السودان بين قاذفات اللهب وممرات الإغاثة
ملخص
لا يمكن تحقيق هدنة ناجحة دون موقف دولي حاسم تجاه تدفق الأسلحة إلى أطراف النزاع، مما يستدعي فرض عقوبات ذكية وصارمة تستهدف شبكات الشركات والكيانات الاقتصادية العابرة للحدود التي تزود أطراف الصراع بالوقود والسلاح والتكنولوجيا العسكرية، لرفع كلفة استمرار الحرب وجعل الاستجابة للدبلوماسية الخيار الأكثر عقلانية.
تأتي هذه التحركات في ظل استمرار الحرب السودانية التي دخلت عامها الثاني، مخلفة أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
تشهد القاهرة تحركات دبلوماسية مكثفة أجريت في الغالب بعيداً من الأضواء، وتوّجت بلقاء غير معلن بين الفريق أول ركن شمس الدين الكباشي، نائب القائد العام للقوات المسلحة السودانية، ومسعد بولس، المبعوث والمستشار الأميركي المكلف بملفات المنطقة. يأتي هذا التحرك الاستراتيجي في توقيت بلغت فيه الحرب السودانية مرحلة حرجة من الاستعصاء العسكري والانسداد السياسي، إذ تتداخل خطوط المواجهة الميدانية مع تغيرات جوهرية في حسابات التوازنات الإقليمية والدولية.
يعكس هذا اللقاء رغبة الأطراف الدولية في إيجاد مخرج من الكارثة الإنسانية المتفاقمة، بينما تعبّر تحركات القيادة العسكرية السودانية عن استراتيجية قائمة على التحوط والمناورة السياسية بهدف تحسين الشروط الميدانية والتفاوضية للمؤسسة العسكرية، ومنع انهيار سلطة الدولة الوطنية أمام تمدد الفواعل المسلحة غير النظامية.
بينما تمسك القاهرة بدعم شرعية مؤسسات الدولة السودانية ووحدة أراضيها ورفض صعود الميليشيات على حدودها الجنوبية، فإنها تستشعر أيضاً الكلفة الاقتصادية والأمنية الباهظة لحرب استنزاف طويلة تسببت بتدفق ملايين اللاجئين وتفاقم الاضطرابات الإقليمية. لذا، تسعى الدبلوماسية المصرية إلى تسهيل قنوات اتصال مباشرة تضمن التوصل إلى صيغة توازن أمني تحمي الدولة السودانية من الانهيار وتخفف الضغوط الإنسانية والسياسية عن الإقليم.
من الجانب الأميركي، تأتي تحركات المبعوث مسعد بولس مدفوعة برغبة الإدارة الأميركية في تحقيق اختراق ملموس في الملف السوداني، الذي بات يمثل أكبر كارثة نزوح وإنسانية في العالم، إذ إنّ المقاربات الأميركية السابقة، واجهت عوائق هيكلية نتيجة تباين أجندات القوى الإقليمية وتصلُّب المواقف السياسية والعسكرية للطرفين المتحاربين.
وعليه، اعتمدت واشنطن استراتيجية المسارات الخلفية عبر التواصل المباشر مع القيادات العسكرية القادرة على اتخاذ القرار وذات هامش مناورة سياسي أوسع داخل مجلس السيادة السوداني، إذ يُنظر إلى الفريق شمس الدين الكباشي في الدوائر الغربية كشخصية محورية تستطيع قيادة تيار واقعي داخل القوات المسلحة وموازنة الأجنحة الأكثر تشدداً الرافضة للحلول السياسية المرنة.
كذلك يسعى الطرف الأميركي والوسطاء الإقليميون إلى دعم قيادة الجيش السوداني، لفتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة عابرة لخطوط المواجهة، تحديداً في مناطق كردفان، والخرطوم، والجزيرة، مع تقديم ضمانات متبادلة لوقف القصف الجوي والمدفعي الاستراتيجي خلال فترات تدفق المساعدات، والسماح للمنظمات الدولية بالعمل من دون عوائق بيروقراطية أو أمنية. هذه المعادلة تهدف إلى تحويل الملف الإنساني من أداة ضغط عسكري إلى مساحة لبناء الثقة الاستراتيجية بين الأطراف المتحاربة تحت إشراف دولي مباشر.
