فلول «الأسد» و«حزب الله»... لبنان لم يعد آمناً والعودة لسوريا «خيار مطروح»
يبحث ضباط سوريون وعناصر من حزب الله لجأوا إلى لبنان عن خيارات بديلة للاستقرار أو العودة إلى وطنهم، وسط تحولات سياسية متسارعة وتنامي المخاوف الأمنية والمعيشية.
في ظل قلق متزايد وقراءة متشائمة للمشهدين الميداني والسياسي، شرع عسكريون وضباط سابقون من نظام الأسد إلى جانب عناصر سوريين في حزب الله ممن نزحوا نحو لبنان إثر انهيار السلطة، في تقصي بدائل تضمن لهم الاستقرار، في وقت يرى آخرون أن الرجوع إلى سوريا بات خيالا واردا.
تأتي هذه التحولات في ظل إعادة رسم خريطة التحالفات السياسية والأمنية بالمنطقة بعد التغيرات الجذرية التي شهدتها سوريا.
«ننام على سردية التدخل العسكري السوري، ونستيقظ على إمكانية التقارب بين (حزب الله) والدولة السورية. وأياً كان الخيار، فإننا الطرف الخاسر»، بهذه الكلمات يصف هادي، وهو أمني سابق في «حزب الله» يتحدر من ريف حمص الشمالي، وضع السوريين المحسوبين على الحزب في لبنان.
تتنامى هواجس هذه المجموعة بفعل الخطاب التقاربي المتنامي بين دمشق وبيروت، بالتوازي مع غموض مواقف القيادة السورية وقيادة الحزب، مما يغذي مخاوفهم من احتمالية رفع الغطاء عنهم والتضييق على تحركاتهم الأمنية.
دوريات الجيش السوري على طول الحدود السورية اللبنانية في ريف القصير أبريل 2026 وتمشيط الأنفاق التي يستخدمها «حزب الله» (أ.ف.ب)
وتتوجس الفئات السورية الأكثر فقراً والتي كانت تتمتع بحماية الحزب اللبناني من احتمالية استخدامها كأوراق مساومة سياسية مع السلطات في دمشق، الأمر الذي دفع عدداً كبيراً منهم للتفكير في تأمين طرق عودة آمنة للبلاد أو السفر لبلدان أخرى وسط تراجع الدعم وتردي الظروف المعيشية.
وهو ما بدأه هادي، مشيراً إلى أن «غالبية السوريين يستشعرون تراجع حدة النبرة العدائية بمواجهة الدولة السورية الجديدة، وما كان خطاً أحمر في استحسان أي موقف لـ(حكومة الجولاني) صار اليوم طبيعياً طالما أنه لا يمس الطائفة».
هادي طلب من أقاربه الموجودين في سوريا الاستفسار عن وضعه الأمني، وإن كانت هناك مذكرات اعتقال ودعاوى قضائية بحقه قد تعرضه للاعتقال حال عودته بسبب عمله مع الحزب منذ عام 2013 حتى سقوط نظام بشار.
وما زاد من حدة هذه المخاوف التصريحات الإعلامية الأخيرة للأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، والتي ثمن خلالها موقف القيادة السورية المتمثل في النأي بالنفس عن أي تورط عسكري ضد لبنان بجانب إسرائيل.
جاء ذلك بعد تجديد الرئيس السوري أحمد الشرع موقفه الرافض للتدخل ضد «حزب الله»، ودعم لغة الحوار، ليؤكد وزير الخارجية أسعد الشيباني، خلال زيارته إلى بيروت، مطلع شهر يوليو (تموز) الجاري، إمكانية الجلوس مع الحزب «في حال اقتضت المصلحة».
أعلام «حزب الله» في مدينة القصير على الحدود السورية اللبنانية يونيو 2013 (أ.ف.ب)
أما عبد الرزاق الذي انضم إلى القسم الأمني لـ«حزب الله» في منطقة السيدة زينب بريف دمشق، فقد اتخذ خطوته فعلاً بإعادة أسرته إلى سوريا مع بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، فيما لا يزال موقفه متردداً «بانتظار الضوء الأخضر للحاق بهم، أو السفر إلى دولة أخرى».
ويعتبر عبد الرزاق أنه في حال إن كانت صحيفة المرء بيضاء، فإن «العودة إلى سوريا اليوم أفضل بكثير من العيش في حالة الفقر، والخوف الدائم من تسليمنا للدولة اللبنانية بحجة وجودنا غير القانوني، وهذا يعني ترحيلنا، وتقديمنا للمحاكمة في سوريا»، لافتاً إلى أن «كثيرين أجروا تسوية وعادوا لحياتهم الطبيعية».
ومهما كانت النتيجة بحسب عبد الرزاق «تفاهم، أو حرب ودخول القوات السورية كما يتردد، سنكون (كبش الفداء)، خاصة أن معظمنا يعيش هنا دون أوراق رسمية من أي جهة أممية، أو حكومية».
لاجئة سورية في مخيم أقامه «حزب الله» في الهرمل شرق لبنان (إ.ب.أ)
الوطن أكثر أمناً
من جهتها، رفضت زينب، من بلدة الزهراء بريف حلب، انتظار حصول زوجها على تطمينات، لتجبره على العودة فور بداية الحرب الإسرائيلية في لبنان، بسبب الحالة المعيشية الصعبة التي كانوا عليها في الضاحية الجنوبية، مشيرةً إلى الوضع الآمن الذي تشهده حلب، وغياب الأعمال الانتقامية.
