ملخص

أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن الوقت حان لتدارك هذا الخلل جذريًا، لافتًا إلى أن القرار النهائي بشأن تعديلات دستورية جوهرية سيكون بيد ممثلي الحوار الوطني الذين سيعرضون مسودة جديدة للاستفتاء الشعبي.

تأتي هذه الدعوة في وقت تعاني فيه إثيوبيا من توترات سياسية وأمنية متزايدة بين الحكومة المركزية والأقاليم.

كشفت الحكومة الإثيوبية عن بدء مؤتمر للحوار الوطني في أديس أبابا يهدف إلى مراجعة دستور 1995 وإعادة النظر في النظام الفيدرالي الإثني، حيث يسعى حزب الازدهار الحاكم إلى نظام أكثر مركزية في ظل تصاعد الاستقطابات القومية والحروب مع الأقاليم.

وقال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الذي يحضره نحو أربعة آلاف مشارك من مختلف القوميات والأطياف السياسية "انطلاق الحوار الوطني يمثل فرصة لمعالجة النمط السياسي السائد في البلاد"، والذي أسهم "في كثير من الأوقات إلى اللجوء للقوة لحسم الخلافات بدلاً من الحوار". وأضاف "الوقت قد حان لمعالجة هذا الخلل بصورة نهائية"، مشيراً إلى أن الكلمة الأخيرة لإحداث تعديلات دستورية عميقة، تعود للممثلين المشاركين في الحوار الوطني الذين سيخرجون بمسودة جديدة تطرح للتصويت الشعبي.

تيغراي.png

قال محاري سلمون أن المؤتمر الذي انطلق أخيراً بأديس أبابا "إقليم تيغراي لم يمثل في الحوار على رغم أهميته التاريخية والسياسية" (أ ف ب)

رسائل للخارج

وتابع آبي أحمد "فقدان إثيوبيا منفذها المباشر إلى البحر الأحمر يعود إلى عوامل داخلية مرتبطة بالانقسامات السياسية وحالة الضعف الداخلي التي شهدتها البلاد عبر مراحل تاريخية مختلفة، أكثر من ارتباطه بعوامل خارجية"، معتبراً أن إثيوبيا أصبحت "سجينة جغرافياً" نتيجة إخفاقها في إدارة خلافاتها الداخلية بصورة فعالة. وأكد أن العجز التاريخي عن إدارة التباينات الداخلية أتاح لأطراف خارجية الاستفادة من الانقسامات داخل البلاد، مما انعكس "على المصالح الاستراتيجية لإثيوبيا، بما في ذلك الوصول إلى البحر الأحمر"، واتهم أحمد، من دون أن يسمي دولاً بعينها، أطرافاً خارجية باستغلال النزاعات والانقسامات الداخلية في إثيوبيا لتحقيق مصالحها الخاصة. وقال إن هناك دولاً تحمل "عداءً ممتداً عبر قرون"، وتترقب أي مؤشرات إلى الاضطراب الداخلي في إثيوبيا، مضيفاً أن هذه الأطراف لا تظهر خلال فترات البناء والتنمية، لكنها تنشط عندما تواجه البلاد أزمات أو انقسامات داخلية، ولفت إلى أن تلك الأطراف كانت غائبة خلال مراحل التنمية التي شهدتها البلاد، لكنها تظهر عند تصاعد الخلافات الداخلية. وشبه رئيس الوزراء الإثيوبي تلك الجهات بـ"النسور التي تحوم في سماء إثيوبيا"، معتبراً أنها تنتظر فرصاً تنشأ من الانقسامات الداخلية. وقال "رسالتي إلى النسور التي تحوم في سماء إثيوبيا هي أننا نحن من نشتري الماشية، ونحن من نقرر كيفية توزيعها، وما لم نقرر نحن تقاسم ما يتبقى منها، فلن يتمكن أي نسر من أخذ كيلوغرام واحد من اللحم من مائدتنا بالقوة".

ملفات قيد المراجعة

ورأى مراقبون أن مؤتمر الحوار الوطني قد يسهم في تسكين بعض النزاعات في حال تمتع أعضاؤه بحرية اقتراح الحلول، بخاصة أن البلاد تشهد حروباً أهلية في كل من إقليمي أمهرة وأوروميا، فيما يعاني إقليم تيغراي عزلة سياسية نتيجة عدم مشاركته في الحكومة والبرلمان المنتخب، في وقت تعاني فيه مناطق أخرى من أزمات سياسية تاريخية بخاصة في إقليمي الصومال الإثيوبي وبني شنقول.

