باكستان توظف وساطة الحرب لانتزاع مكاسب من واشنطن
ملخص
أعربت السفيرة الباكستانية السابقة لدى واشنطن مليحة لودهي عن تساؤلها حول مدى استمرار التحسن اللافت في العلاقات، قائلة: "لا يمكن الجزم بمدة استمرار هذا التحسن اللافت في العلاقات في ظل ما اتسمت به من تقلبات"، مضيفة: "السؤال المطروح أيضاً: هل سيستمر هذا التحسن بعد انتهاء ولاية دونالد ترمب؟".
تتسم العلاقات الباكستانية الأميركية بتقلبات مستمرة منذ عقود، وتتأثر بالسياقات الإقليمية والدولية.
وفق وثيقة رسمية، تسعى باكستان إلى استثمار المكاسب الدبلوماسية الناتجة عن وساطتها في حرب إيران لتحقيق تعاون أمني أوسع واستثمارات أميركية في قطاع المعادن، وذلك عبر عقد بقيمة 1.2 مليون دولار في واشنطن.
العقد المذكور، الذي يمتد لعامين وبدأ تنفيذه في مايو الماضي، تم إيداعه في قاعدة بيانات رسمية متاحة للجمهور. وتعتبر هذه الفترة حاسمة، بحسب مسؤولين ومتخصصين، لتحويل رصيد حسن النية الذي حصلت عليه باكستان من إدارة ترمب إلى مكاسب ملموسة في العلاقات الثنائية، لكن إسلام آباد قد تواجه تحديات.
وقالت السفيرة الباكستانية السابقة لدى واشنطن مليحة لودهي "لا يمكن الجزم بمدة استمرار هذا التحسن اللافت في العلاقات في ظل ما اتسمت به من تقلبات"، وأضافت "السؤال المطروح أيضاً: هل سيستمر هذا التحسن بعد انتهاء ولاية دونالد ترمب؟".
وينص العقد على تكليف مجموعة "إرفين غريفز ستراتيجي"، ومقرها في مبنى الكابيتول، بالتواصل مع الكونغرس الأميركي والحكومة، وتيسير الاجتماعات بما في ذلك اجتماعات مع مسؤولين من "البنتاغون" ومجلس الأمن القومي.
ويعد هذا العقد امتداداً لاتفاق قصير الأجل أبرم بين السفارة الباكستانية في واشنطن والمجموعة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلا أن الترتيب الجديد يضاعف الدفعة الشهرية إلى 50 ألف دولار. ولم ترد وزارة الخارجية الباكستانية على طلب للتعليق على العقد.
وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن البلدين "يواصلان تحديد مجالات التعاون التي تعود بالنفع على بلدينا في ما يتعلق بالتجارة وبعض الأولويات الأمنية".
وتستعين الحكومات عادة بمؤسسات ضغط لتعزيز حضورها لدى دوائر صنع القرار في واشنطن.
ويتيح أحدث عقد أبرمته باكستان، الذي تم الكشف عنه بموجب القانون الأميركي المتعلق بتسجيل الوكلاء الأجانب، الاطلاع بصورة مباشرة على الأولويات الاستراتيجية لإسلام آباد.
ويضع الاتفاق أطر الجهود لإعادة تفعيل آليات التعاون الدفاعي التي كانت قائمة خلال حرب أفغانستان، وجذب الاستثمارات إلى قطاع المعادن الذي تهيمن عليه الصين حالياً.
وقالت الدبلوماسية الأميركية السابقة في باكستان ورئيسة برنامج جنوب آسيا في مركز "ستيمسون"، إليزابيث ثريلكيلد، إن "العقد يبرز جوانب من العلاقة تتوافق مع أولويات إدارة ترمب، بما في ذلك المعادن الحيوية ومكافحة الإرهاب".
منظور أمني
وأوضحت ثريلكيلد أن النص يظهر أيضاً "اهتماماً بالتواصل مع الكونغرس لتوسيع قاعدة الدعم للشراكة"، ويتضمن توجيهاً لتأكيد "التهديدات الناجمة عن أفغانستان"، و"تشجيع مواصلة الدعم الأميركي لجهود باكستان في مكافحة الإرهاب"، في وقت تشن إسلام آباد ضربات على جارتها رداً على أعمال عنف ينفذها مسلحون.
وتنفي حكومة "طالبان" الأفغانية تورط كابول في أي أعمال عنف مسلحة في باكستان.
وعززت علاقة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، مع ترمب حضور إسلام آباد في علاقة ثنائية كثيراً ما ركزت على البعد الأمني.
ويصف الرئيس الأميركي منير بأنه "قائده الميداني المفضل"، بعد تعارفهما عقب نزاع مع الهند بذل ترمب جهود وساطة لوضع حد له العام الماضي.
