديث، ويتساءل عن مدى انطباقه على إيران.
0:00
3 دقائق للقراءة
لم يعد تعريف الدولة في الفكر السياسي المعاصر قائماً على كونها رسالة دينية أو ثورة عابرة للحدود، بل أصبحت مؤسسة قانونية وسياسية وظيفتها الأساسية حماية المجتمع والسيادة وتحقيق مصالح المواطنين. وفق هذا المنظور، يُقاس قوة الدول بقدرتها على توفير الأمن والاستقرار والازدهار لشعوبها، وليس بعدد الجبهات أو الصراعات الخارجية. ولهذا ظهر مفهوم 'الدولة الطبيعية' التي تضع المصلحة الوطنية معياراً لسياستها الداخلية والخارجية، وتتعامل مع العالم وفق منطق السياسة لا العقيدة. وهو ليس مفهوماً لدولة مثالية، بل لدولة تتصرف ضمن القواعد المستقرة للنظام الدولي الحديث، حيث خدمة المواطن هي الهدف، وأدوات القوة في خدمة الدولة وليس العكس.
ولعل هذا ما دفع هنري كيسنجر إلى القول إن على إيران أن تحسم خيارها: هل هي دولة أم قضية؟ أو كما رأى زبيغنيو بريجنسكي أن الإشكالية لا تكمن في قوة إيران، بل في طبيعة النظام الذي يحكمها. فالعالم يتعامل مع دول عديدة تمتلك أسلحة نووية دون أن ينظر إليها بوصفها مصدرًا دائمًا للقلق، لأن سلوكها تحكمه في النهاية اعتبارات المصلحة الوطنية. أما عندما تقترن القوة بمشروع أيديولوجي يتجاوز حدود الدولة، فإن حسابات السياسة التقليدية تصبح أكثر تعقيدًا، ويغدو السلوك السياسي أقل قابلية للتوقع. بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، اختارت إيران أن تربط هويتها السياسية بمشروع ثوري يتجاوز حدودها الوطنية، وأصبح مبدأ «تصدير الثورة» جزءًا من خطابها الرسمي وسياستها الإقليمية. ولم تعد السياسة الخارجية تُدار بمنطق الدولة القومية وحده، بل اختلطت فيها اعتبارات المصلحة الوطنية بالالتزام العقائدي، فتداخلت حدود الدولة مع حدود المشروع.
ولم يقتصر الانتقاد لهذا النموذج على الخارج، بل أثار جدلاً واسعاً داخل إيران أيضاً. ومن أبرز المشاركين في هذا النقاش أستاذ العلوم السياسية الإيراني صادق زيباكلام، الذي طالب بإعادة تعريف وظيفة الدولة، متسائلاً: 'ما الذي جناه المواطن الإيراني من إنفاق الموارد في صراعات خارج الحدود، بينما يعاني الداخل من التضخم، وتراجع العملة، والبطالة، والأزمات الاقتصادية؟'
لم يكن زيباكلام يدعو إلى إضعاف إيران أو التخلي عن مصالحها، وإنما كان يطرح سؤالًا يتعلق بأولويات الدولة. ففي نظره، لا تُقاس قوة الدول بعدد الملفات الإقليمية التي تديرها، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد متين، وجامعات متقدمة، ومؤسسات كفؤة، ومستوى معيشة كريم لمواطنيها. فالدولة التي تُحمِّل نفسها أعباء مشروع أيديولوجي دائم قد تجد، مع مرور الوقت، أن كلفة هذا المشروع أصبحت أكبر من قدرتها على الاحتمال. إن أهمية هذا الجدل تكمن في أنه يكشف أن الخلاف حول الدور الإيراني ليس مجرد خلاف بين إيران وجيرانها، بل هو نقاش داخلي أيضًا حول معنى الدولة ووظيفتها. فهل وُجدت الدولة لخدمة مواطنيها، أم لحمل مشروع يتجاوز حدودها؟ وهل تستمد شرعيتها من رفاهية شعبها، أم من اتساع نفوذها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل إيران وحدها، بل ستحدد إلى حد بعيد مستقبل الأمن والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط.
د. محمد الوهيب
نقلاً عن "القبس"
مادة إعلانية
مادة إعلانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
تتزايد أهمية هذا الجدل في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعانيها إيران وتأثيرها على المواطنين. كما أن مستقبل السياسة الإيرانية سيكون محورياً في تحديد الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط. وبقاء التوازن بين المشروع الأيديولوجي والمصلحة الوطنية هو التحدي الأكبر الذي تواجهه طهران.
المصدر الأصلي: العربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.