د. بكر عبداللطيف الهبوب

منذ منتصف القرن العاشر الهجري (منتصف القرن السادس عشر الميلادي)، بدأت ملامح النهضة العلمية في الأحساء تتبلور، ثم بلغت أوجَّ ازدهارها خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، حين فَرضَت نفسها على خريطة الخليج العربي بوصفها حاضرةً لصناعة العلم، تنافس مراكز المعرفة في العراق والشام ومصر واليمن.

وتعززت هذه المنظومة بقدرٍ من الاستقرار السياسي النسبي وحركةٍ اقتصاديةٍ نشطة أسهم فيها اتساع حركة التجارة في أجزاء واسعة من الخليج العربي خلال عهد بني خالد، فترسخت مكانة الأحساء مركزًا إقليميًا تلاقت فيه مسارات السلع والأفكار.

ولم تكن الأحساء مجردَ واحةٍ تنتج التمور، بل كانت اقتصادًا حيًا يجذب الهجرات ويصدر الكفاءات. وبفضل هذا الحراك تشكل مجتمعٌ متنوع في أصوله وثقافاته، اتسعت فيه مساحة التعايش بين المذاهب والمدارس الفقهية، وتفاعلت فيه الحاضرة والبادية داخل نسيجٍ اجتماعيٍّ واحد، فغَدا الاختلاف مصدرًا للإثراء. وتعززت هذه البيئة بالأسر العلمية التي توارثت القضاء والإمامة والتدريس والفتيا، فنقلت العلم وخبراته من جيل إلى آخر، حتى أصبح جزءًا راسخًا من هوية المجتمع، لا نشاطًا عابرًا مرتبطًا بأفرادٍ أو حقبةٍ زمنية.

غير أنَّ الركيزة التي ضمنت استدامة هذه المنظومة كانت الوقف بشقيه الذري والخيري. فلم يكن مجرد باب من أبواب البر، بل مؤسسةً اقتصاديةً ومعرفية؛ إذ حُبّست بساتين النخيل والعيون والعقارات لتوفير مورد دائم لرواتب المدرسين، وشراء الكتب، وصيانة المدارس، ورعاية الطلبة. وعندما دخل العثمانيون الأحساء عام 1550م، أضفوا على الأوقاف تنظيمًا إداريًا أكثر إحكامًا، ثم وَاصَل من جاء بعدهم تطويرها، حتى غَدَت من أكثر النماذج الوقفية نضجًا في شرق العالم الإسلامي.

ولأنَّ التعليم امتلك مصدر تمويله المستقل، بقيت الحركة العلمية بمنأى عن تقلبات السياسة. فلم يعد المعلم ينتظر عطيةً رسمية، ولا الطالب منشغلًا بطلب الرزق، بل أتاحَ الوقف استقلالًا ماليًا انعكس حريةً معرفية، فازدهر التأليف والتدريس والاجتهاد، وترسخت المدارس والمساجد مؤسساتٍ علمية مستقرة. وفي هذا المناخ ازدهرت علوم الفقه والحديث والتفسير، إلى جانب اللغة والطب والفلك والحساب.

وتظهر قوة هذه المنظومة في نتائجها؛ فقد تجاوزت التراجم الموثقة لعلماء الأحساء خلال نحو قرنين 500 ترجمة، وهو رقم يكتسب دلالته إذا ما قورن بحجم الواحة وسكانها آنذاك، ويكشف عن قدرة استثنائية على تخريج العلماء واستدامة المعرفة. كما انتشرت مئات الأوقاف والمساجد والكتاتيب، وعشرات المدارس والأربطة والمكتبات، بما يؤكد قيام نسقٍ علميٍّ متكامل حَافَظ على حيويته جيلاً بعد جيل.

لذلك تجاوز إشعاع الأحساء حدودها الجغرافية. فقد وصفها لوريمر في دليل الخليج بأنّها مركزٌ علميّ يقصده الطلاب من مختلف أنحاء الخليج العربي، وكانت من أبرز وجهات طلبة العلم القادمين من نجد، ومنهم الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذي تلقى تعليمه فيها نحو عامين ونيف ابتداءً من عام 1725. ولهذا وصفها فؤاد حمزة في كتابه قلب جزيرة العرب بـ«جامعة الخليج». 

ولم يقتصر أثرها على محيطها الإقليمي، بل امتد إلى العالم الإسلامي، حتى تولى أحد علمائها، الشيخ أحمد بن مثيني، مشيخة الفقه الحنبلي في الأزهر عام 1833، وتتلمذ عليه عباس حلمي باشا، الذي أصبح لاحقًا خديوي مصر، في شاهدٍ على المكانة التي بلغتها المدرسة الأحسائية بين حواضر العالم الإسلامي.

وعندما تُقارن التجارب التعليمية التي بَنَت مكانتها على الوقف والاستقلال المؤسسي، تبدو الأحساء أقرب النماذج التاريخية إلى تجربة جامعة هارفارد. فقد ازدهرتا في حقبة متقاربة، واعتمدتا على الوقف لضمان الاستقلال المالي، واستقطبتا طلاب العلم من خارج محيطهما، وبنتا مكانتهما على استقلال المؤسسة التعليمية واستدامتها أكثر من ارتباطها بالسلطة السياسية. 

وبعد 4 قرون، تجاوزت قيمة وقف هارفارد 56.9 مليار دولار، في شاهدٍ على ما تصنعه استدامة الوقف حين تتراكم عبر الزمن. أمَّا الأحساء، فقد أدت أوقافها في عصر ازدهارها الدور ذاته؛ إذْ كانت رأس المال الذي قامت عليه نهضتها العلمية. ولعل الفرق بين التجربتين لا يكمن في الفكرة، بل في استمرار المؤسسة؛ فحيث استمر الوقف استمرت الجامعة، وحيث ضعف الوقف، فَقَدت المنظومة العلمية أحد أهم مقومات استدامتها.

وإذا كانت هارفارد تمثل نموذج الجامعة الوقفية في الغرب، فإنَّ الأحساء صنعت في شرق العالم الإسلامي تجربةً تستحق وَصْفَ «هارفارد الشرق»، حيث أثبت الوقف قدرَته على بناء منظومةٍ علميةٍ مستقلةٍ ومستدامة. وتبقى تجربة الأحساء شاهدًا على أنَّ ازدهار العلم لا يبدأ بالمناهج أو المباني، بل بالمؤسسات التي تكفل له الاستمرار، وفي مقدمتها الوقف.

مستشار قانوني