تصريحات السفير الفرنسي بالجزائر حول التأشيرات تشعل نقاشاً سياسياً محتدماً في باريس
أثارت تصريحات السفير الفرنسي في الجزائر بشأن أعداد التأشيرات موجة انتقادات حادة من اليمين واليمين المتطرف، مما دفع الرئاسة والحكومة للتدخل وتصحيح الموقف.
عاد السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى العاصمة الجزائرية في الثامن من مايو (أيار) الماضي، بعد مرور أكثر من عام على مغادرته إياها إثر أزمة دبلوماسية ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية. وجاءت هذه العودة تتويجاً لمساعٍ مضنية بذلها الجانبان لتجاوز توترات جذرية انطلقت شرارتها الأولى من رسالة وجهها الرئيس إيمانويل ماكرون في صيف 2024 إلى ملك المغرب بمناسبة عيده الوطني، أكد فيها أن مستقبل الصحراء الغربية يندرج في إطار السيادة المغربية، وهو ما مثّل خروجاً عن موقف باريس التقليدي تجاه هذا النزاع العريق.
تأتي هذه التطورات في سياق تشابك معقد يجمع بين المصالح الدبلوماسية وملفات الهجرة والأمن عبر ضفتي البحر المتوسط.

وخلال عامين، بقيت العلاقة بين البلدين «جليدية» إلى أن تحسّنت في الفترة الأخيرة بعد سلسلة من الزيارات الرسمية، التي تُوجت أخيراً بعودة السفير روماتيه إلى ممارسة مهامه، بينما بقي منصب السفير الجزائري في باريس شاغراً حتى اليوم.
غير أن صفحة التقارب الحديثة لم تستمر طويلاً، إذ أدت تصريحات أدلى بها روماتيه لمنصة «كل شيء عن الجزائر» إلى اشتعال فتيل أزمة مستجدة داخل الأراضي الفرنسية، بالتزامن مع انشغال الجزائر بمواجهة موجة الحرائق. وقد تطرق الدبلوماسي إلى ملف بالغ الحساسية يتعلق بأعداد التأشيرات السنوية التي تمنحها فرنسا للمواطنين الجزائريين، مبيناً مساعي بلاده لعودة حجم التأشيرات الممنوحة إلى مساره التصاعدي ومستواه السابق المتمثل في 250 ألف تأشيرة سنوياً.

وذهب روماتيه، وهو سفير يتمتع بخبرات دبلوماسية واسعة ويعي «حساسية» ملف الهجرات، إلى القول: «عدت إلى الجزائر بتكليف ورغبة من الرئيس ماكرون لوضع العلاقات (الثنائية) على السكة (الصحيحة)، وهو ما أكده لي الرئيس (الجزائري) عبد المجيد تبون». ومهمته إعادة إطلاق التعاون بين الجانبين في مجالات الأمن والقضاء ومسائل الهجرات»، ومن ضمنها ملف التأشيرات.
ثمة أمر مثير للعجب أن روماتيه لم يكن يتوقع أن يثير كلامه موجة من الاحتجاجات داخل فرنسا، وتحديداً في أوساط اليمين واليمين المتطرف. كما أنها أوقعت رئاسة الجمهورية والحكومة في ورطة. فبرونو روتايو، وزير الداخلية السابق ورئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي ومرشحه لرئاسة الجمهورية، كتب على منصة «إكس»، قائلاً: «كم هو مؤسف أن نرى دبلوماسيتنا تُجبر على خفض رأسها بسبب التنازلات، التي قدّمها رئيس الجمهورية أمام النظام الجزائري».

