وجّه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف انتقادات قوية إلى واشنطن في أعقاب جولة محادثات عقدها في مانيلا مع نظيره الأميركي ماركو روبيو. ولفت إلى تحول واضح في سياسة الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية الأوكرانية، متهماً واشنطن بالتراجع عن التفاهمات المشتركة السابقة مع موسكو ومطابقة مواقفها مع الرؤى الأوروبية والأوكرانية.

تأتي هذه التطورات الدبلوماسية في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية على الأرض وتتبادل الأطراف الاتهامات بشأن عرقلة مسار التسوية السياسية.

عكس اللقاء الأول بين الوزيرين، الذي عُقد الأربعاء على هامش قمة «آسيان» في مانيلا، فجوة واسعة في وجهات النظر حول آليات التسوية المستقبلية في أوكرانيا. ورداً على دعوة روبيو لإيجاد رؤى وأفكار بديلة للمسار التفاوضي، اتهم الوزير الروسي الجانب الأميركي بالتنصل مما تم الاتفاق عليه خلال القمة الثنائية الوحيدة التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في ألاسكا صيف العام الماضي. وأوضح لافروف أن واشنطن عدلت موقفها حيال تفاهمات أنكوريج لتلتقي مع الطروحات الأوروبية والأوكرانية القائلة بتجاوز تلك الاتفاقية.

الدعم العسكري الأميركي

انتقد لافروف بقوة تصريح روبيو بأن «مقترحات التسوية الأوكرانية التي طُرحت في القمة الروسية - الأميركية في ألاسكا قد فشلت»، وزاد أنه «من الضروري معرفة من هو الذي فشل بالتحديد». وقال: «إذا كانت لدينا مقترحات محددة، ووُجد اتفاق، فلا بد من وجود نتائج متفق عليها في أنكوريج، أليس كذلك؟ هو كذلك طبعاً. لن أفصح عن سرّ كبير إذا قلت إن الرئيس (الأميركي دونالد) ترمب صرّح مراراً بأن تفاهماتنا شكّلت حلّاً وسطاً إلى حدٍّ ما. لقد قبلنا بأنه حل وسط، فأي اتفاق لا بد أن يتضمن شيئاً من التنازلات المتبادلة».

جانب من لقاء الوفدين الروسي والأميركي برئاسة لافروف وروبيو في مانيلا يوم 23 يوليو (إ.ب.أ)
جانب من لقاء الوفدين الروسي والأميركي برئاسة لافروف وروبيو في مانيلا يوم 23 يوليو (إ.ب.أ)

وتابع لافروف أن «(ترمب) أكد أن (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي سيُنفّذ ما اتفقنا عليه... لكن الأمر لم ينجح».

وأشار كبير الدبلوماسيين الروس إلى أن «هذا الرفض المتعجرف والمتعالي (من قبل كييف) للمقترح الأميركي يعود إلى درجة كبيرة لحقيقة أن زيلينسكي يتلقّى كميات هائلة من الأسلحة؛ إذ يُزوَّد بكميات ضخمة من الطائرات المسيّرة التي يستخدمها لتقويض استقرار روسيا من خلال مهاجمة المدنيين والأهداف المدنية».

وأضاف: «تشكّل المساعدة الأميركية جزءاً كبيراً من هذا الدعم لزيلينسكي، ليس فقط لأنهم يبيعون الأسلحة للاتحاد الأوروبي الذي يرسلها بدوره إلى أوكرانيا، بل أيضاً لأن الأميركيين يقدمون (لكييف) معلومات استخباراتية (...) وتقنيات عالية متطورة».

وأشار لافروف إلى أن روسيا تُفضّل حلاً سياسياً، لكنها «عاجزة عن فعل أي شيء إذا ما غيرت الولايات المتحدة نهجها، وقد اتفقت مع تقييم القادة الأوروبيين وأوكرانيا بأن اتفاقيات قمة أنكوريج قد دُفنت»، مؤكداً مع ذلك أن روسيا سوف «تحقق أهدافها على أي حال».

مواصلة الحوار

في مقابل الهجوم الحاد الذي شنّه لافروف، اتخذ الكرملين نحواً أكثر هدوءاً ودبلوماسية؛ إذ أكد المتحدث الروسي دميتري بيسكوف استمرار التواصل مع الجانب الأميركي بشأن تسوية الأزمة الأوكرانية. وأوضح أن موسكو لا تزال ترقب وصول الوفد الأميركي إلى العاصمة الروسية، مع الإشارة إلى تأجيل الزيارة الخاصة بمبعوثَي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في وقت سابق.

