إسرائيل تحافظ على سيطرة عملية بعد الانسحاب من زوطر الغربية
يبدأ جنوب لبنان اختباراً أمنياً غير مسبوق مع دخول الجيش اللبناني إلى أولى «المناطق التجريبية» التي أخلاها الجيش الإسرائيلي، في خطوة تُعد بداية تنفيذ الاتفاق.
يشهد جنوب لبنان اختبارًا أمنيًا غير مسبوق مع بدء الجيش اللبناني دخول أولى القرى التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي، لكن هذا التطور لا يعني بالضرورة تراجع النفوذ العسكري الإسرائيلي، إذ يقابله إعادة انتشار أوسع تهدف إلى تثبيت مواقع حاكمة وتعزيز قدرات المراقبة والاستهداف، مع الإبقاء على إمكانية التدخل من خارج البلدات. وبهذا، يتحول المشهد من احتلال مباشر إلى إعادة توزيع للسيطرة النارية.
يأتي هذا الانسحاب في إطار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين إسرائيل ولبنان، والذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
وفي مقابل تسليم قرى محددة للجيش اللبناني، تحتفظ إسرائيل بمواقع حاكمة تمنحها إشرافًا واسعًا على جنوب لبنان، مدعومة بالطائرات المسيرة والمدفعية والتجهيزات الإلكترونية في المنطقة التي لا تزال تحتلها.
ويضع هذا الواقع المرحلة الأولى أمام اختبار يتجاوز مجرد دخول الجيش إلى زوطر الغربية وفرون وصريفا؛ فالمعيار الفعلي لا يرتبط فقط بخروج الجنود الإسرائيليين من داخل البلدات، بل أيضاً بالمواقع التي يعاد تمركزهم فيها، ومدى قدرتهم على مراقبة المناطق المنسحب منها واستهدافها أو العودة إليها عند أول خلاف على تفسير الاتفاق.

23 موقعاً داخل المنطقة المحتلة
وكان مصدر أمني لبناني قد كشف لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش الإسرائيلي أنشأ نحو 23 موقعاً مستحدثاً داخل المنطقة المحتلة في جنوب لبنان، مشيراً إلى أن معظمها يضم آليات ومعدات عسكرية، من دون أن يتضح بعد ما إذا كانت إسرائيل تعتزم تثبيتها طوال فترة احتلالها، أم أنها نقاط ترتبط بمتطلبات ميدانية قابلة للتغيير.
وتمتد هذه المواقع، بحسب المصدر، على طول الشريط المحتل، بدءاً من محيط الناقورة والبياضة على الساحل، مروراً بمرتفعات القطاع الغربي، ثم القطاع الأوسط المشرف على واديي السلوقي والحجير، وصولاً إلى مرتفعات القطاع الشرقي ونقاط أخرى بمحاذاة الحدود، بينها موقع كبير أنشئ في بلدة مارون الرأس.
التفوق يبقى في المواقع الحاكمة
ويضيف قزح أن هذه المواقع «تطل على النبطية وإقليم التفاح ومرج الليطاني والمناطق المقابلة في الجليل»، معتبرًا أن بقاءها تحت السيطرة الإسرائيلية يعني أن الانسحاب من زوطر «لا يفقد إسرائيل ميزة عسكرية أساسية، لأن نقاط الرصد والإشراف الرئيسية ما زالت بيدها».
ويضيف أن هذه المواقع «تطل على النبطية وإقليم التفاح ومرج الليطاني والمناطق المقابلة في الجليل»، معتبراً أن بقاءها تحت السيطرة الإسرائيلية يعني أن الانسحاب من زوطر «لا يفقد إسرائيل ميزة عسكرية أساسية، لأن نقاط الرصد والإشراف الرئيسية ما زالت بيدها».
ويرى قزح «أن دخول الجيش اللبناني إلى فرون وصريفا وزوطر الغربية يكرس حضور الدولة داخل القرى، لكنه لا يغير كثيراً في الميزان العسكري ما دامت إسرائيل تحتفظ بالمواقع الحاكمة التي تمنحها القدرة على المراقبة والسيطرة النارية على المحيط».
السيطرة من الجو... والخلاف على حق التدخل
ولا تقوم المقاربة الإسرائيلية الجديدة على التمركز في المرتفعات وحدها، بل تستند أيضاً إلى التفوق الجوي والاستخباراتي؛ فحتى مع انتشار الجيش اللبناني داخل البلدات، تبقى الطائرات المسيّرة ووسائل الرصد الإلكترونية والمدفعية بعيدة المدى أدوات تسمح لإسرائيل بمتابعة التحركات داخل المناطق التي انسحبت منها، من دون الحاجة إلى وجود عسكري دائم داخلها.
ويقول خبراء عسكريون إن هذا النموذج يقلل تكلفة الانتشار البري، ويخفض المخاطر التي تتعرض لها القوات الإسرائيلية، مع الحفاظ على القدرة على التدخل السريع عند الحاجة. ومن هنا، فإن نجاح المرحلة الأولى لا يقاس فقط بانسحاب الجنود من داخل القرى، بل أيضاً بما إذا كانت إسرائيل ستتوقف عن استخدام تفوقها الجوي والناري في هذه المناطق.
ويشدد العميد المتقاعد سعيد قزح على أن «أحد أبرز أسباب تأخر إطلاق المرحلة الأولى كان تمسك الجانب اللبناني بالحصول على ضمانات واضحة تمنع إسرائيل من استهداف المناطق التي يدخلها الجيش اللبناني أو إعادة التوغل فيها بعد الانسحاب».
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «التحقق من خلو هذه المناطق لا تتولاه إسرائيل، بل يتم عبر آلية مشتركة تضم الجانب الأميركي والجيش اللبناني، ومن ثم لا يحق لإسرائيل أن تعود لاستهداف هذه المناطق أو تنفيذ عمليات عسكرية فيها أو إعادة احتلالها بعد بسط سلطة الدولة عليها». ويضيف أن هذه الضمانات «جاءت نتيجة ضغوط أميركية ومفاوضات رافقت الاتفاق، وشكلت أحد الأسس التي سمحت بالانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة تنفيذ الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني».

مخاوف من توسيع هامش التدخل
في المقابل، يحذر العميد المتقاعد ناجي ملاعب من أن بعض الطروحات التي تداولها الإعلام الإسرائيلي قد تفتح الباب أمام تفسير مختلف للاتفاق، إذا جرى التعامل معها كجزء من آلية التنفيذ.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «منح إسرائيل حق الدخول للتحقق من تنفيذ التفاهمات يشكل مسألة خطيرة جداً؛ لأنها ستعود في كل مرة لتقول إن لديها معلومات تستوجب التدخل، ما يعني عملياً تكريس حق دائم بالدخول والخروج إلى الأراضي اللبنانية تحت ذرائع أمنية».
تعكس هذه الاستراتيجية الإسرائيلية تحولًا من الاحتلال المباشر إلى السيطرة عن بعد، عبر تفوق جوي واستخباراتي يضمن القدرة على المراقبة والتدخل عند الحاجة. ويواجه الجيش اللبناني تحديًا كبيرًا في بسط سيطرته الكاملة على هذه القرى ومنع أي خروقات للاتفاق، خاصة مع استمرار إسرائيل في الاحتفاظ بمواقع حاكمة تحيط بها. أما المراقبون فيرون أن اختبار المرحلة المقبلة سيكون في مدى التزام الطرفين بتفسير الاتفاق، وما إذا كانت إسرائيل ستلجأ إلى العودة العسكرية عند أي خلاف.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.