وسائل النقل البدائية تقسو على أجساد النساء في غزة
ملخص
"في كل مرة ترتطم فيها العجلة بحجر، أشعر وكأن عمودي الفقري ينخلع من مكانه"، هكذا تصف غادة الحامل في شهرها السابع معاناتها اليومية أثناء ركوبها مقصورات حديدية صدئة، متسائلة كيف تحول التنقل البسيط لنساء غزة إلى معركة قاسية للبقاء.
منذ اندلاع الحرب في غزة، تعرضت شبكة الطرق ووسائل النقل لدمار هائل، مما أثر على حياة السكان اليومية خاصة النساء.
تتمسك غادة بكل قوتها بحواف حديدية بارزة لمقصورة صدئة تالفة تجرها سيارة محطمة النوافذ والهيكل. تنطلق المركبة بسرعة فوق أنقاض شارع الرشيد الساحلي الذي دمرته العمليات العسكرية في غزة.
تحاول السيدة الحامل في شهرها السابع، بيدها الأخرى حماية بطنها مع كل ارتطام عنيف يحدثه هيكل السيارة والمقصورة المجرورة عندما تمر فوق حفر الشارع، وتختلط قطرات العرق على وجه غادة الشاحب بغبار الطريق المتصاعد الذي غطى ثيابها السوداء، وتكتم أنينها خوفاً من السقوط.
مجبرة غادة على هذه الرحلة الشاقة، فهي في طريقها إلى النقطة الطبية الوحيدة الباقية في منطقتها لإجراء فحص دوري لمتابعة حملها، وما يخفف عنها رحلة عذابها في المواصلات أنه تجلس إلى جانبها في هذه "المقصورة" عشرات النساء اللواتي يعانين ظروفاً مشابهة، ويجمعهن الخوف من فقدان التوازن والسقوط.
وسائل نقل بدائية
قبل الحرب، كانت الرحلة بوسيلة النقل لا تتعدى دقائق معدودة عبر مركبات حديثة وطرق معبدة، لكنها تحولت الآن إلى رحلة عذاب تستمر ساعات طويلة فوق مقصورات حديدية خشنة تجرها سيارات متهالكة تفتقر لأدنى معايير السلامة.
هذه الظروف جعلت كل خروج للمرأة من خيمتها مغامرة تنتهي في الغالب بإصابة، فالأمر لا يتعلق بأزمة المواصلات، بل بالضرر الذي تسببه الطرقات المدمرة المليئة بالركام، وكيف يتأثر الركاب أثناء سير العربات وتنقّلها فوق تلك الشوارع المدمرة.
وظروف النقل الصعبة باتت تشكل أزمة حركية وصحية خطرة تلاحق النساء على وجه الخصوص، فالرحلة فوق طرقات مدمرة من الممكن أن تنتهي بكسور في الحوض أو نزيف حاد أو فقدان للأجنة قبل الوصول إلى المستشفيات.
وامتدت الرحلة الشاقة بغادة فوق المقصورة المجرورة بالسيارة المتهالكة، لساعة كاملة، وهي المسافة التي كانت تقطعها في دقائق معدودة قبل أن تتبدل ملامح قطاع غزة بالكامل.
فقبل اندلاع القتال بين "حماس" وإسرائيل، كان القطاع ينبض بحركة مرورية نشطة يعتمد فيها السكان على أسطول نقل عمومي منظم يضم أكثر من 88 ألف مركبة وحافلة، تتحرك بسلاسة فوق شبكة طرق رئيسة وفرعية يبلغ طولها قرابة 1200 كيلومتر.
سحقت آلة الحرب قطاع النقل في غزة، حيث تشير بيانات وزارة المواصلات إلى تدمير ما يزيد على 70 في المئة من أسطول المركبات في القطاع، وتجريف أكثر من 80 في المئة من الشوارع والطرق العامة.
هذا الدمار الهائل حظر على السيارات الحديثة العمل بصورة طبيعية، بخاصة مع ندرة الديزل وارتفاع ثمنه، مما تسبب في عزل مدن القطاع ومخيماته عن بعضها بعضاً.
ووسط هذه الظروف، وجد سكان غزة أنفسهم مجبرين على ابتكار حلول محلية، إذ ركّبوا مقصورات وصناديق حديدية مكشوفة وصدئة تُربط بحبال وسلاسل خلف سيارات قديمة ومتهالكة لتعمل كحافلات نقل جماعي قسرية تعتمد أحياناً على زيوت الطهي البديلة لتشغيل محركاتها.
عبر منظومة النقل الخطرة، تحركت غادة وجسدها المثقل بالحمل يتلقى صدمات الطريق، وقالت "تدفع النساء الثمن الأكبر من سلامتهن الجسدية لمجرد الانتقال من مكان إلى آخر. أبسط مشوار هو جريمة بحق جسد المرأة الذي لم يعُد يقوى على تحمل مزيد من الصدمات".
![]()
أم فلسطينية تحاول تخفيف آلام رضيعها بالمداعبة (رويترز)
صدمات الحفر
داخل تلك "المقصورة"، تجلس غادة على حافة صلبة خشنة، تمسك بيدها المقبض المعدني الصدئ، بينما تضع يدها الأخرى كدرع واهن فوق بطنها.