روبيو لدى مشاركته في لقاء مع لافروف بمانيلا يوم 23 يوليو (إ.ب.أ)
روبيو لدى مشاركته في لقاء مع لافروف بمانيلا يوم 23 يوليو (إ.ب.أ)

وقال بيسكوف: «لا أريد أن أبالغ في التفاؤل بشأن تقدم المفاوضات. هناك اتصالات مع الجانب الأميركي، وهذا أمر إيجابي بحد ذاته. ولكن لا يمكن الحديث عن أي تقدم أو ديناميكية ملحوظة. نحن نواصل الحوار عبر القنوات مع الأميركيين، ونأمل أن يتمكن الجانب الأميركي، حين تسمح له الظروف، أن يزور موسكو ونواصل المفاوضات».

وكانت «الخارجية الروسية» أفادت بعد لقاء لافروف وروبيو بأنه «خلال بحث القضية الأوكرانية، أطلع لافروف نظيره الأميركي على الوضع الراهن على طول خط التماس، وأكد على الرفض القاطع لمزيد من ضخ الأسلحة إلى نظام كييف والسياسات المزعزعة للاستقرار التي تنتهجها الدول الأوروبية، والتي تسعى جاهدة لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا». وأضافت: «أكد لافروف مجدداً استعداد روسيا لتسوية سياسية ودبلوماسية للنزاع، والتزامها بالمقترحات التي طرحها الجانب الأميركي في أنكوريج، والتي وافق عليها الرئيس الروسي».

منظومة إنتاج «باتريوت»

لكن تقييم روبيو بدا مغايراً تماماً، وأعلن بعد اللقاء أن واشنطن «تعتزم مواصلة البحث» عن مسار لإنهاء النزاع في أوكرانيا، و«ثمة حاجة» إلى أفكار ومقترحات جديدة لتسوية النزاع الأوكراني.

وزاد عقب الاجتماع: «أعتقد أن كلا الطرفين بحاجة إلى حوافز لإنهاء النزاع (في أوكرانيا). وتكمن الصعوبات في إيجاد مسار مقبول للطرفين. وقد حاولنا، وسنواصل المحاولة، فهم ما إذا كنا قادرين على إيجاد حل وسط يفضي إلى ذلك. ونحن مستعدون للاضطلاع بدور في هذا الشأن».

صورة أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتصافحان في أنكوريج بولاية ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)
صورة أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتصافحان في أنكوريج بولاية ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

على صعيد آخر، اقترحت بولندا على الولايات المتحدة إنشاء مشروع مشترك مع أوكرانيا لإنتاج صواريخ منظومات الدفاع الجوي «باتريوت» على الأراضي البولندية.

ونقلت وكالة الأنباء البولندية (PAP) عن نائبة وزير الدفاع البولندي، ماغدالينا سوبكوفيك-تشارنيتسكا، قولها خلال زيارة إلى واشنطن إنها طرحت هذه المبادرة خلال اجتماعات مع مسؤولين في وزارتَي الدفاع والخارجية. وقالت: «اقترحنا تعاوناً ثلاثياً بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وبولندا. الهدف هو ضمان أمن عملية الإنتاج وإقامتها في مكان آمن».

وأوضحت أن هذا المقترح جاء رداً على تصريح للرئيس الأميركي خلال قمة حلف «الناتو» حول إمكانية إنتاج مكونات منظومات «باتريوت» بالتعاون مع أوكرانيا.

اللافت أن ألمانيا كانت لمّحت في وقت سابق إلى استعدادها للتعاون مع واشنطن وكييف في تجميع الصواريخ الأميركية المخصصة لأوكرانيا على أراضيها.

ميدانياً، تواصل التصعيد المتبادل بين موسكو وكييف، وشهدت الليلة الماضية هجمات عنيفة على طرفَي خطوط التماس. وأعلنت موسكو أنها تصدت لـ571 مسيّرة أوكرانية استهدفت سان بطرسبرغ ومحيطها ومواقع في عدد من المدن الروسية الأخرى.

لافروف لدى مشاركته في لقاء مع روبيو بمانيلا يوم 23 يوليو (أ.ف.ب)
لافروف لدى مشاركته في لقاء مع روبيو بمانيلا يوم 23 يوليو (أ.ف.ب)

في المقابل، أفاد بيان لوزارة الدفاع الروسية بأن قواتها واصلت تنفيذ ضربات شاملة باستخدام أسلحة دقيقة تطلق من الجو وطائرات مسيّرة هجومية، واستهدفت منشآت بنية تحتية عسكرية في 3 موانئ أوكرانية.

تكتسب المباحثات الروسية الأميركية أهمية بالغة نظراً لتأثيرها المباشر على مسار الصراع الدائر في أوروبا الشرقية وتداعياته الواسعة على الأمن الدولي. ويبقى الترقب سيد الموقف بانتظار تحديد موعد جديد لزيارة الوفد الأميركي إلى موسكو لاختبار مدى إمكانية ردم الهوة الدبلوماسية. وفي ظل تمسك كل طرف برؤيته للحل، تواجه الجهود الدولية لاحتواء الأزمة تحديات معقدة تتطلب توافقات استراتيجية صعبة. وستواصل دوائر صنع القرار مراقبة أثر هذه الخلافات على حجم الدعم العسكري والاستخباراتي الغربي لكييف.