طفرة الذكاء الاصطناعي تضع كوريا الجنوبية أمام اختبار الاستقرار المالي
تدخل كوريا الجنوبية مرحلة جديدة من إدارة اقتصادها، بعدما تحول طفرة صناعة الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي من محرك للنمو إلى مصدر لمخاطر مالية كبيرة.
تجد كوريا الجنوبية نفسها أمام تحدٍ اقتصادي هيكلي، حيث تحولت الطفرة النوعية في قطاع الرقائق والذكاء الاصطناعي من قاطرة للنمو إلى مصدر لتهديدات مالية، مما دفع البنك المركزي والجهات التنظيمية والحكومة إلى التحرك بشكل منسق. وقد تجسد هذا الحراك في رفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات ونصف، وفرض ضوابط رقابية على صناديق المؤشرات ذات الرافعة المالية، تزامناً مع مشاورات رفيعة المستوى لمجلس الأمن القومي بشأن تداعيات الربط بين المصالح التجارية والجيوسياسية مع الولايات المتحدة.
يأتي هذا التحرك النقدي والتنظيمي في وقت تعاني فيه الاقتصادات الآسيوية المتقدمة من ضغوط تضخمية متباينة، وتزايد اعتماد أسواق المال على الابتكارات التقنية المتسارعة.
أول زيادة للفائدة منذ ثلاثة أعوام ونصف
رفع بنك كوريا سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.75 في المائة، في أول زيادة منذ يناير (كانون الثاني) 2023، مشيراً إلى أن دورة التشديد النقدي قد لا تكون انتهت بعد. وأوضح البنك أن الاقتصاد الكوري ينمو بوتيرة تفوق توقعاته السابقة، مدفوعاً بالطلب العالمي القوي على الرقائق الإلكترونية المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، متوقعاً أن يتجاوز النمو تقديراته الصادرة في مايو (أيار) والبالغة 2.6 في المائة.

وقال محافظ البنك المركزي، شين هيون سونغ، إن قرار رفع الفائدة استند إلى تحسن مؤشرات النمو والتضخم والاستقرار المالي في آن واحد، مضيفاً أن الضغوط التضخمية المحلية مرشحة للارتفاع تدريجياً مع انتقال آثار طفرة أشباه الموصلات إلى الطلب المحلي.
كما أشار إلى أن البنك سيراقب من كثب بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني وأرقام التضخم لشهر يوليو (تموز) قبل اتخاذ أي قرار جديد، في إشارة فسرها محللون على أنها تمهد لزيادة أخرى قبل نهاية العام.
وتوقع معظم الاقتصاديين أن يرتفع سعر الفائدة إلى 3 في المائة قبل نهاية 2026، مع إمكانية بلوغه 3.25 في المائة خلال الربع الأول من 2027.
طفرة الرقائق تتحول إلى مصدر للتقلبات
على الرغم من الأداء القوي للاقتصاد الكوري، واجهت البورصة موجات بيع مكثفة، لا سيما أسهم عمالقة الرقائق الإلكترونية «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كي هاينكس»، الأمر الذي ألقى بظلاله السلبية على أداء مؤشر «كوسبي» بالنظر إلى الثقل النوعي لهاتين الشركتين في تكوينه.
ويرى محللون أن التقلبات لم تعد مرتبطة فقط بأداء الشركات، بل أصبحت مدفوعة أيضاً بالنمو السريع لصناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية، التي تضاعف مكاسب المستثمرين وخسائرهم باستخدام المشتقات المالية.

