لا تغييرات «ثورية» في سياسة بريطانيا الخارجية خلال عهد بيرنهام
تبدو شخصية أندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني الجديد، لغزاً للمسؤولين الأوروبيين الذين لم يكن يعرفه كثير منهم...
يشكل أندي بيرنهام، الذي حل محل كير ستارمر في رئاسة الوزراء البريطانية، شخصية غامضة بالنسبة للمسؤولين الأوروبيين الذين لم يسبق لهم التعامل معه، إذ أمضى السنوات الأخيرة رئيساً لبلدية مانشستر الكبرى بعيداً عن الأضواء الدولية. كما أن المناصب الوزارية التي تقلدها سابقاً تعود لأكثر من عقد ونصف، في عهدي بلير وبراون، مما جعل اهتماماته منصبة على الشؤون الداخلية دون أن يطل على العالم الخارجي.
يأتي هذا التغيير في قيادة الحكومة العمالية في وقت حساس تشهد فيه بريطانيا تحولات سياسية متسارعة، حيث تعاقبت الحكومات في السنوات الأخيرة.
وقد لاحظ المراقبون أن خطابه الأول أمام «10 داونينغ ستريت» بعد توليه المنصب ركز على القضايا الداخلية وأولوياته الاجتماعية والاقتصادية، مستلهماً تجربته في مدينته. ولذلك جاءت ردود فعل القادة الأوروبيين متحفظة، بانتظار توضيح توجهاته الخارجية.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماع «مجموعة الـ7» في إيفيان شرق فرنسا يوم 17 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
حسرة أوروبية على ستارمر
إزاء الواقع الجديد، ليس من المستبعد أن «يتحسر» القادة الأوروبيون على رحيل كير ستارمر عن السلطة بعد سنتين من ممارسته إياها؛ ذلك أنه بنى علاقات مستقرة بنظرائه القادة الأوروبيين الرئيسيين، وبمسؤولي «الاتحاد الأوروبي». ومن قبيل الصدف أن قمة أوروبية - بريطانية كان مقرراً التئامها الأربعاء في بروكسل. لكن التطورات السياسية المتسارعة في لندن دفعت «بروكسل» إلى تأجيلها من غير تحديد موعد جديد لها.
وليس سراً أن ستارمر «العمالي» كان يأمل رسم علاقة جديدة بالتكتل الأوروبي بعد 10 سنوات من خروج بريطانيا في إطار ما سُمّي «بريكست». ويحسب لستارمر نجاحه في «تليين» العلاقة بين لندن و«بروكسل» وانفتاحه على التعاون في الخطط العسكرية والدفاعية، وانخراطه إلى جانب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ولاحقاً مع المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في إطلاق «تحالف الراغبين» أي الدول المستعدة لتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا لما بعد وقف إطلاق النار أو التوصل إلى اتفاق سلمي بين موسكو وكييف.
ولأن صورة ستارمر كانت إيجابية للغاية في العواصم الأوروبية، فقد انهالت له كلمات الإطراء والثناء. فالرئيس ماكرون منحه، على هامش «قمة الراغبين» الأخيرة التي عقدت في باريس يوم 13 يوليو (تموز) الحالي وسام «جوقة الشرف» من رتبة «ضابط أكبر». وتوجه له قائلاً: «نحن مدينون لكم بالكثير؛ سيادة رئيس الوزراء». وسبق لميرتس أن أشاد به في برلين، عادّاً أنه «أسهم كثيراً في بناء (حلف شمال أطلسي - ناتو) قويٍ، وفي قيام أوروبا موحدة»، مضيفاً أنه يشعر بـ«شيء من الأسف» لأنه مضطر لمغادرة منصبه.
وفي العامين الأخيرين، أي منذ وصول ستارمر الى «10داونينغ ستريت» وميرتس إلى مقر المستشارية، نجحت باريس ولندن وبرلين، رغم بعض التمايزات الطفيفة، في العمل معاً بشأن ملفات رئيسية: الحرب في أوكرانيا، والبرنامج النووي الإيراني، والحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.
مؤتمر صحافي مشترك لترمب وستارمر يوم 18 سبتمبر 2025 (رويترز)
ماذا في جعبة بيرنهام الدبلوماسية؟
تداولت الأوساط السياسية شائعة عزم بيرنهام تعيين ستارمر وزيراً للخارجية للاستفادة من نجاحاته الدبلوماسية، لكن الزعيم العمالي الجديد نفى ذلك وأسند الحقيبة إلى إد ميليباند، وزير الطاقة السابق. ويرى خبراء أن السياسة الخارجية لبريطانيا ستشهد استمرارية نسبية مع بعض التعديلات الطفيفة.
