ملخص

يؤكد خبراء أن القوى الدولية أدركت أهمية البحث عن قنوات دبلوماسية جديدة لها قبول لدى مختلف الأطراف على غرار باكستان، لا سيما أن الوسطاء التقليديين مثل تركيا ومصر محسوبون على معسكرات معينة.

ومن هذا المنطلق، تبدو إسلام آباد، التي تحتفظ بعلاقات متوازنة نسبياً مع عواصم إقليمية ودولية عدة، وفق رأيهم، مرشحة للعب دور مختلف في ليبيا كوسيط مباشر أو كقناة تواصل بين القوى المتنافسة، فهل أدركت القوى الدولية أن التسوية الليبية بحاجة إلى رعاة جدد؟

في الوقت الذي تحاول فيه الدبلوماسية المصرية والتركية التحرك كفاعلين تقليدين لإحياء العملية السياسية الليبية التي دخلت في جمود متواصل منذ عام 2012، برزت للضوء تحركات إسلام آباد التي يترأسها قائد الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير الذي سبق واجتمع بمقر القيادة العامة في مدينة بنغازي شرق البلد بالمشير خليفة حفتر وأبنائه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، ليعلن في يونيو (حزيران) عام 2026 تواصله مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة غرب ليبيا لتعزيز التعاون الثنائي.

كريمة 1.jpg

تتضمن الخطة الباكستانية اتفاقاً انتقالياً لتقاسم السلطة لمدة 36 شهراً (المكتب الإعلامي للقيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية)

قنوات جديدة

تطورات يقول مراقبون إنها تأتي بدفع من الولايات المتحدة وبدعم من السعودية، بخاصة بعد بروز دور باكستان كوسيط رئيس في عدد من النزاعات الدولية آخرها الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران بالتعاون مع قطر. وتسعى إسلام آباد إلى تقديم طرح يقوم على توحيد ليبيا ينطلق من التغلب على قضايا خلافية كالمناصب السيادية وقوانين الانتخابات، وفق ما نقلت قناة "أفريكا نيوز" الفرنسية .

وتتضمن الخطة الباكستانية اتفاقاً انتقالياً لتقاسم السلطة لمدة 36 شهراً، مع حكومة توافق وطني بقيادة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبدالحميد الدبيبة، ومجلس رئاسي برئاسة نائب قائد القيادة العامة الفريق أول ركن صدام حفتر.

ويؤكد خبراء أن القوى الدولية أدركت أهمية البحث عن قنوات دبلوماسية جديدة لها قبول لدى مختلف الأطراف على غرار باكستان، لا سيما أن الوسطاء التقليديين مثل تركيا ومصر محسوبون على معسكرات معينة.

ومن هذا المنطلق، تبدو إسلام آباد، التي تحتفظ بعلاقات متوازنة نسبياً مع عواصم إقليمية ودولية عدة، وفق رأيهم، مرشحة للعب دور مختلف في ليبيا كوسيط مباشر أو كقناة تواصل بين القوى المتنافسة، فهل أدركت القوى الدولية أن التسوية الليبية بحاجة إلى رعاة جدد؟

اقرأ المزيد

تخفيف الاستقطاب

في السياق، قال المرشح لرئاسة الحكومة محمد المزوغي إن انخراط دولة مثل باكستان أو أية دولة أخرى من خارج دائرة اللاعبين التقليديين قد يسهم في تخفيف حالة الاستقطاب، "بخاصة إذا كانت هذه الدولة لا تمتلك مصالح متعارضة داخل ليبيا، مما قد يمنح مساحة أكبر للحوار ويقلل من حساسيات التدخلات التي ارتبطت ببعض الأطراف الدولية والإقليمية خلال السنوات الماضية". ولفت المزوغي إلى أن التجربة الليبية أثبتت أن تغيير الوسيط وحده لا يكفي لإنجاح أية مبادرة، "فقد تعاقب الرعاة والوسطاء وتتالت المبادرات بينما بقي جوهر الأزمة من دون حل منذ عام 2012، لأن المشكلة ليست في غياب الوسيط وإنما في انعدام الإرادة السياسية الحقيقية واستمرار الاعتماد على التفاهمات بين عدد محدود من الأطراف، مع إقصاء قطاعات واسعة من الشعب الليبي والقوى الوطنية".

وأكد المرشح لرئاسة الحكومة الليبية أن نجاح أية وساطة يجب أن يستند إلى مبادئ أساسية عدة، "أولها احترام السيادة الليبية، وأن يكون دور الوسيط مسيراً للحوار لا صانعاً للحلول، إضافة إلى عدم حصر العملية السياسية في مجموعة محدودة من الأطراف"، وطالب بالتركيز على بناء مؤسسات دولة موحدة وعدم الاكتفاء بتقاسم المناصب أو إعادة إنتاج المراحل الانتقالية ووضع جدول زمني واضح لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة، منوهاً إلى أن ليبيا لا تعاني نقصاً في الوسطاء، بل من ضعف في التوافق الوطني والإدارة الرشيدة للعملية السياسية.