وأعلن رئيس مؤتمر الحوار الوطني مسفين أرايا أن المؤتمر سيعتمد على ثمانية ملفات كأجندة رئيسة للتباحث حولها أبرزها "بناء الدولة، وتتضمن القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية، والسرديات التاريخية، والتماسك الاجتماعي، إضافة إلى دراسة نموذج الحكم القائم الذي يتعلق بمراجعة النظام الفيدرالي، وآليات تقاسم السلطة، والحكم الدستوري، والأطر المؤسسية المنظمة لإدارة الدولة، علاوة على دراسة وضع المدن الفيدرالية، والذي يرتكز على المطالب المتعلقة بوضع العاصمة أديس أبابا، ومدينة ديري داروا اللتين تتمتعان بوضع خاص في الدستور الفيدرالي الإثيوبي، بعيداً من الوضع الفيدرالي نظراً إلى حساسيتهما الخاصة في المنظومة الوطنية، إلى جانب ملفات أخرى ذات صلة بإدارة التنوع والنزاعات المتعلقة بالحدود بين الأقاليم الإثيوبية".

في هذا الوقت رأى بيهون غيداون المتخصص في الشأن الإثيوبي أن انطلاق فعاليات الحوار الوطني يمثل فرصة تاريخية لمواجهة التحديات التي تحد من فعالية الدولة، "بخاصة المتعلقة بصورة نظام الحكم القائم على الفيدرالية الإثنية"، مشيراً إلى أن هذا النوع من النظام غير مطبق في أي دولة في العالم، إذ إن الدول التي تتبنى النظام الفيدرالي في العالم تعتمد على المعيار الجغرافي وليس الإثني، موضحاً أن إثيوبيا تعد الدولة الوحيدة التي لجأت إلى التعريف الإثني خلال فترة حكم "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ".

أضاف غيدوان أن هذا النظام أسهم في دخول البلاد بنزاعات أهلية في أكثر من أربعة أقاليم فيدرالية، نظراً إلى أنه يعزز الانتماء الإثني على حساب الانتماء الوطني، وأن ثمة ضرورة ملحة لمراجعة هذه التجربة بعد مرور نحو ثلاثة عقود على إقرارها. وأوضح المحلل السياسي الإثيوبي أن البلاد لم تَجنِ من تلك التجربة سوى مزيد من الحروب الأهلية خلال العقود الثلاثة الماضية، مؤكداً أن من المرجح الحفاظ على الصيغة الفيدرالية للحكم، لكن بمعيار جغرافي وليس إثنياً، مشيراً إلى ان ذلك يتطلب إعادة ترسيم الحدود القائمة، وتعريف الأقاليم الفيدرالية بصورة جديدة، على أن يتم الإبقاء على العاصمة بهويتها الوطنية. ولفت غيداون إلى أن النسيج الوطني الإثيوبي تضرر كثيراً جراء الحروب الأهلية، وأن سن بنود جديدة في الدستور الفيدرالي قد يسهم في إعادة بناء الثقة، مشيراً إلى أن "ثمة اتجاهاً واضحاً لإلغاء المادة 39 من الدستور الساري، والتي تُتيح للأقاليم الفيدرالية بالانفصال عن الدولة"، مشدداً على أن هذا البند يعزز احتمالات التفكك، والذي تم وضعه في فترة استثنائية من التاريخ الإثيوبي، وذلك في أعقاب سيطرة جبهة تيغراي الانفصالية على مقاليد الحكم في أديس أبابا، "كما أن إعادة تعريف النظام الفيدرالي على أسس جغرافية، في حال إقراره في الدستور الجديد، سينهي عوامل النزاع بين القوميات الإثيوبية، ويسهم في إعادة اللحمة الوطنية".