في كل مرة تهوي فيها عجلات السيارة أو المقصورة المجرورة في حفرة، يرتج جسدها بالكامل، تصاب بصدمة حادة تنطلق من أسفل المجرورة ثم تخترق الهيكل الحديدي وتستقر مباشرة في أسفل ظهرها.
يقول استشاري أمراض النساء والتوليد في غزة عدنان راضي، "ما يحدث لهؤلاء النساء هو تعريض العمود الفقري لعملية هرس مستمرة، مع غياب أنظمة امتصاص الصدمات داخل هذه المقصورات البدائية المجرورة خلف سيارات متهالكة، تعمل الفقرات القطنية كخط دفاع أول وأخير، الارتجاجات العنيفة تؤدي إلى انزلاقات غضروفية حادة، فتضغط الأقراص بين الفقرات نتيجة الثقل المفاجئ، مما يفسر وصول نساء إلينا وهن عاجزات تماماً عن السير بصورة مستقيمة بعد رحلة مواصلات شاقة".
وهذا الضغط الهائل يزداد خطورة لدى الحوامل مثل غادة، اللواتي يحملن ثقلاً إضافياً يغير مركز ثقل الجسم، مما يجعل الارتجاجات لا تهدد الظهر وحسب، بل تمتد لتصيب الأربطة والحوض برضوض بنيوية عميقة تظهر آثارها فور نزول المرأة من المركبة.
وتضيف غادة أن "المشكلة ليست فقط في الحفر، بل أيضاً في الحديد الصدئ الذي نجلس عليه، المقصورة لا تتحرك بسلاسة، هي تقفز بنا خلف السيارة، في كل مرة ترتطم فيها العجلة بحجر، أشعر وكأن عمودي الفقري ينخلع من مكانه، أصل إلى وجهتي ولا أستطيع فرد ظهري إلا بصعوبة، وأحياناً أضطر إلى البقاء مستلقية لساعات حتى يهدأ الألم في حوضي".
نزيف على الطرقات
مع اقتراب السيارة من منعطف حاد، ارتطمت العجلة الخلفية للمقصورة بكتلة أسمنتية ضخمة، لتهتز المنطقة الحديدية بمن فيها اهتزازاً عنيفاً.
في تلك اللحظة، لم تشعر غادة بصدمة في ظهرها، وشعرت بتقلص حاد مفاجئ في أسفل بطنها جعلها تتشبث بجوانب المقصورة الصدئة بقوة، وهي تهمس ألا يكون هذا الألم بداية النهاية لجنينها الذي طال انتظاره.
يلاحق الحوامل في غزة خوف أثناء التنقل في وسائل المواصلات البدائية، إذ تضطر الآلاف منهن إلى التنقل للوصول إلى مراكز الرعاية الصحية الباقية، وهن يدركن أن وسائل النقل البدائية هذه قد تسرق أرواحهن وأجنتهن.
ويقول مدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش إن "ما تواجهه الحوامل في القطاع هو تهديد مباشر. ففقر الدم وسوء التغذية اللذان يعاني منهما أكثر من 57 في المئة من الحوامل يجعل أجسادهن هشة أمام أية صدمة جسدية. والارتجاجات العنيفة والمتتالية التي تتعرض لها المرأة فوق هذه المقصورات خلف السيارات المتهالكة تزيد من احتمال حدوث انفصال مبكر للمشيمة، مما يؤدي إلى وفاة الجنين فوراً داخل الرحم مسبباً نزيفاً حاداً للأم".
وبسبب رعب المواصلات في الطرق الوعرة، ارتفعت معدلات الإجهاض بصورة صادمة، فسجل شهر واحد فقط نحو 921 حالة إجهاض في القطاع. وتتابع غادة، "في كل مرة كانت السيارة تسحب المقصورة وتهتز بقوة، كنت أشعر بجنيني يتحرك بعنف وكأنه يستغيث، أضع يدي على بطني وأنا أرتجف خوفاً من أي وجع مفاجئ، نحن نعيش رعباً حقيقياً من هذه الطرقات والاهتزازات التي لا تنتهي".
بالأرقام
في وقت كانت غادة تحاول امتصاص صدمات الطريق، كانت أرقام الكارثة تتحدث بوضوح عن استحالة الوصول الآمن، إذ تشير بيانات وزارة المواصلات إلى أنه لا يعمل في غزة سوى عدد ضئيل جداً من السيارات المتهالكة التي جرى تعديلها لتجر خلفها مقصورات حديدية مشوهة.
وبحسب البيانات، فقدت غزة في الحرب 32 ألف سيارة أجرة وشاحنة، وبسبب هذا العجز اضطرت النساء إلى الاعتماد الكلي على وسائل النقل الخطرة.
وتعكس الأرقام أن الرحلات بين المدن باتت تمتد إلى ثلاث ساعات بينما كانت قبل الحرب لا تتجاوز 40 دقيقة في حالات الازدحام المروري. وبالنسبة إلى غادة، هذا يعني بقاء جسدها الحامل تحت وطأة الارتجاجات العنيفة لفترة زمنية كافية طبياً لإحداث تهتك في الأربطة.
