موسكو تسعى لعزل كييف عن البحر الأسود
أظهر الاستهداف المتواصل والعنيف لميناء أوديسا (جنوب غرب) مسعى روسيا لعزل أوكرانيا عن البحر الأسود؛ بهدف حرمانها من عائدات إمدادات المواد الخام والحبوب.
تواصل موسكو شن هجمات صاروخية مكثفة على كييف ومواقع الإمداد والوقود والبنى العسكرية في مدن أوكرانية متعددة، في إطار توسيع نطاق أهدافها الاستراتيجية بهدف فرض واقع ميداني جديد وإلحاق خسائر فادحة بالقوات الأوكرانية.
تأتي هذه الهجمات في سياق تصعيد متبادل بين الطرفين منذ أسابيع، مع فشل جهود الوساطة الدولية في تحقيق اختراق دبلوماسي.
ويبرز القصف المتكرر لميناء أوديسا جنوب غرب أوكرانيا سعي روسيا لعزل كييف عن البحر الأسود، بهدف قطع عائدات تصدير المواد الخام والحبوب وتشديد الحصار، وذلك بعد إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود الشرقية.
وشهدت العاصمة الأوكرانية ليلة الاثنين واحدة من أعنف الهجمات الصاروخية منذ بداية الحرب وفقاً لبيان أصدرته وزارة الدفاع الروسية. وأفاد البيان الروسي بتوجيه «ضربات عنيفة على أهداف عسكرية في كييف، في هجوم صاروخي كان الأشد منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا».
وشكَّلت هذه الهجمات استمراراً للتصعيد القوي الذي بدأ منذ أسابيع، على خلفية جمود عملية السلام ومحاولة الطرفين الروسي والأوكراني تحسين مواقعهما الميدانية.

وفي مقابل الضربات الروسية، كثفت أوكرانيا هجماتها بالطائرات المسيرة على العمق الروسي، حيث شنت ليلاً هجوماً واسعاً، وأعلنت موسكو أن دفاعاتها الجوية اعترضت 381 مسيرة من أصل أكثر من 400 استهدفت العاصمة وحدها.
وجاء في بيان الوزارة أنه تم إسقاط المسيَّرات في مقاطعات: بيلغورود، بريانسك، فولغوغراد، فورونيج، كالوغا، كورسك، ليبيتسك، أوريول، روستوف، ريازان، سمولينسك، تامبوف، تولا، وموسكو، وإقليم كراسنودار، وشبه جزيرة القرم، وبحر آزوف والبحر الأسود.
وأعلن عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، أن أكثر من 400 مسيّرة حلّقت باتجاه موسكو الليلة الماضية تم إسقاط معظمها بعيداً عن العاصمة.
وفي مقاطعة موسكو أصيب 10 أشخاص بينهم طفل وصينيان نتيجة لهجوم طائرات مسيَّرة.
وفي توسيع لحجم وأهداف العمليات الروسية في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية صباح الاثنين «استمرار ضرب الموانئ الأوكرانية التي تخدم قوات كييف». وأفاد بيان الجيش بشن «هجوم قوي جديد على ميناء أوديسا على البحر الأسود استهدف مستودعات الوقود والأسلحة الغربية التي تسلمتها أوكرانيا والبنى التحتية في الميناء».
وكانت موسكو، وفقاً للبيانات العسكرية، دمرت خلال الساعات الـ24 الماضية 5 خزانات للوقود ومواد التشحيم كانت مخصصة للقوات المسلحة الأوكرانية في منطقة قريبة من ميناء أوديسا جنوب أوكرانيا.
وقالت الوزارة في بيان إن الضربات نُفّذت باستخدام صواريخ مضادة للسفن من طراز «أونيكس»، وصواريخ مجنحة تُطلق من الجو، إضافة إلى ذخائر جوالة.
وأضافت أن الضربات استهدفت البنية التحتية للموانئ في منطقة نوفي بيلياري، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال شرقي ميناء أوديسا.
وفي وقت سابق، أعلنت «الدفاع الروسية»، استهداف سفينتَي شحن من نوع «بالكر» راسيتين قبالة ميناء أوديسا، مؤكدة أن السفينتين كانتا محملتين بإمدادات عسكرية مخصصة للقوات الأوكرانية.
وأقرَّت كييف بوقوع هجمات موجعة في أوديسا. وأفادت وزارة الدفاع الأوكرانية بأن القوات الروسية هاجمت موانئ تستخدمها القوات المسلحة الأوكرانية.
وذكرت الوزارة الأوكرانية أن «أسلحة دقيقة محمولة جواً وذخائر متسكعة استهدفت خزانات الوقود ومواد التشحيم في ميناء أوديسا».

