الشيخ حمد أعطى الإعلام العربي صوتًا
تكريم للأمير الأب الراحل الذي جعلت رؤيته وعزمه قناة الجزيرة ممكنة.
بقلم أحمد الشيخ
أحمد الشيخ هو رئيس التحرير السابق لقناة الجزيرة العربية.
نشر في 14 يوليو 202614 يوليو 2026
كان حمد بن خليفة درعًا للشبكة ولمن عملوا فيها، يكتب أحمد الشيخ [لقطة شاشة/الجزيرة]
صباح إعلان وفاة الأمير الأب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طُلب مني الكتابة عن الجزيرة والرجل الذي جاءت برؤيته إلى الوجود. رحمه الله.
وجدت نفسي غير متأكد من أين أبدأ: بالشيخ حمد، الرجل وراء الفكرة والمشروع، أم بالجزيرة نفسها؟ في الحقيقة، من الصعب الفصل بينهما. كل مشروع يبدأ كفكرة قبل أن تحوله عزيمة من يقفون وراءه إلى واقع. كانت الجزيرة من بنات أفكار الشيخ حمد. بعزمه وإصراره وشجاعته في التمسك بمواقفه وقراراته، أصبحت ما هي عليه اليوم: قوة في عالم الإعلام وحضور لا يمكن تجاهله.
دعني أرجع بالكاميرا 30 سنة أو أكثر.
بصدفة لافتة، في ذلك الصباح بعينه، أعلنت بي بي سي إغلاق خدمتها التلفزيونية العربية، بعد أقل من عامين على انطلاقها. أغلقت أبواب غرفة الأخبار في وجوهنا، وفجأة أصبحنا نبحث عن عمل مرة أخرى. بالنسبة لشخص مثلي، معتاد على البحث عن عمل بعيدًا عن الوطن، لم يكن الموقف نفسه غريبًا، حتى لو كانت الأخبار قد جاءت من العدم.
ثم وصل زميل ومعه خبر أن فريقًا قطريًا في لندن يجري مقابلات مع صحفيين لقناة إخبارية تلفزيونية يعتزم إطلاقها في قطر. القناة، كما قال، ستكون حرة في نقل الأخبار وبث البرامج الحوارية وفقًا لأهميتها، تمامًا كما تفعل كبرى البثوث في الغرب.
هل يمكن حقًا أن يكون مثل هذا الأمر ممكنًا في بلد عربي؟ كان سؤالًا محزنًا أن نضطر لطرحه.
عشت في الكويت 15 عامًا وغادرتها بعد الغزو العراقي. حمل لي الخليج ذكريات كثيرة. وُلد أطفالي هناك. سماع المشروع القطري الجديد أعاد تلك الذكريات جياشة، وقررت، كما فعلت كثيرًا من قبل، أن أتبع حيث قد يأخذني العمل.
أغلقت بي بي سي أبوابها. فتحتها الجزيرة.
في 1 يونيو 1996، هبطت طائرتنا في مطار الدوحة القديم. كان زميلي وصديقي الراحل أحمد الشولي يرتدي بدلة وربطة عنق. عندما فتح باب الطائرة وتدفق الهواء الحار، التفت إلي وقال: 'ليتني سافرت خفيفًا مثلك.'
كانت غرفة الأخبار صغيرة. بجانبها استوديو صغير بنفس القدر، وخلفهما خمس غرف تحرير صغيرة، ومكتبة أشرطة، ومكتب لرئيس التحرير، وآخر أكبر للمدير العام وموظفيه.
كان واضحًا أن فكرة إطلاق القناة كانت تتبلور في ذهن الرجل الذي يقف وراءها منذ فترة. كانت الأسس قد وُضعت بالفعل قبل أن يبدأ في جلب الصحفيين والفنيين والإداريين الذين سيدخلون تلك الغرفة ويضعون مهاراتهم وخبراتهم موضع العمل.