في المقابل، تتحرّك القوات المسلحة السودانية، التي تواجه تحديات ميدانية وضغوطاً لوجيستية مستمرة في جبهات متعددة، تنظر إلى الهدنة الإنسانية المقترحة من منظور عسكري تكتيكي وسياسي مركب. تهدف قيادة الجيش من خلال التجاوب مع مقترحات بولس إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، منها اختبار حجم التزامات قوات الدعم السريع.
وبطبيعة الحال، توجد تحفظات على المنهج الراهن من جانب القوى المدنية السودانية التي ترى أن إدارة المفاوضات عبر لقاءات سرية أو ثنائية في العواصم الإقليمية بعيداً من القوى المدنية السودانية يكرس لمعادلة شرعنة أمراء الحرب، إذ يعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن أي هدنة إنسانية يجري صياغتها بهذه الطريقة لن تؤدي إلى إنهاء الحرب، بل ستمنح الطرفين المتحاربين اعترافاً دولياً كقوى سلطة أمر واقع، وتثبّت حدود السيطرة الجغرافية الحالية، مما يمهّد الطريق لتقسيم البلاد فعلياً إلى مناطق نفوذ عسكري دائم، ويقصي الخيار الديمقراطي والمدني من مستقبل السودان.
وأياً ما كانت التقديرات الراهنة بشأن تطبيق أي هدنة إنسانية أو وقف لإطلاق النار في البيئة السودانية فإن هذا التوجه يصطدم بطبيعة التهديدات الهجينة وتداخل قطاعات الأمن المركب، التي تجعل من الأدوات التقليدية لحفظ السلام غير ذات جدوى على الأرض، وذلك لعدد من الأسباب منها أن التحكّم في مسارات الإغاثة أداة من أدوات الصراع الجيواقتصادي والعسكري بين الطرفين، إذ تصرّ قيادة القوات المسلحة على أن تمر جميع المساعدات الدولية عبر الموانئ والمطارات الواقعة تحت سيطرتها، مثل ميناء بورتسودان ومطار دنقلا، لضمان خضوعها للتفتيش السيادي ومنع تسرب أي دعم لوجيستي، أو وقود، أو معدات طبية متطورة إلى قوات "الدعم السريع". في المقابل، تسيطر قوات "الدعم السريع" على شبكة الطرق البرية الحيوية في الغرب والوسط والخرطوم، وتمارس عمليات ابتزاز واحتجاز لقوافل الإغاثة، مما يحول المساعدات الإنسانية إلى رهينة للتنافس العسكري وفرض الشروط المتبادلة.
أيضاً، لم تعد الحرب مقصورة على طرفين نظامي وشبه نظامي، بل شهدت الساحة السودانية دخولاً مكثفاً لحركات الكفاح المسلح الإقليمية، مثل حركات دارفور وكردفان، إلى جانب الميليشيات المحلية والمقاومة الشعبية ذات الطابع الإثني والقبلي. هذا التشظي العسكري يعني أن كثيراً من القادة الميدانيين يمتلكون أجندات وحسابات أمنية محلية خاصة، مما يرفع من احتمالية الخروقات العشوائية لأي هدنة معلنة.
بناءً على ذلك يمكن تحديد أربعة سيناريوهات مستقبلية لمسار الجهود الدبلوماسية الراهنة بشأن الهدنة والأزمة السودانية: منها أن ينجح مسار التوصل إلى اتفاق يقضي بفرض هدن موضعية وموقتة مرتبطة بجداول زمنية محددة لفتح ممرات إنسانية محددة (مثل معبر أدري أو مسارات الدبة - الفاشر).
لا يقود هذا السيناريو إلى وقف شامل للحرب أو تسوية سياسية، بل ينتج نظاماً إقليمياً منخفض الاستقرار وعالي السيولة، إذ تستمر العمليات العسكرية وجولات الاستنزاف الميداني في بعض الجبهات، بينما يجري ضبط إيقاع الصراع في جبهات أخرى لمنع السقوط الإنساني الكامل وتأمين الحد الأدنى من تدفقات المساعدات.