اقرأ المزيد

غياب التمثيل

من جهته رأى المتخصص في الشأن الإثيوبي محاري سلمون أن المؤتمر الذي انطلق أخيراً بأديس أبابا، "يفتقد أهم عوامل الحوار الوطني، سواء من حيث التمثيل، أو من حيث القضايا المطروحة للتباحث"، مشيراً إلى أن معايير اختيار الممثلين غير واضحة تماماً، "واعتمدت في الغالب على معيار الولاء للنظام، إذ إن معظم أعضاء المؤتمر هم من كوادر الحزب الحاكم، وبعض الأعيان الاجتماعيين ورجال الدين المحسوبين في إطار دائرة الحزب الحاكم ذاتها، إضافة إلى بعض الأحزاب السياسية، ورجال الأعمال المرتبطين بمصالح معينة"، مضيفاً "إقليم تيغراي لم يمثل في الحوار على رغم أهميته التاريخية والسياسية فضلاً عن إسهامه المعروف لنحو ثلاثة عقود في السلطة ما يفقد المؤتمر عنوانه الرئيس وهو الصفة الوطنية الشاملة للحوار"، ورأى محاري أنه على "رغم وجاهة الطرح المتعلق بضرورة إجراء حوار وطني شامل لدراسة الأوضاع السياسية الراهنة، بخاصة أن البلاد تشهد نزاعات مسلحة، فإن عدم شموليته، فضلاً عن أجنداته المعلنة يحدان من إمكان توقع الخروج بحلول للأزمات البنيوية التي تعيشها البلاد"، وأوضح "أن مسألة تعديل الدستور الساري قضية جدلية، إذ إن الدستور يشمل آليات تعديله عبر المؤسسات السياسية وليس عبر مؤسسات موازية، تفتقد للشرعية القانونية والسياسية، بخاصة أن كثيرين من الإثيوبيون يرون أن الدستور مكسب ديمقراطي مهم تحقق بفضل تضحيات جسام، وحقق للقوميات الإثيوبية حقوق متكافئة، ومن ثم فإن تعديله ينبغي أن يتم عبر النقاش داخل المؤسسات الدستورية، وليس خارجها، لا سيما في ظل إقصاء وتهميش أقاليم بعينها من التمثيل".

ورأى محاري في حال تعديل الدستور وتغيير شكل النظام السياسي، "فإن ذلك يستوجب الدعوة لانتخابات مبكرة، بخاصة أن السلطة الحالية تم انتخابها وفقاً للدستور الساري، لتمارس مهامها وفقاً للنظم الدستورية الحاكمة، إضافة إلى أن الشرعية والصلاحيات التي يمتلكها النظام الحالي ترتبط ارتباطاً عضوياً بصورة النظام الفيدرالي الإثني، سواء في النظم الانتخابية أو الشكل التمثيلي، ومن ثم لا يمكن تغيير النموذج السياسي وبقاء السلطة بالشرعية ذاتها".

أجندات معدة مسبقاً

ولفت المحلل الإثيوبي إلى أن من يسمون ممثلي الشعب في الحوار الوطني، "كان ينبغي أن يقترحوا الأجندات التي يريدون مناقشتها، لا أن توضع الأجندة لهم مسبقاً من قبل السلطة التنفيذية"، ونفى محاري أن يكون للدستور أي دور في النزاعات الأهلية، مدللاً على ذلك بالتجربة السياسية التي امتدت منذ إقرار الدستور عام 1995 وحتى وصول آبي أحمد للسلطة، مؤكداً أن تلك الفترة شهدت استقراراً كبيراً، وأن الاحتراب الأهلي أتى كنتيجة للسياسات التي اتبعتها حكومة "الازدهار"، سواء في تيغراي أو أمهرة وأوروميا، وليس لأن نموذج الحكم قائم على أسس الفيدرالية الإثنية، وقال إن الاعتماد على البعد الإثني أتى استجابة لواقع إثيوبيا القائم على التعدد الإثني، في حين ظلت الأنظمة السابقة تحكم في ظل تغول آحادي.

وشدد محاري على أن النظام الحالي ومنذ عام 2018، يسعى إلى تركيز السلطة في الجهاز التنفيذي، ويبشر بنظام أكثر مركزية، في محاولة لإعادة إثيوبيا إلى عصر ما قبل النظام الفيدرالي، ما يتعارض مع المكاسب التي حققها الإثيوبيون عبر نضالات طويلة. وختم المحلل السياسي الإثيوبي قائلاً إن مؤتمر الحوار الوطني يفتقد كثيراً من الشروط أهمها الإجماع الوطني حول التمثيل، في غياب المعايير الواضحة لاختيار الممثلين، مضيفاً أن كلمة رئيس الوزراء أثناء الجلسة الافتتاحية تكشف عن أن المؤتمر هو امتداد لاجتماعات الحزب الحاكم، بخاصة أن الكلمة تضمنت قضايا لا تكتسب الإجماع، ولا تخص الأجندة المطروحة، من قبيل اتهام دول الجوار ودول أخرى لم يسمها بمعاداة نظامه، و"من ثم لا أعتقد أن المؤتمر يتمتع برفاهية اتخاذ قرارات حاسمة بعيداً من خيارات الحزب الحاكم".

يمثل الحوار الوطني محاولة لإعادة هيكلة الدولة الإثيوبية بعد عقود من الصراعات الإثنية. لكن نجاحه مرهون بمشاركة جميع الأطراف، ولا سيما إقليم تيغراي الغائب عن الحوار. كما أن التعديلات الدستورية المقترحة قد تواجه مقاومة من القوى الرافضة للتخلي عن الفيدرالية الإثنية.