من جانبه، أعرب جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، عن أسفه قائلاً: «يعلن السفير الفرنسي في الجزائر أن بلادنا ترغب في منح 250 ألف تأشيرة سنوياً للمواطنين الجزائريين، رغم الاستفزازات واحتجاز صحافي فرنسي... نحن نرفض رفضاً قاطعاً هذا الاستسلام الذي تُبديه الماكرونية أمام النظام الجزائري».
كما عبرت النائبة الأوروبية ماريون ماريشال، المنتمية إلى اليمين المتطرف، عن رفضها لهذا التوجه، مستندة إلى سلسلة من الأرقام: «واحد من كل مهاجرين جزائريين يعيش في مسكن اجتماعي، واثنان من كل ثلاثة مهاجرين لا يعملان، ويشكل الجزائريون أكبر جنسية أجنبية موجودة في السجون الفرنسية، كما أن نحو واحد من كل أربعة مهاجرين غير شرعيين يتم توقيفهم هو جزائري، في حين يُرفض ما يقارب 65 في المائة من طلبات ترحيل الجزائريين». أما زميلتها النائبة الأوروبية ساره كنافو فقد أكدت أن الجزائر «تكلف فرنسا أصلاً نحو 9 مليارات يورو».
وأمام هذا التصعيد، تعذر على السلطات التنفيذية والحكومية في فرنسا التزام الصمت؛ حيث بادر وزير الداخلية، الذي تقع صلاحيات إصدار التأشيرات ضمن نطاق مهامه، إلى دحض تصريحات السفير روماتيه فور انتهاء اجتماع مجلس الوزراء يوم الأربعاء، مؤكداً أنه شارك في المباحثات مع الجانب الجزائري ولم يتم التطرق إلى هذا الأمر نهائياً.

والأهم من ذلك ما نقلته الناطقة باسم الحكومة الوزيرة مود بريجون عن الرئيس ماكرون الذي بدا حريصاً على توضيح وتصحيح ما قاله روماتيه. ووفق الوزيرة، فإن ماكرون قال: «لقد شرعت فرنسا في عمل جاد ومكثف بشأن قضايا وملفات رئيسية مع الجزائر. ومع ذلك، لا يوجد أي هدف رقمي محدد فيما يتعلق بالتأشيرات، ولا يوجد أي تساهل من جانب فرنسا في هذا الملف».
وأردفت الوزيرة المذكورة قائلة: «منذ انتخابه عام 2017، اتخذ الرئيس ماكرون قراراً بخفض هذه الأرقام حتى تتوافق، من جهة، مع احتياجات فرنسا، ومن جهة أخرى، مع الحقائق الجيوسياسية»، مذكّرةً بأن فرنسا كانت تمنح آنذاك نحو 500 ألف تأشيرة سنوياً. ومعنى الكلام الرئاسي أن باريس لا تقرر اعتباطياً ومسبقاً أعداد الجزائريين الذين سيمنحون تأشيرات، بل إن كل طلب يتعين أن يدرس على حدة.
وليس من المؤكد أن كلام ماكرون سيطفئ الجدل المثار، ذلك أن فرنسا دخلت منذ اليوم في أجواء الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى ربيع العام المقبل. ولذا، فإن أي ذريعة يمكن أن تتحول إلى حجة انتخابية، بينما تخوض مارين لوبن، مرشحة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، من موقع قوة وفق ما تظهره، حتى اليوم، جميع استطلاعات الرأي.

ولا شك أن مطبات أخرى يمكن أن تطرأ على علاقات باريس بالجزائر، وأحد مسبباتها ما تسعى إليه فرنسا راهناً لإبرام معاهدة صداقة استثنائية وغير مسبوقة مع الغرب، وهي تأمل بالتوقيع عليها ربما خلال زيارة دولة يقوم بها العاهل المغربي محمد السادس إلى فرنسا قبل نهاية عهد ماكرون.
يؤكد هذا السجال السياسي الحاد مدى حساسية العلاقات الفرنسية الجزائرية ومدى تأثرها بأي تصريحات تتعلق بملفات السيادة والهجرة. وتنعكس هذه التجاذبات بوضوح على المشهد السياسي الفرنسي الداخلي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وصعود تيارات اليمين واليمين المتطرف. وسيبقى المراقبون يترقبون مدى قدرة البلدين على طي صفحة الخلافات والحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة في المجالات الاقتصادية والأمنية. كما يبرز هذا الملف التحديات المستمرة التي تواجه صانع القرار الفرنسي في الموازنة بين المصالح الدبلوماسية والضغوط السياسية الداخلية.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.