"مفاتيح بلا بيوت" تحكي الدمار في جنوب لبنان
ملخص
من بين أعمال المعرض، تبرز قطعة بعنوان "ما تبقى"، حيث تقدم المصممة والباحثة في السرد البصري سما بيضون (29 عامًا) صورًا لمنزل جدها الواقع في بلدة بنت جبيل القريبة من الحدود.
ويأتي هذا المعرض في وقت لا يزال فيه آلاف اللبنانيين غير قادرين على العودة إلى منازلهم المدمرة.
عندما زارت فاطمة حاج علي معرضًا فنيًا في بيروت، غلبها البكاء وهي تتأمل السقف، إذ رأت المفاتيح المعلقة منه، والتي تمثل كل ما تبقى من بيوت دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان، فأثارت فيها ذكرى جرح لا يلتئم.
وتقول حاج علي (23 سنة) لوكالة الصحافة الفرنسية وهي تمسح دموعها "كان ينبغي أن نعود ونفتح باب بيتنا به، لكن لم يعد هناك باب".
مثل عشرات الآلاف من اللبنانيين، تعرض منزل حاج علي، التي تنحدر من بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان، للتدمير خلال جولتي القتال بين إسرائيل وحزب الله في الفترة من 2023 إلى 2026.
ودمرت الحرب عشرات البلدات والقرى بصورة شبه كاملة. وعلى رغم تراجع وتيرة القتال بعد التفاهم الذي وقعته إيران والولايات المتحدة في منتصف يونيو (حزيران)، فإن إسرائيل تواصل شن غارات بين الحين والآخر، وتنفذ عمليات تفجير للمباني والمنشآت في المناطق التي تحتلها.
"نحن الفلسطينيون الجدد"
وتمنع الدولة العبرية سكان المناطق التي تسيطر عليها من العودة، ويعول كثر منهم على الصور لتبين مصير منازلهم. في المقابل، يقوم كثر من سكان مناطق لم تدخلها القوات الإسرائيلية، بتفقدها لوقت وجيز، من دون العودة للإقامة فيها راهناً.
زارت حاج علي المقيمة حالياً في بيروت، بلدتها للمرة الأخيرة في أبريل (نيسان). ورأت أن "البيت انهار نصفه وبقي نصفه"، لكن "غرفتي ما زالت مكانها وبقيت فيها بعض الأغراض". وتضيف "فكرة أننا لا نستطيع الدخول إلى القرية ولا إلى البيت، تؤلم كثيراً".
لا تخفي هذه المعالجة النفسية الشابة الحنين إلى يومياتها السابقة، وهي تتجول في معرض "احكيلي يا جنوب" الذي يستعيد ذاكرة جنوب لبنان عبر أرشيف من الصور والمقاطع المصورة. ويقام المعرض في "بيت بيروت"، وهو مبنى تراثي تحول متحفاً للذاكرة، ويحمل ندوب الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990.
اقرأ المزيد- واشنطن في جنوب لبنان... ضامن أم منسق أم شريك في التنفيذ؟
- نتنياهو من جنوب لبنان: لن نغادره حتى زوال التهديد
- إسرائيل تأمر جيشها بالاستعداد "لبقاء طويل" في جنوب لبنان
- راع عثر عليهم... مصير مأسوي يقفل ملف 4 مفقودين جنوب لبنان
وكانت حاج علي تتأمل عملاً في المعرض هو "مفاتيح بلا بيوت"، الذي يتضمن عبر مقاطع بالصوت والصورة، شهادات ثلاثة أشخاص من جنوب لبنان احتفظوا بمفاتيح لبيوتهم التي لم تعد قائمة.
ويقول معد هذا العمل أديب فرحات (36 سنة)، وهو أيضاً من جنوب لبنان، إن الفكرة راودته أثناء الحرب عام 2024، حينما كان يخشى أن يخسر منزله. ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية إن العمل يستكشف علاقة الناس بالمفاتيح بوصفها رمزاً للبيت والذاكرة.
ويوضح "راودني هاجس طوال الوقت: ماذا سيحل ببيتي؟ هل سيقصف؟ وكيف ستتغير علاقتي بمفتاح بيتي؟ هل سنصبح نحن الفلسطينيين الجدد؟"، في إشارة إلى المفاتيح التي حملها معهم مئات الآلاف من الفلسطينيين بعد تهجيرهم إلى الشتات إثر قيام إسرائيل عام 1948، وأصبحت رابطهم وتذكارهم الوحيد من بيوتهم التي اندثرت.
"بسيطة جداً، جميلة جداً"
يعيد المعرض رسم معالم المنازل القروية في جنوب لبنان وحياة سكانها، من غرف النوم والجلوس، إلى مطابخ فيها أباريق زجاجية وركوة للقهوة وقوارير للتوابل، ويتضمن صورة قديمة لمدينة صور الساحلية، ومقطع فيديو بالأبيض والأسود لمدينة النبطية، إضافة إلى دفاتر من دون فيها الزوار ذكرياتهم عن الجنوب.
وكتبت فتاة على إحداها "اشتقت للجنوب".
ويضم المعرض أعمالاً منها "ما تبقى"، حيث تعرض المصممة والباحثة في السرد البصري سما بيضون (29 سنة)، صوراً لبيت جدها في مدينة بنت جبيل المحاذية للحدود.
وفي حين تسبب خلل تقني في ظهور معظم الصور ضبابية، لكن ذلك جعلها تبدو أشبه بـ"حلم"، بحسب ما تقول بيضون المقيمة في باريس. وتوضح "كنت أحاول أن أروي قصة شخص يذهب لزيارة جديه في مكان مهدد".
وتضيف الشابة التي رأت منزل جدها آخر مرة عام 2025 قبل أن يدمر "أذكر كم جمع هذا البيت أشخاصاً، وكيف كبرت عائلتي فيه، وكم عاصر من أجيال وشهد الحياة تتغير، فيما بقيت بعض الأشياء ثابتة، ففي كل يوم أحد كنا نجتمع ونتناول الوجبة نفسها على الغداء". وتتابع "كانت الحياة بسيطة جداً، لكنها كانت جميلة جداً".
وفي عمل فوتوغرافي بعنوان "خطوط التغريب"، تستعرض المصورة روان مازح (29 سنة) قصة زوجين كانا سجينين في معتقل أقامته إسرائيل في بلدة الخيام بجنوب لبنان، أثناء احتلالها لهذه المناطق بين عامين 1978 و2000.
وتولى "جيش لبنان الجنوبي"، وهو قوة محلية أنشأتها الدولة العبرية، إدارة هذا المعتقل الذي نددت منظمات غير حكومية بحصول عمليات تعذيب وانتهاكات جسيمة فيه.
وترى مازح أن المعرض يوفر "مكاناً مريحاً يستطيع الناس أن يأتوا إليه ويشعروا قرب أرضهم"، في ظل تعذر عودتهم إلى الجنوب.
ويعكس المعرض معاناة سكان الجنوب الذين فقدوا بيوتهم وذكرياتهم، وتظل المفاتيح رمزًا مؤلمًا للحنين والأمل في العودة. ومع استمرار التوتر وإسرائيل في منع العودة، يظل مصير القرى المدمرة غير محدد.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.