كان زوج زينب ضابط هندسة عسكرية في إزالة مخلفات الحرب «لا علاقة له بالقتال، والأعمال العسكرية»، بحسب قولها، «بعد ثبوت عدم مشاركته في القتال مع جيش بشار، أجرى تسوية وضع في حلب دون تعرضه لأي إساءة».
زينب قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها استفسرت مرات عن الوضع الأمني لعدد من أقاربها ومعارفها الموجودين في لبنان، ومنهم والدها الذي عمل «مستخدم نظافة» في أحد مقرات «حزب الله» في السيدة زينب، وهرب بعد سقوط النظام خشية الانتقام.
اعتقال عنصر تابع لخلايا «حزب الله» في منطقة السيدة زينب قرب دمشق (الداخلية السورية)
لا انتقام جماعياً
مصادر في وزارة الداخلية السورية أكدت لـ«الشرق الأوسط» رفض الدولة السورية سياسة الانتقام الجماعي، إذ «لا يمكن إنهاء تداعيات الحرب التي عاشتها البلاد بتحميل الأطفال والنساء جريرة الجرائم التي ارتكبها الكبار».
غير أنها لفتت إلى أن العناصر ممن كانوا في منظومة النظام الأمنية أو العسكرية بحاجة إلى تسوية وضع فور دخولهم البلاد، لافتةً إلى أن «من يثبت تورطه بأذية أحد، أو مشاركته في أعمال أدت إلى إلحاق الأذى بالمدنيين، أو مطلوب لادعاء شخصي، مثل غصب أملاك، وسرقة، وغيرها، يتم توقيفه». مع الإشارة إلى أن «تسوية الوضع المقدمة لا تنفي أو تحمي صاحبها من الادعاءات الشخصية التالية مثل ثبوت تورطه بجرائم ضد المدنيين».
عناصر قوات الدفاع الوطني الموازية لقوات الأسد أحدهم يحمل علم «الحزب السوري القومي الاجتماعي» في بلدة معلولا شمال شرقي دمشق 13 يونيو 2015 (أ.ف.ب)
تركة الأسد
استبعد ضياء، وهو ضابط سابق في الأمن السياسي، أن يقوم «حزب الله» بتسليمه وعناصر آخرين للحكومة السورية، إلا أن الحزب قد يلجأ إلى أساليب أخرى مدفوعاً بحالة التململ في مناطق حاضنته التي تغص بالسوريين، بحسب قوله.
من ذلك، والكلام لضياء «زيادة التضييق، وهذا يحدث بالفعل، إن كان عبر تراجع الدعم الغذائي، أو فرض الرقابة على تحركاتنا كضباط سابقين لم نكن في صفوف الحزب، أو قد يرفع حمايته عنا، وجعلنا هدفاً سهلاً للحملات الأمنية».
وبحسب ضياء، فإن العديد من فلول النظام «ما زالوا يحلمون باستعادة السلطة، وينشطون في المناطق الحدودية مع سوريا، وهي فئة محمية كونها مفيدة للحزب».
أما النسبة الكبرى من الهاربين، خاصة أرباب الأسر فقد صدموا بواقع الحياة في لبنان، لذلك يحاولون البحث عن طرق للعودة الآمنة، أو اللجوء إلى دول أخرى. وينتظر ضياء مثل كثيرين منحه تأشيرة مغادرة إلى إحدى الدول العربية، بينما ينتظر آخرون تجاوب المنظمات الأممية مع طلبات الهجرة إلى الدول الأوروبية، وأستراليا، ونيوزيلندا، باعتبارها الوجهات الأكثر أمناً، واستقراراً.
يتفق الخبير الأمني العميد عماد شحود مع فكرة عدم ثقة «حزب الله» بعناصر النظام البائد، حتى خلال مرحلة وجوده داخل الأراضي السورية، إذ «لم يكن يعتبر ميليشيات وجيش بشار الأسد قوات صديقة، وهو ما كشفته آلية عمله الأمنية والعسكرية هناك».
ومع ذلك، يستبعد العميد عماد شحود تفريط الحزب بالعناصر السورية المقاتلة باعتبارهم عامل ضغط ضد الحكومة السورية على المدى البعيد، وقوة احتياط ضخمة تزيد على 10 آلاف مقاتل يعيشون اليوم في مخيمات خاصة، مثل مخيم خامنئي، غالبيتهم يعارضون السلطة السورية الجديدة لأسباب عقائدية وآيديولوجية، تجعل منهم خط الدفاع الأول، ومحرك فوضى لضرب استقرار دمشق.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
تعكس هذه التطورات عمق التحولات الجيوسياسية في المنطقة وانعكاساتها المباشرة على الأفراد والتشكيلات التي كانت ترتبط بالتحالفات السابقة. ومع تزايد المؤشرات على انفتاح دبلوماسي محتمل بين الأطراف، يبقى مصير المقاتلين والعاملين الأمنيين السابقين رهناً بالتفاهمات السياسية وأطر التسوية القادمة. وتستمر هذه الشريحة في مواجهة تحديات وجودية ومعيشية ضاغطة تفرض عليها إعادة حسابات البقاء أو الرحيل.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.