تشكل العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة، تقليدياً، حجر الزاوية للدبلوماسية البريطانية. ورغم التدهور الذي أصابها منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض؛ بسبب الرسومِ الأميركية، وأطماعِه في السيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وانتقاداتِه تقاعس لندن، وحلفائه «الأطلسيين»، عن الوقوف إلى جانبه في حربه ضد إيران، وتدخلِّه في السياسة البريطانية الداخلية، فإن هذه القاعدة لن تتغير. ولذا؛ فسيتعين على بيرنهام أن يعثر على طريقة مختلفة عن طريقة سلفه في التعامل مع سيد البيت الأبيض الراغب في أن يتيح رئيسُ الحكومة الجديد إمكانيةَ التنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال، والمحافظة على القاعدة العسكرية المشتركة في أرخبيل تشاغوس (المحيط الهندي). وأول اتصال خارجي أجراه بيرنهام كان مع الرئيس الأميركي، وقد سبق له أن انتقد بشدة الوضع الأميركي الداخلي الذي وصفه بـ«القاتم» و«المتشظي». ووفق تصريحات سابقة، فقد عدّ العلاقات بواشنطن «أساسية» لا سيما في مجالَي الدفاع والأمن.
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند يصل إلى «10 دوانينغ ستريت» لحضور الاجتماع الأول لحكومة بيرنهام في لندن الثلاثاء (أ.ب)
علاقات قوية بأوروبا
إذا كان مستقبل العلاقة بين لندن وواشنطن غير واضح، فإن مسارها مع «بروكسل» مرسوم سلفاً، إذا أخذنا في الحسبان أن بيرنهام صوت ضد خروج بلاده من التكتل الأوروبي، وأنه ساعٍ، وفق مقال نشره يوم 9 يونيو (حزيران) الماضي، في صحيفة «التايمز» إلى تقارب أكبر معه في مجالَي الدفاع والدبلوماسية. وقال ما حرفيته: «أريد تعزيز التقدم الذي تحقق في المفاوضات بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ومواصلة هذا التقدم بسرعة». ورغم احترامه إرادة الناخبين البريطانيين بالخروج من «الاتحاد الأوروبي»، فإنه كان أعرب عن أمله في أن تعود بلاده إليه مجدداً «خلال حياته»، مستبعداً، في أي حال، أن تنظر بريطانيا مجدداً في إمكانية الانضمام مجدداً إلى «الاتحاد» المذكور.
وفي المقال نفسه، تعهّد بيرنهام بتوثيق التعاون مع الدول الأوروبية في مجالَي الدفاع والأمن، لا سيما فرنسا وألمانيا، كما التزم تسريع المفاوضات مع «الاتحاد الأوروبي» بشأن عدد من القضايا، من بينها مكافحة الهجرة غير النظامية. كذلك، فإن بيرنهام عازم على مواصلة دعم كييف، وهو ما قاله للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في اتصال هاتفي. وكتب في المقال المذكور؛ المخصص للسياستين الخارجية والدفاعية، أن «دعم المملكة المتحدة أوكرانيا لن يتراجع». كذلك أكد، في المناسبة نفسها، أن «التزام لندن تجاه حلف (الناتو) والردع النووي البريطاني سيظل كاملاً وغير مشروط».
رغم انتماء ستارمر وبيرنهام إلى حزب «العمال»، فإن نظرتيهما إلى الملف الفلسطيني والأوضاع في غزة ليستا واحدة. ذلك أن رئيس الوزراء الجديد يرى أن على لندن «فعل المزيد لممارسة الضغط على الحكومة الإسرائيلية»؛ بسبب الوضع في غزة والضفة الغربية المحتلة.
وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ مغادراً مقر رئاسة الحكومة بعد أول اجتماع الثلاثاء (رويترز)
وضمن مقابلة مع صحيفة «الغارديان» في 9 يوليو (تموز) الحالي، عدّ أن حزب «العمال» في عهد ستارمر «لم يكن على مستوى المسؤولية» عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة، خصوصاً بسبب عدم رغبته في المطالبة فوراً بوقف لإطلاق النار.
وقد شكّل موقف حزب «العمال» من هذا النزاع مصدر خلافات وتوترات داخلية، ودفع ببعض ناخبيه إلى التوجه نحو حزب «الخضر»، الذي يتبنى موقفاً أشد صراحة في دعمه القضية الفلسطينية.
ويرى بيرنهام أنه ينبغي الآن «النظر في فرض عقوبات جديدة» و«اتخاذ إجراءات تهدف إلى حظر التجارة» مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
من المرجح أن يظل ملف الحرب في أوكرانيا والعلاقة مع الولايات المتحدة على رأس أولويات الدبلوماسية البريطانية، خاصة مع استمرار ترمب في البيت الأبيض. وسيكون على بيرنهام إيجاد توازن بين المطالب الداخلية والالتزامات الدولية، في حين يراقب الأوروبيون عن كثب أي تحول في مسار السياسة الخارجية. وفي المحصلة، سيكون أداؤه في الملفات الخارجية اختباراً حقيقياً لخبرته السياسية.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.