أمّا إذا فشل ذلك المسار بسبب إقدام قوات "الدعم السريع" على تنفيذ خروقات ميدانية كبرى واستراتيجية (مثل محاولة اجتياح ولايات جديدة في شرق أو شمال السودان) لفرض واقع جغرافي جديد قبل نضوج الاتفاق فإن هذا يقود إلى طيّ صفحة الجهود الدبلوماسية الحالية، والعودة إلى مربع المواجهة العسكرية الصفرية ومؤشرات هذا السيناريو ماثلة في تصاعد خطاب الحسم العسكري في وسائل الإعلام، وتزايد تدفقات الدعم العسكري الخارجي للطرفين، مما يشجّع على تبني خيارات الحسم الميداني.
وهكذا، تكون السيناريوهات المطروحة هي أن تتبنى الولايات المتحدة والقوى الدولية خيار التدخل القسري نتيجة تفاقم المجاعة وانسداد قنوات التفاوض الثنائية. ويتضمن هذا السيناريو تجاوز موافقة الأطراف المتحاربة وفرض ممرات إنسانية بقوة القانون الدولي تحت مظلة مجلس الأمن، أو عبر تحالفات دولية مصغرة تقوم بتأمين المطارات والمعابر برادارات ومنظومات حماية دولية لحماية قوافل الإغاثة.
وأياً ما كانت المسارات المرتقبة فإنه لا يجب أن تعتمد الهدن الإنسانية على سلوك قوات الدعم السريع، بل يتعين صياغة ملحق تقني صارم يتضمن نشر منظومات استطلاع رقمية، واستخدام الطائرات المسيّرة لمراقبة الممرات الإنسانية، وتفعيل لجان مشتركة تعمل من غرف عمليات مركزية خارج السودان لرصد أي تحركات عسكرية أو خروقات ميدانية فوراً، وتحديد الطرف المسؤول عنها دولياً.
كذلك لا يمكن صياغة هدنة ناجحة من دون موقف دولي حاسم من تدفقات الأسلحة على قوات الدعم السريع، ويتطلب ذلك فرض عقوبات ذكية وصارمة تستهدف شبكات الشركات والكيانات الاقتصادية العابرة للحدود التي تمد أطراف الصراع بالوقود، السلاح، والتكنولوجيا العسكرية (مثل قطع غيار المسيرات)، مما يرفع كلفة الاستمرار في خيار الحرب ويجعل التجاوب مع الدبلوماسية الخيار العقلاني. أيضاً يتعين دمج الإدارات الأهلية، والقيادات القبلية، ومنظمات المجتمع المدني المحلية في آليات التوزيع وحماية قوافل الإغاثة في مناطق العبور، مما يخلق شبكة أمان مجتمعية ترفع من كلفة اعتداء الميليشيات أو المجموعات المسلحة المنفلتة على المساعدات الإنسانية.
إجمالاً، يبدو أن نجاح تفاهمات الكباشي وبولس مرهون بالانتقال من عقلية المناورة التكتيكية والتحوط الموقت إلى مربع الالتزامات المؤسسية الصارمة المدعومة بآليات رقابة دولية وإقليمية فاعلة. وفي غياب هذه المقاربة الواقعية، ستبقى أي اتفاقيات للهدنة مجرد تفاهمات هشّة على ورق، عاجزة عن الصمود أمام قاذفات اللهب وحسابات القوة الصلبة التي ما زالت تحكم مسارح العمليات على الأرض السودانية المحترقة.
تظهر المعطيات أن أي هدنة إنسانية ستظل رهينة للإرادة السياسية للطرفين وإرادة المجتمع الدولي في الضغط على الموردين الرئيسيين للسلاح. كما أن نجاح المساعي الدبلوماسية يتطلب تنسيقاً إقليماًياً أوسع يضم دول الجوار والفاعلين الدوليين لضمان تنفيذ أي اتفاق على الأرض. في المحصلة، يظل الملف السوداني اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على التعامل مع الحروب الهجينة وسبل إنهائها.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.