وتابع المزوغي أن أي وسيط سواء كان من باكستان أم غيرها لن يحقق النجاح ما لم يكن داعماً لحل ليبي - ليبي، "ينطلق من دعم المبادرات الوطنية على غرار المبادرة التي أطلقها المجلس التأسيسي الليبي بعنوان: المبادرة الوطنية لإنهاء الانسداد السياسي واستعادة الشرعية وتوحيد مؤسسات الدولة"، بحيث يكون مساعداً لإرادة الليبيين ويحترم حقهم في اختيار مستقبلهم بعيداً من صراعات المصالح الخارجية، "فدور المجتمع الدولي يجب أن يكون داعماً لهذا المسار لا بديلاً عنه".

دخول ملفت

ووصف المتخصص بالشؤون السياسية والأمنية سعد الدينالي دخول باكستان على خط المفاوضات بالملفت "بخاصة أنه يأتي بالتزامن مع تحركات واشنطن للدفع بالعملية السياسية والأمنية نحو إنهاء الانقسام"، وأشار إلى أن الولايات المتحدة تحاول الاستعانة بالوسيط الباكستاني لتمرير مبادرتها "لا سيما أن إسلام آباد غير محسوبة على معسكر معين مثل مصر الموالية للقطب الشرقي أو تركيا المحسوبة على الغرب الليبي"، ولفت إلى أن باكستان لا تتحرك بمعزل عن السعودية باعتبارها الدولة الأكثر ترجيحاً لقيادة الحل بين الأطراف الليبية التي لم تندمج في المبادرة الأميركية إلى الآن, أضاف المتخصص بالشؤون الليبية والدولية أن نجاح باكستان في المفاوضات الإيرانية - الأميركية، "هو ما دفع الولايات المتحدة إلى توظيفها كوسيط إسلامي لإقناع بعض الأطراف بخاصة في ظل عدم حيادية الفاعلين التقليديين، لأن كلاً منهما محسوب على معسكر معين"، وأشار إلى أنه يتوقع نجاح الدبلوماسية الباكستانية في مساعدة واشنطن في إقناع بعض الأطراف بالغرب الليبي المعارضة لمبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق أوسطية.

وذهب المتخصص بالعلاقات الدولية خالد الحجازي إلى أن المجتمع الدولي اتجه للبحث عن وسيط جديد من خارج دائرة اللاعبين التقليديين في الملف الليبي "إيماناً منه أن الوساطات التقليدية وصلت إلى مرحلة من التشبع، فمصر وتركيا تمتلكان نفوذاً حقيقياً في ليبيا، لكن كل طرف ينظر إليه من بعض الفاعلين الليبيين على أنه أقرب إلى معسكر دون آخر، مما يحد من قدرته على لعب دور الوسيط المقبول لدى الجميع"، وتابع أن هذا هو الدافع للاتجاه نحو دولة لا تعد طرفاً مباشراً في الصراع كمحاولة لإيجاد وسيط أقل حساسية سياسياً وأكثر قدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، ولفت إلى أنه في هذا السياق "تمتلك باكستان عدداً من المزايا، فهي تحتفظ بعلاقات جيدة مع عدد من الدول العربية والإسلامية، كما أن علاقاتها مع الولايات المتحدة شهدت تحسناً في الفترة الأخيرة، ولديها كذلك قنوات تواصل مع الصين ودول الخليج"، وأوضح الحجازي أنه في حال كان هناك تفكير في دور سعودي أكبر في المرحلة المقبلة، "فمن الممكن أن ينظر إلى باكستان كشريك يحظى بعلاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية، مما قد يسهل تنسيق أي جهود إقليمية أوسع، لكنه لا يعني بالضرورة أن إسلام آباد ستكون بديلاً عن القاهرة أو أنقرة، بل ربما مكملاً لهما ضمن ترتيبات دولية وإقليمية أوسع".

وبخصوص امتلاك باكستان من عدمه المقومات السياسية والأمنية اللازمة للقيام بدور وساطة فاعل في ليبيا، وأن غياب انخراطها السابق في الملف الليبي قد يشكل عائقاً أمام نجاحها، شدد المتخصص بالعلاقات الدولية على أن لباكستان "خبرة واسعة في الملفات الأمنية والعسكرية، ولها سجل طويل في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، كما أن مؤسساتها العسكرية تتمتع بقدرات تنظيمية وعلاقات دولية واسعة، عوامل قد تمنحها صدقية في الجوانب الأمنية إذا طلب منها أداء دور محدد"، موضحاً أنه في المقابل يظل غياب انخراطها التاريخي في الملف الليبي سلاحاً ذا حدين "فمن جهة قد يمنحها صورة الطرف غير المنحاز، ومن جهة أخرى قد يحد من قدرتها على فهم التعقيدات المحلية وشبكة التوازنات القبلية والسياسية والعسكرية التي تشكل جوهر الأزمة الليبي"، وقال أيضاً إن نجاح الوساطة الباكستانية لن يتوقف على اسم الوسيط بقدر ما يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسة "أولها وجود توافق دولي حقيقي يدعم مسار الوساطة، وثانيها قبول الأطراف الليبية بهذا الدور وعدم اعتباره امتداداً لأجندات خارجية، وثالثها امتلاك الوسيط أدوات تأثير وضمانات عملية، وليس مجرد القدرة على نقل الرسائل بين الأطراف، لأن فرص نجاحها ستظل مرهونة بمدى استعداد الفاعلين الليبيين والداعمين الخارجيين للانتقال من إدارة الأزمة إلى تسويتها".