سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب

سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
بقلم الأستاذ الدكتور محمد أحمد بصنوي
يتناول الكاتب في هذا المقال تحول دور المرأة في ظل العولمة والرأسمالية الغربية.
تاريخ النشر: 20 يوليو 2026 22:31 KSA
AA
حين ننظرُ اليوم إلى المشهد الدوليِّ العاصف بتجلِّياته الثقافيَّة والسياسيَّة، نجد أنفسنا أمام أزمةٍ بنيويَّة حادَّة تتجاوز حدود الجغرافيا، والمنازعات الإقليميَّة؛ لتطال جوهر الإنسانيَّة وقيمها الإستراتيجيَّة، فالرأسماليَّة الغربيَّة في تغوُّلها المعاصر، وإمساكها بزمام العولمة، لم تعد تكتفي بالسيطرة العسكريَّة blob:https://web.whatsapp.com/15a2458c-1c2f-4f98-a44a-dc7b0a3fad38 التقليديَّة، أو احتكار بعض السِّلع والخامات، بل امتدَّت يدها الخفيَّة لتعيد هندسة الوعي البشريِّ، وتجريد الإنسان من خصوصيَّته الروحيَّة، وكان من أبرز ضحايا هذا التغوُّل المادي، الذي تحكمه لُغة الأرقام، ونزعة الربح البحتة، هي «المرأة»، التي تحوَّلت في المنظومة الغربيَّة الحديثة من كينونة إنسانيَّة تحمل فكرًا ورسالةً حضاريَّةً، إلى مجرَّد أداة إنتاجيَّة وسلعة تجاريَّة تُقَاس قيمتها بمدى ما تحقِّقه من عوائد ماليَّة في سوق الترويج والاستهلاك.
لنتأمّل هنا وثائق هذا التحوّل بدقة؛ فالأرقام والتقارير لا تكذب بل تكشف الوجه الحقيقي للاستغلال الذي يصدم الضمير الإنساني. فالتقارير الحقوقية المعاصرة الصادرة في الولايات المتحدة وأوروبا تشير إلى أن صناعة المواد الإباحية، التي تُستغل فيها النساء والفتيات القاصرات بشكل ممنهج، باتت تشكل اقتصادًا موازيًا تحقق فيه الشركات العابرة للقارات أرباحًا فلكية تتجاوز 97 مليار دولار سنويًا عالميًا، وفقًا لصحيفة الجارديان. وفي هذا النموذج الاستهلاكي الفج، يُنزع عن المرأة رداؤها الإنساني والفطري لتُعامل كأداة للمتعة العابرة وجني الأموال السريعة، إذ يُبتذل كيان المرأة ويُؤطّر في قالب جسدي ضيق يخدم ماكينات رأس المال التي لا تشبع. ولا تقتصر هذه المأساة الأخلاقية على الشاشات والصناعات الرقمية، بل تمتد لتصبح جريمة عابرة للحدود تتبدى بوضوح في ظاهرة الاتجار بالبشر؛ فوفقًا لبيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أكثر من 70% من ضحايا هذه التجارة المظلمة حول العالم هن من النساء والفتيات، حيث تقع الغالبية العظمى منهن في حبائل الاستعباد الجنسي القسري داخل الدول الغربية التي تتشدق بالحريات. وهذا الواقع المؤلم يمثل انتكاسة حضارية كبرى وعودة صريحة لأسواق النخاسة القديمة، ولكن بصورة حديثة مغلفة بشعارات الحداثة الزائفة والحرية الشخصية، بينما هي في الجوهر استلاب كامل لإرادة المرأة وكرامتها ومستقبلها.
وفي المقابل، وبتوجه إستراتيجي مغاير تمامًا، تبرز الفلسفة التشريعية في الإسلام لتقدم نموذجًا فريدًا ينتشل المرأة من هذا المستنقع المادي ويعيد صياغة كرامتها الإنسانية. فقد شرّع الإسلام قيم الحشمة والحجاب، لا ليكون قيدًا على حركة المرأة أو إلغاءً لدورها الفاعل في بناء المجتمع، بل كدرع حمائي يقيها من النظرة السلعية التي تختزلها في مظهرها الخارجي. فالإسلام أراد تأكيدًا قاطعًا على أن قيمة المرأة الحقيقية والجوهرية تنبع من رجاحة عقلها وعطائها الفكري وإنسانيتها المصونة، لا من درجة عريها أو مدى مطابقتها لمقاييس السوق السنوية وأهوائه المتغيرة. ومن هذا المنطلق القائم على التكريم والرفعة، حرّم الإسلام قطعيًا كافة وسائل الكسب والمهن التي تقوم على ابتذال جسد المرأة أو استغلال أنوثتها للترويج التجاري، وجعل عرضها خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه في منظومة الأمن الاجتماعي والتشريعي. بل إن العقيدة الإسلامية بلغت ذروة التسامي حين رفعت من شأن الدفاع عن هذا العرض وحفظه، فجعلت الرجل الذي يُقتل في سبيل حماية عرضه وصونه شهيدًا يتبوأ أرفع المنازل. وأخيرًا وليس آخرًا، فإن معركة المرأة الحقيقية اليوم ليست معركة سفور أو حجاب بالمعنى السطحي، بل هي معركة وعي وإرادة ضد ماكينة دولية تسعى لتجريدك من سيادتك الأخلاقية والفكرية، وعليك أن تعي بأن تحررك الحقيقي يصنعه وعيك برسالتك الحضارية، لا الانصياع لمتطلبات منظومة مادية غسلت أيديها من كرامة الإنسان لتملأ خزائنها بابتذال الجسد.
ويخلص المقال إلى أن معركة المرأة الحقيقية اليوم هي معركة وعي وإرادة ضد آلة عالمية تسعى لتجريدها من سيادتها الأخلاقية والفكرية. وتبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي وثقافي يعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية للمرأة، بعيدًا عن النزعة المادية الاستهلاكية. كما يدعو المقال إلى التمسك بالقيم الإسلامية كمنهج لتحرير المرأة الحقيقي ورفع مكانتها في المجتمع.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.