في خطوة هي الأبرز منذ اندلاع الحرب، أقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي القائد العام للجيش أولكسندر سيرسكي وعين اللواء ميخايلو دراباتي مكانه، سعياً لاحتواء أزمة سياسية داخلية متصاعدة وتحفيز الجهود القتالية ضد روسيا.

يأتي هذا التغيير في وقت تشهد فيه أوكرانيا تحديات متزايدة في ساحة المعركة وتحت ضغوط داخلية متصاعدة.

وكانت التغييرات قد جاءت بعد تصاعد الانتقادات للخلاف بين وزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف وسيرسكي، وهو ما اعتبره مراقبون صراعاً بين تيار التحديث والتيار التقليدي. وكلف زيلينسكي القيادة الجديدة بوضع استراتيجية دفاعية محدثة تركز على إصلاح الهيكل العسكري وتعزيز الدفاعات الجوية وتسريع تدفق الأسلحة والطائرات المسيرة، إلى جانب وضع خطة أوضح للتعبئة.

قائد القوات البرية الأوكرانية حينها ميخايلو دراباتي يتحدث إلى الصحافيين في مكان غير معلوم بمنطقة دونيتسك بأوكرانيا 6 يناير 2025 وسط الغزو الروسي للبلاد (أ.ف.ب)
قائد القوات البرية الأوكرانية حينها ميخايلو دراباتي يتحدث إلى الصحافيين في مكان غير معلوم بمنطقة دونيتسك بأوكرانيا 6 يناير 2025 وسط الغزو الروسي للبلاد (أ.ف.ب)

صراع بين مدرستين عسكريتين

ويعكس هذا التغيير، بحسب تحليل صحيفة لوفيغارو، صراعاً بين رؤيتين لإدارة الحرب؛ حيث يدعو معسكر التحديث بقيادة فيدوروف إلى استعادة المبادرة عبر الابتكار العسكري وتوسيع استخدام المسيرات وزيادة الضربات داخل الأراضي الروسية.

في المقابل، يميل التيار التقليدي، الذي ارتبط باسم سيرسكي، إلى التركيز على احتواء التقدّم الروسي وإدارة الحرب بمنهج أكثر تحفظاً، وهو ما أثار انتقادات من جنود وضباط اتهموه بالاعتماد على أساليب متأثرة بالإرث العسكري السوفياتي، وتقديم الولاء على الكفاءة.

وتشير الصحيفة إلى أن زيلينسكي حاول في البداية احتواء الأزمة عبر عرض منصب حكومي جديد على فيدوروف لتنسيق قطاع الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، لكن ذلك لم ينهِ الاحتجاجات التي طالبت بإعادته إلى وزارة الدفاع.

قائد القوات المسلحة الأوكرانية حينها أولكسندر سيرسكي (يسار) يحضر اجتماعاً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي 10 فبراير 2024 (رويترز)
قائد القوات المسلحة الأوكرانية حينها أولكسندر سيرسكي (يسار) يحضر اجتماعاً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي 10 فبراير 2024 (رويترز)

محاولة لاحتواء الاحتجاجات

وشهدت كييف ومدن أوكرانية أخرى مظاهرات شارك فيها مدنيون وعسكريون ومحاربون سابقون، مطالبين بإصلاح المؤسسة العسكرية وزيادة الشفافية، فيما لوّح منظمو الاحتجاجات بتوسيع التحركات إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم.

ويرى محللون أوكرانيون أن زيلينسكي سعى، من خلال إقالة سيرسكي، إلى تهدئة الشارع من دون الظهور بمظهر من يخضع بالكامل لضغوط المحتجين، خصوصاً أن إعادة فيدوروف إلى منصبه قد تمنحه نفوذاً سياسياً كبيراً داخل مؤسسات الدولة.

أوكرانيون تجمّعوا للتنديد بقرار الرئيس فولوديمير زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف بعد ستة أشهر من توليه المنصب بالعاصمة الأوكرانية كييف 19 يوليو 2026 (أ.ب)
أوكرانيون تجمّعوا للتنديد بقرار الرئيس فولوديمير زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف بعد ستة أشهر من توليه المنصب بالعاصمة الأوكرانية كييف 19 يوليو 2026 (أ.ب)

قيادة جديدة ورهان على الابتكار

ويُعد دراباتي، البالغ 43 عاماً، من أبرز قادة الجيل الجديد في الجيش الأوكراني، واشتهر منذ عام 2014 خلال المواجهات الأولى مع القوات الروسية بعد ضم موسكو لشبه جزيرة القرم. كما سبق له أن دعا علناً إلى معالجة أخطاء المؤسسة العسكرية وعدم التزام الصمت تجاه الإخفاقات.

ورحّب فيدوروف بتعيين دراباتي، عادّاً أنه يمثل «أملاً جديداً» في معركة أوكرانيا، بينما أكّد سيرسكي، في أول تعليق بعد إقالته، أن الجيش الأوكراني استعاد هذا العام 743 كيلومتراً مربعاً من الأراضي التي كانت تسيطر عليها روسيا، وأنه يسلّم خلفه جيشاً لا يكتفي بالدفاع بل يواصل تنفيذ عمليات هجومية، وهو ادعاء لم يتسنَّ التحقق منه بصورة مستقلة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

حريق في موقع غارة جوية روسية على زابوريجيا وسط الغزو الروسي لأوكرانيا... 21 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
حريق في موقع غارة جوية روسية على زابوريجيا وسط الغزو الروسي لأوكرانيا... 21 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

موسكو: التغييرات لن تبدّل مسار الحرب

في المقابل، قلّلت موسكو من أهمية التغييرات في كييف، مؤكدة أنها لن تؤثر في مسار العمليات العسكرية. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن القيادة الروسية متمسكة بشروطها السابقة لإنهاء الحرب، التي تشمل انسحاب القوات الأوكرانية من المناطق الأربع التي أعلنت روسيا ضمّها، وتخلي كييف عن مساعيها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتقليص حجم جيشها.

وتزامنت التغييرات السياسية مع استمرار الهجمات المتبادلة بعيدة المدى، إذ أعلنت أوكرانيا استهداف مستودعات تابعة لشركة «وايلدبيريز» الروسية، بينما واصلت روسيا شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي الأوكرانية، مما أسفر عن مقتل امرأة في منطقة أوديسا.

اقرأ أيضاً

ويرى مراقبون أن هذه التغييرات قد تساهم في تحسين الروح المعنوية على الجبهة إذا ما رافقها تقدم فعلي. في المقابل، تظل موسكو متشككة في تأثير هذه التغييرات وتتمسك بشروطها المعلنة للحوار. كما أن قدرة دراباتي على توحيد صفوف الجيش وتحقيق اختراقات ميدانية ستختبر خلال الأسابيع المقبلة. وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار المساعدات الغربية لأوكرانيا ودعوات إلى تعزيز الشفافية والمساءلة داخل المؤسسة العسكرية.