على الرغم من بلوغ الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر مستويات غير مسبوقة، يظل محمد سعيد، الموظف في إحدى شركات القطاع الخاص بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، حائراً إزاء انعكاس هذا التطور على معيشته، في ظل استمرار الغلاء في أسعار بعض السلع والخدمات.

ويأتي هذا الارتفاع القياسي في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري ضغوطاً تضخمية وتحديات في سوق الصرف.

ويضيف الموظف البالغ من العمر 50 عاماً، الذي يعول ثلاثة أطفال، أن الأسواق تشهد تفاوتاً في الأسعار، لكنه لم يجد أثراً ملموساً على نفقاته الشهرية، لا سيما مع تخصيص جزء كبير من ميزانية الأسرة لتعليم أبنائه، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الخدمات الأساسية كالوقود والكهرباء.

وفي مؤتمر صحافي عقده الأربعاء، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، أن احتياطي النقد الأجنبي لمصر ارتفع إلى أكثر من 55 مليار دولار لأول مرة في تاريخ البلاد، مؤكداً أن هذا التطور «يعكس قوة مؤشرات الاقتصاد المصري، واستمرار تحسن الأداء المالي».

وبحسب أرقام البنك المركزي المصري، ارتفع الاحتياطي النقدي إلى 55.07 مليار دولار مسجلاً زيادة نسبتها 3.64% عن مايو الماضي الذي بلغ فيه 53.13 مليار دولار، وهو أعلى مستوى خلال عامين.

وقال عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب (البرلمان)، رضا عبد السلام، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأرقام التي «حققها البنك المركزي تدعم قدرة البلاد على تغطية احتياجاتها من الواردات لأكثر من عام، بما يمنحها ملاءة مالية تمكنها من التعامل مع الأزمات المختلفة، إلى جانب تعزيز قدرتها على التعاقد لاستيراد السلع بأسعار تنافسية، وتشجيع المستوردين على توريد منتجاتهم في ظل توافر القدرة على السداد».

وأضاف أن ارتفاع الاحتياطي «يمنح الحكومة دائماً فرصة للاقتراض بشروط وأسعار تنافسية حال رغبتها في ذلك، كما يبعث برسائل إيجابية إلى المستثمرين الراغبين في ضخ استثمارات جديدة في الاقتصاد المصري، لثقتهم بقدرة الدولة على توفير العملة الأجنبية وتحويل أموالهم إليها حال قرروا الخروج من السوق في أي وقت».

وأكد أنه «لولا التوترات الإقليمية الناجمة عن الحرب الإيرانية، لكان الأثر الاقتصادي لهذا التحسن أكبر بكثير على المواطنين».

وخلال الأسبوع الأول من الحرب الإيرانية، سجل المستثمرون الأجانب والعرب صافي مبيعات تخارجية بقيمة 2.2 مليار دولار من أذون الخزانة المصرية، وفقاً لبيانات البورصة المصرية، وهو ما أسهم في تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.

ورغم تحسن الاحتياطي النقدي، فإن معدلات التضخم سجلت خلال الشهر الماضي 14.3 في المائة، وسط توقعات من البنك المركزي ببلوغ التضخم ذروته خلال الربع الثالث من العام الحالي، قبل أن يبدأ مساراً هبوطياً وصولاً إلى مستويات أحادية الرقم في النصف الثاني من العام المقبل، متأخراً بذلك نحو عام عن التوقعات السابقة للبنك.

لم تؤثر زيادة الاحتياطي النقدي بشكل مباشر على الأسعار (وزارة التموين المصرية)
لم تؤثر زيادة الاحتياطي النقدي بشكل مباشر على الأسعار (وزارة التموين المصرية)

وأرجعت أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة سماح المرسي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، تأخر شعور المواطنين بتحسن الاحتياطي النقدي إلى عدة عوامل، من بينها الظروف الإقليمية التي فرضت ضغوطاً غير متوقعة على أسعار السلع، وطبيعة الاقتصاد المصري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، حتى في بعض الصناعات المحلية التي تعتمد على استيراد جزء من مدخلات الإنتاج، لافتة إلى أن نسبة الزيادة في الاحتياطي تعكس مؤشرات إيجابية، رغم التحديات والظروف الإقليمية الصعبة.

وأضافت سماح المرسي «أن تعزيز الاحتياطي النقدي يمنح البنك المركزي القدرة على التعامل مع التقلبات الاقتصادية وتحقيق استقرار في سعر الصرف، الأمر الذي برز في تحسن قيمة الجنيه مجدداً خلال الأسابيع الماضية».

ويُشير النائب رضا عبد السلام إلى «ضرورة استمرار العمل في المسارات المتوازية لضمان انسيابية تدفق العملة الصعبة، سواء فيما يتعلق بتحويلات المغتربين، أو دعم وتشجيع القطاع السياحي الذي يواصل الانتعاش، على الرغم من الاضطرابات الإقليمية وصولاً إلى متابعة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي يجري تطبيقها من جانب الحكومة».

ووفق بيانات «المركزي المصري» فإن تحويلات المصريين بالخارج ارتفعت من 26.4 مليار دولار إلى 34.9 مليار خلال الشهور التسعة الأولى من العام المالي المنتهي في يونيو (حزيران) 2026، وهي الفترة نفسها التي زادت فيها إيرادات قطاع السياحة من 12.5 إلى 14.4 مليار دولار.

وتشير تصريحات المسؤولين والخبراء إلى أن انعكاس تحسن الاحتياطي على معيشة المواطنين قد يستغرق وقتاً، في ظل التوترات الإقليمية وطبيعة الاقتصاد المصري القائم على الاستيراد. ومع توقعات البنك المركزي ببلوغ التضخم ذروته في الربع الثالث من العام الحالي، يبقى المواطن في انتظار تحسن ملموس.