اقرأ المزيد- باكستان تتشدد في حملتها لترحيل الأفغان... هدم منازل ونقاط تفتيش
- هل يمكن لباكستان والهند تعلم الحوار قبل الحرب؟
- 9 قتلى باشتباكات في الشطر الباكستاني من كشمير
- خطة باكستانية لتقاسم السلطة في ليبيا
وقال مصدر مطلع إن المساعدة التي قدمتها باكستان في المفاوضات الأميركية – الإيرانية، التي أفضت إلى مذكرة التفاهم في يونيو (حزيران) الماضي، أتاحت فرصة سانحة لذلك.
وأكد مصدر طلب عدم الكشف عن هويته "نسعى إلى أن تتجاوز العلاقات الطابع الشخصي، وأن تصبح مؤسسية بما يكفل استمرارها على رغم تغير الحكومات".
عموماً، شهدت علاقات إسلام آباد مع واشنطن فتوراً منذ انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان عام 2021، بعد حرب استمرت 20 عاماً وشكلت جزءاً كبيراً من طبيعة هذه العلاقة.
وكلفت باكستان مجموعة "إرفين غريفز" بالعمل على "استئناف آليات الحوار الثنائي الرفيعة المستوى المناسبة في مجالي الدفاع والأمن".
وبحسب العقد، قد يتخذ ذلك شكل إعادة تفعيل المجموعة الاستشارية للدفاع، وهي المنتدى الذي دعم التعاون الأميركي - الباكستاني خلال حرب أفغانستان.
وقال الزميل في مركز "اتلانتيك كاونسيل" البحثي ومؤلف كتاب "معركة باكستان: الصداقة الأميركية المريرة والجوار المتوتر"، شجاع نواز إن المجموعة الاستشارية للدفاع "تراجعت تدريجاً مع انخفاض المساعدات الأمنية المقدمة لباكستان".
تذبذب نطاق التعاون
وفي أوج هذه الشراكة، حصلت باكستان على مليارات الدولارات من التمويل الأميركي، بينما اعتمدت عليها واشنطن في تأمين خطوط الإمداد العسكرية والتعاون في مكافحة الإرهاب.
غير أن هذه العلاقة تعرضت لانتكاسة عام 2011، عندما عثرت القوات الأميركية على أسامة بن لادن، العقل المدبر لهجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) التي أودت بقرابة 3 آلاف شخص، خلال عملية مداهمة لمجمع سكني في باكستان.
وقال نواز "اليوم، لا مساعدات أميركية مباشرة جديرة بالذكر".
وصرح مصدر أمني باكستاني لوكالة الصحافة الفرنسية بأن العلاقات الدفاعية مستمرة.
وأضاف المصدر "على رغم تذبذب نطاق التعاون ومستوى كثافته، فإن التعاون الأمني لم ينقطع إلا نادراً"، مشدداً على أن التعاون الاستخباراتي أفضى العام الماضي إلى اعتقال عنصر من تنظيم "داعش" يشتبه في ضلوعه بهجوم مميت على مطار كابول عام 2021.
وثمة قسم من عقد الضغط مخصص لقطاع المعادن، وهو أولوية استراتيجية عالمية لإدارة ترمب، إذ يوجه الشركة إلى "دعم الجهود المبذولة لتحديد فرص التعاون".
ويتعين على مؤسسة "إرفين غريفز" تقديم توصيات في شأن سياسات باكستان واستراتيجياتها في مجال الاستثمار، وتحديد المستثمرين المحتملين، وفقاً لما جاء في العقد.
ومن شأن ذلك أن يعزز اهتمام الولايات المتحدة بقطاع التعدين في إقليم بلوشستان الشاسع جنوب غربي باكستان، الذي يضم أحد أكبر احتياطات النحاس غير المستغلة في العالم، وهو معدن يزداد الطلب عليه في بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
في ديسمبر (كانون الأول) 2025 تعهدت واشنطن تقديم 1.25 مليار دولار لمنجم "ريكو ديك" للنحاس والذهب في بلوشستان.
لكن إقليم بلوشستان، الأقل نمواً في باكستان، يشهد تمرداً انفصالياً متصاعداً استهدف أيضاً استثمارات التعدين الصينية.
ولاحظ نواز أن العلاقات الأميركية - الباكستانية في حاجة إلى معالجة هذه التحديات لتجاوز الاعتماد على الود الذي قد يكون عابراً بين قادة البلدين، وأضاف "على باكستان إصلاح أوضاعها الداخلية بما يعزز اقتصادها ويجعلها وجهة أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية. عندئذ، سيزداد اهتمام الولايات المتحدة بها".
يسلط هذا العقد الضوء على محاولة باكستان تنويع علاقاتها الدولية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الصين. كما يعكس مرونة السياسة الخارجية الباكستانية في استغلال الفرص الدبلوماسية الناشئة. وسيكون استمرار التحسن رهناً بتطور العلاقات تحت إدارة أميركية جديدة.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.