وتُعد كسور الحوض وإصابات العمود الفقري الحادة وحالات الإجهاض المفاجئ من أخطر الإصابات الموثقة لدى وزارة الصحة، حيث سجلت التقارير الطبية حالات إجهاض فوري لنساء فقدن أجنتهن داخل المقصورات بسبب الارتجاجات العنيفة.
اقرأ المزيد- نساء غزة يكافحن من أجل أمومة مؤجلة
- إجهاض وتشوهات للأجنة... كابوس نساء غزة المتفاقم
- نساء غزة يعانين من فقدان الفوط الصحية
ويعلق المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات أنيس عرفات أن "المشكلة أكبر من أن تكون أزمة مواصلات، عندما يقضي الإنسان ساعات داخل مقصورة حديدية صدئة تهتز خلف سيارة متهالكة في طريق مدمر بنسبة 80 في المئة، فإن هذا يعني أن المواصلات باتت مسبباً رئيساً للإصابات الجسدية التي تلاحق النساء والفتيات".
الخصوصية مفقودة
مع تزايد أعداد الركاب، بدأت الأجساد تتلاحم داخل المقصورة، لتتلاشى معها الخصوصية والمساحة الشخصية، فانحشرت غادة في زاوية ضيقة، وهي تحاول جاهدة سحب أطراف جلبابها الفضفاض لئلا يعلق بالصفائح المعدنية والبراغي البارزة.
وتوضح "يُعد التكدس الخانق داخل المقصورة وجهاً آخر للمعاناة، وكأن هناك عبئاً نفسياً ثقيلاً وشعوراً دائماً بالانتهاك ينهشاني".
من جانبها تقول الباحثة في الشؤون الجندرية هداية شمعون إن "النساء والفتيات في غزة يعشن حالاً من الانتهاك اليومي الصامت لخصوصيتهن الجسدية والاجتماعية بسبب ظروف التكدس في المواصلات، مما يخلق لديهن شعوراً بالعجز التام عن حماية حدودهن الشخصية، ويولد صدمات نفسية تراكمية تتمثل في القلق المزمن واضطراب كرب ما بعد الصدمة ونوبات الهلع قبل الإقدام على أية رحلة تنقل".
أزمة في المستشفيات
حين وصلت السيارة بمقصورتها أخيراً إلى محيط المجمع الطبي، ترجلت غادة بخطوات مثقلة بالخوف والإنهاك لتجد نفسها وسط مشهد يعج بالصراخ وأسرّة الجرحى المتناثرة في الممرات.
في غزة، لا تنتهي رحلة النقل الوعرة عند أبواب المستشفيات، فداخل الأروقة الطبية يواجه الأطباء ضغطاً مضاعفاً، ففضلاً عن التدفق اليومي لضحايا القصف، بات الأطباء مجبرين على التعامل مع سيل متدفق من إصابات المواصلات.
هذا التدفق خلق أزمة حادة داخل غرف العمليات والطوارئ، حيث تضطر الفرق الطبية بنقص المستلزمات إلى مفاضلة الحالات وترتيب الأولويات، ويقول المتحدث باسم وزارة الصحة خليل الدقران إن "المنظومة الصحية تعيش تحت وطأة استهداف ممنهج وشلل شبه كامل، ومع ذلك نستقبل يومياً أعداداً كبيرة وخطرة من الإصابات، تصل إلينا نساء وفتيات مصابات بكسور في الحوض أو التواءات شديدة بسبب السقوط من المقصورات الحديدية المجرورة". ويضيف أن "هذه الإصابات تستهلك من وقتنا ومعداتنا، مع نقص حاد في وحدات الدم والأدوية الأساسية، فالطرقات المدمرة باتت تصنع لنا ضحايا جدداً يستنزفون ما بقي من رمق في جسد القطاع الصحي المنهك".
بعدما اطمأنت غادة على حملها وعادت لخيمتها، ارتمت على فرشة رقيقة وأخذت تحاول فرد ظهرها الذي تصلب، في هذه اللحظة لا تفكر في نتائج الفحص الطبي الذي ذهبت من أجله، بل ينصب تفكيرها كله على أنها وصلت بجسد كامل وجنين لا يزال ينبض، على رغم كل ما واجهته في الطريق.
تغلق غادة عينيها المنهكتين، وهي تدرك أن عليها تكرار هذه المعاناة بعد أسابيع قليلة.
تعاني النساء في غزة من مخاطر صحية جسيمة بسبب انعدام وسائل النقل الآمنة، إذ تزيد الرحلة على الطرق المدمرة من احتمالات الإجهاض والنزيف والكسور. هذه الأزمة تعكس تداعيات الحرب على البنية التحتية المدنية، حيث دمر أكثر من 70% من أسطول المركبات وجُرف أكثر من 80% من الطرق. مع استمرار القتال، يبقى قطاع النقل مشلولاً، ما يفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة ويحد من قدرتها على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.