اللافت، أن تكثيف الهجمات في أوديسا التي بقيت حتى وقت قصير أكثر هدوءاً من بقية المقاطعات الأوكرانية، عكس وفقاً لخبراء روس تبدلاً في أولويات الهجوم الروسي.
وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية، أن من يتأمل الحرائق الكبرى في المناطق المحيطة بأوديسا، يدرك أن «تكتيك كييف وشركائها الأوروبيين لمحاولة عزل شبه جزيرة القرم وتدمير منظومة الوقود والطاقة الروسية، فقدت معناها مع توسيع الهجمات الروسية في منطقة أوديسا».
ورأى المحلل البارز، كيريل ستريلنيكوف، أن «القيادة السياسية والعسكرية الروسية قررت أن تُقدم عرضاً خاصاً بها، وبدأت بعزل أوكرانيا تماماً عن البحر الأسود، وهو أمرٌ طال انتظاره».
ووفقاً للمحلل الذي نقل تقارير عن مصادر غربية، فقد «حولت روسيا اهتمامها إلى البحر الأسود، مستهدفةً طرق التجارة والموانئ العميقة لإرهاق الاقتصاد الأوكراني خلال الحرب».
وتشير معطيات رسمية إلى أنه «قبل الحرب، كانت 90 في المائة من صادرات أوكرانيا الزراعية تمر عبر الموانئ البحرية، وقدرة أوكرانيا على إبقاء ثلاثة موانئ في منطقة أوديسا مفتوحة أمرٌ حيوي لبقاء البلاد».
ونقلت الوكالة الروسية عن صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن «ثمة شعوراً بالفزع؛ لأن محرك الاقتصاد الأوكراني قد شُلّ بسبب الهجمات الجوية، وهي الأعنف منذ قصف أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية».
وتقول كييف إنه يتم استهداف بنى تحتية مدنية وتجارية، لكن وزارة الدفاع الروسية، تقول إن الأهداف تشمل مراكز ومستودعات الخدمات اللوجستية، وشبكة سكك الحديد وعرباتها، ومرافق البنية التحتية للوقود والطاقة، وأحواض إصلاح السفن، ومحطات الموانئ وبنيتها التحتية، ومؤسسات المجمع الصناعي العسكري. وحسب الوزارة، فقد تعرّضت نحو ثلاثين سفينة، كانت تحمل شحنات عسكرية استراتيجية، لهجمات متكررة منذ بداية الأسبوع.
وتشير تقديرات إلى انخفاض سعة التخزين في ميناء أوديسا بمقدار الثلث بسبب الهجمات الروسية المتواصلة.
كما توقف مالكو السفن عن تقديم معلومات التعريفات الجمركية؛ ما يعني اختفاء سوق الشحن البحري في المنطقة فعلياً. كما ارتفعت أقساط التأمين لدى بعض شركات التأمين ارتفاعاً حاداً، في حين توقفت شركات أخرى تماماً عن تغطية المخاطر المرتبطة بالرحلات إلى الموانئ الأوكرانية. ومن الجدير بالذكر أن هذا لا يقتصر على أوديسا فحسب، بل يشمل جميع موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، بما فيها إيليتشيفسك (تشورنومورسك)، ويوزني، وإزمايل.

وأفاد تقرير «نوفوستي» بأن التجار الدوليين يناقشون بنشاط إمكانية تحويل مسار إمدادات الحبوب الأوكرانية وغيرها من البضائع عبر موانئ نهر الدانوب لإعادة شحنها لاحقاً في كونستانتا، رومانيا.
لكن يقرّ الخبراء الغربيون بأن البدائل البرية والنهرية غير قادرة هيكلياً على استبدال موانئ المياه العميقة في أوكرانيا - فسعة الطرق الرئيسية ومحطات سكك الحديد محدودة، كما أن فاعلية الممرات البرية تتعثر بسبب عدم كفاية سعة البنية التحتية الحدودية.
ومثالاً، يقول خبراء إنه «بالنسبة لأوكرانيا، لا يوجد بديل يُذكر لطريق التصدير عبر البحر الأسود»؛ إذ يتطلب الأمر 10 آلاف شاحنة لاستبدال ناقلة حبوب واحدة حمولتها 200 ألف طن، والتي لا يمكن تحميلها إلا في ميناء ذي مياه عميقة.
وتسببت الهجمات الروسية المكثفة على أوديسا وموانئ أخرى بحالة ذعر في كييف وعواصم أوروبية؛ لأن الصادرات الزراعية تُشكّل أكثر من نصف عائدات الصادرات الأوكرانية، متجاوزةً 20 مليار دولار سنوياً، ولا يزال الممر البحري القناة الرئيسية لتوزيعها (نحو 90 في المائة من إجمالي الصادرات). وبالتالي، فإن تعطيل مركز النقل في أوديسا يقطع المصدر الرئيسي لعائدات النقد الأجنبي التي تحتاج إليها كييف لتمويل كلٍ من النفقات العسكرية والالتزامات الاجتماعية الأساسية. ولكن الأهم من ذلك، أن إغلاق الإمدادات اللوجستية العسكرية عبر البحر يُوجّه ضربة قاسية لأوكرانيا من حيث التباطؤ الحاد في إعادة تزويد ترساناتها؛ الأمر الذي سيؤثر سريعاً على خطوط المواجهة.
ويرى محللون أن استهداف الموانئ الأوكرانية يهدف إلى خنق الاقتصاد الأوكراني وتعطيل صادرات الحبوب الحيوية للأسواق العالمية. ومع تبادل الضربات بين الجانبين، يبقى مسار الحرب مرهونًا بقدرة كل طرف على تحقيق مكاسب ميدانية قبل أي مفاوضات مرتقبة.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.