كان واضحًا بنفس القدر أن الذين صمموا وجهزوا المبنى لم يتخيلوا مدى سرعة نمو القناة. في غضون بضع سنوات، سيصبح المبنى صغيرًا جدًا ولن تستطيع مرافقه مواكبة متطلبات التوسع.
ومع ذلك، كان بيتًا دافئًا لنا جميعًا. إن ألفة المكان منحتنا طاقة وعزمًا أكبر بينما شرعنا في بناء قناة يمكنها منافسة تلك التي سبقتها وتغيير توازن الإعلام بين الشمال والجنوب العالميين.
خلال خمسة أشهر من البث التجريبي، نمت الفريق قوة وتماسكًا يومًا بعد يوم. ومع ذلك، تساءلنا جميعًا عما إذا كانت الحرية التي وُعدنا بها حقيقية. تلاشت تلك الشكوك تدريجيًا مع كل نشرة أخبار أكملناها. لم نرَ أي تدخل في المحتوى أو التقارير أو طريقة سرد القصص.
لم يمض وقت طويل حتى أصبح إحباطنا من نوع مختلف. كنا ننتج نشرات تنافس بي بي سي بل وتتفوق عليها، لكن لم يتمكن أي جمهور من مشاهدتها بعد.
في 1 نوفمبر 1996، وجد الإعلام العربي صوته أخيرًا. في أول نشرة أخبار للجزيرة، أعلن الراحل جمال ريان انطلاق القناة إلى العالم.
الرجل الذي وعدنا بالحرية وفى بوعده. لم تكن هناك صورته في النشرة. لم تكن هناك قصة عنه.
لم يصدق الناس في جميع أنحاء العالم العربي أن النشرات الإخبارية والبرامج الحوارية التي يشاهدونها تبث من دولة عربية خليجية. كانوا معتادين على تلفزيون يمدح الحاكم ولا يُسمح له أبدًا بدخول الميدان ليشهد الواقع، أو ينقل هموم الناس بحرية، أو يمنحهم مساحة لرفع أصواتهم فرحًا أو حزنًا ويتحدثوا بصراحة عن أحلامهم ورؤاهم وآرائهم.
الرجل الذي يقف وراء الفكرة والمشروع كان يراقب تقدمها عن كثب. كان يزورنا ويقدم توجيهات عامة وتشجيعًا، وأحيانًا يمزح معنا. لكن الشيخ حمد لم يتدخل أبدًا في تقرير إخباري أو برنامج حواري. ولا المساعدون الذين أوكل إليهم الإشراف على المشروع.
أعطى كلمته وحافظ عليها. عرفنا حينها أن النجاح سيكون حليفنا.
لكن دعوني أحرك الكاميرا إلى الأمام، حتى لا أطيل كثيرًا.
في غضون أشهر، بدأ آخرون يلاحظون وصول قناة جديدة مما يسمونه الجنوب العالمي. بدأوا في نقل تقاريرها لأن الجزيرة ومراسليها كانوا موجودين في أماكن ترددوا هم في دخولها.
صور معاناة الأطفال في فلسطين والعراق وأفغانستان وفي جميع أنحاء الجنوب العالمي، شوهدت حصريًا على الجزيرة. سرعان ما تحول الاعتراف إلى إقرار بأن الجزيرة أخذت زمام المبادرة.
جعل النجاح من الضروري الوصول إلى جماهير أوسع بلغات أخرى. تبعت ذلك قناة الجزيرة الإنجليزية والحضور الشبكي للشبكة، محولة القناة إلى شبكة تخاطب العالم بأسره، شمالاً وجنوبًا.
كان ذلك الاختراق.
لعقود، كانت الأخبار تنتقل في اتجاه واحد. كانت الكاميرات الغربية تلتقطها من خلال عيون غربية وفهم غربي للعالم، غالبًا ما تشكله تحيزات استعمارية وثقافية كانت أحيانًا صريحة وأحيانًا مخفية بين السطور.
المصدر الأصلي: الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.