لماذا تثير صناديق الرافعة المالية القلق؟
تعمل صناديق المؤشرات ذات الرافعة المالية على مضاعفة الأداء اليومي للسهم أو المؤشر باستخدام عقود مستقبلية ومشتقات مالية، وغالباً ما تستهدف تحقيق ضعفي أو ثلاثة أضعاف حركة السعر. وعندما ترتفع الأسهم، تضطر هذه الصناديق إلى شراء المزيد من الأسهم للحفاظ على مستوى الرافعة، وعندما تنخفض تضطر إلى البيع، وهو ما يخلق حلقة تغذي التقلبات في الاتجاهين.
وتزايدت أهمية هذه الصناديق منذ إطلاقها في كوريا الجنوبية خلال مايو (أيار)، بالتزامن مع الطفرة الكبيرة في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.كما ساهم إدراج منتجات مماثلة في هونغ كونغ والولايات المتحدة في زيادة التدفقات الاستثمارية إلى أسهم الشركات الكورية، الأمر الذي ضاعف من حدة التقلبات اليومية.
إجراءات رقابية جديدة
استجابةً لهذه التطورات، كشفت لجنة الخدمات المالية الكورية عن مجموعة من التدابير الرقابية الرامية إلى كبح المخاطر المحتملة وتعزيز مستويات الحماية للمستثمرين في السوق.
وتضمنت الإجراءات رفع الحد الأدنى للإيداع المطلوب للاستثمار في هذه الصناديق من 10 ملايين وون إلى 30 مليون وون، وزيادة الحد الأدنى لوحدة التداول من سهم واحد إلى 20 سهماً، وإلزام المستثمرين الأفراد باجتياز برامج إضافية للتوعية بالمخاطر، ومطالبة شركات الوساطة بالامتناع عن إطلاق صناديق جديدة أو تنظيم حملات ترويجية لها.
وأكدت اللجنة أن هذه الإجراءات تستهدف الحد من التقلبات المفرطة وتحسين استقرار السوق، مع ترك الباب مفتوحاً لاتخاذ تدابير إضافية إذا استدعت الظروف.

الاقتصاد والجيوسياسة... ارتباط متزايد
وفي مؤشر على اتساع التحديات التي تواجه سيول، عقد مجلس الأمن القومي الكوري اجتماعاً ضم مسؤولين اقتصاديين ودبلوماسيين لبحث العلاقات التجارية والأمنية مع الولايات المتحدة.
وأكد مستشار الأمن القومي وي سونغ لاك أن قضايا التجارة والأمن أصبحت أكثر ترابطاً في العلاقات مع واشنطن، داعياً الوزارات المختلفة إلى تنسيق مواقفها في مواجهة حالة عدم اليقين الخارجية.
وجاء الاجتماع بعد عودة السفيرة الكورية لدى الولايات المتحدة إلى سيول لإجراء مشاورات بشأن عدد من الملفات التجارية، من بينها قضايا تتعلق بالتجارة الإلكترونية والعلاقات الاقتصادية الثنائية.
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن كوريا الجنوبية تواجه تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة، تمنحها طفرة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات واحداً من أقوى محركات النمو بين الاقتصادات الآسيوية، ومن جهة أخرى، تؤدي هذه الطفرة نفسها إلى ارتفاع الضغوط التضخمية، وزيادة تقلبات الأسواق المالية، وفرض تحديات جديدة أمام صناع السياسات. وبينما يتحرك البنك المركزي لتشديد السياسة النقدية، وتسارع الجهات التنظيمية إلى احتواء المخاطر في الأسواق، تبدو سيول مطالبة أيضاً بإدارة توازن دقيق بين الحفاظ على زخم النمو وحماية الاستقرار المالي، في وقت تتزايد فيه تأثيرات التوترات الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضاً
تؤكد هذه التحركات حرص سيؤول على الموازنة بين دعم طموحاتها في قيادة قطاع التكنولوجيا العالمي وبين ضمان سلامة نظامها المالي. وسيكون على المستثمرين مراقبة تقارير التضخم القادمة وقرارات السياسة النقدية، حيث يمثل التفاعل بين الابتكار التقني وتقلبات الأسواق تحدياً طويل الأمد للاستقرار الاقتصادي الكوري.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.