إيران والولايات المتحدة.. التصعيد العسكري يقلص خيارات التسوية
في ظل تجدد الاشتباكات بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، تدخل المواجهة منعطفًا جديدًا يُوصف بالاستنزاف المفتوح، حيث يعول كل جانب على قدرة الآخر على التحمل حتى الاستسلام، في وقت تتصاعد التهديدات التي تتعرض لها حركة الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، وتتراجع احتمالات الحل السياسي، حسبما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال.
يأتي هذا التصعيد في سياق توتر طويل بين البلدين منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، مع فشل المساعي الدبلوماسية في تحقيق انفراج.
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يفضل إبرام اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وقبل أن تشهد أسعار النفط ارتفاعًا جديدًا يزيد الأعباء على المستهلكين الأمريكيين.
في المقابل، تراهن طهران على قدرتها على الصمود حتى انتهاء ولاية ترمب، قبل أن يؤدي الحصار البحري الأميركي الذي أعيد فرضه إلى شل اقتصادها المنهك بالفعل، ومن دون أن تستفز هجوماً أميركياً أو إسرائيلياً واسع النطاق جديداً يستهدف إسقاط النظام.
خيارات الطرفين
ويعتقد محللون أن الجانبين توصلا إلى أن أفضل خيار هو العودة إلى المواجهة بمستوى منخفض، في انتظار استسلام الطرف الآخر. وأكد حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر في الشأن الإيراني بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية: "الأمر بات يتعلق الآن بالقدرة على التحمل".
وبالنسبة إلى طهران، تتمثل المهمة العاجلة في الحفاظ على قبضتها على مضيق هرمز، عبر استخدام أسطولها المتضرر لكنه لا يزال فعالاً من الزوارق السريعة والصواريخ المضادة للسفن، لمنع ناقلات النفط وغيرها من السفن من مغادرة الخليج العربي.
ومن شأن تحقيق هذا الهدف أن يزيد الضغوط على ترمب، كما حدث في بداية الحرب، لكن الوقت المتاح لتحقيق ذلك أصبح أقل مع اقتراب موعد توجه الناخبين الأميركيين إلى صناديق الاقتراع.
أما واشنطن، فتواجه تحدي إيجاد مخرج من هذا المأزق، عبر إضعاف المواقع العسكرية الإيرانية التي تهدد الملاحة، والحد من صادرات النفط الإيرانية عبر الخليج من خلال إعادة فرض حصار بحري.
وقد حققت هذه الاستراتيجية نجاحاً محدوداً في المراحل الأولى من النزاع، لكنها قد تحقق نتائج أفضل مع تزايد الكلفة التي تتحملها إيران.
وقالت روزماري كيلينيتش، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز "ديفينس برايورتيز" البحثي في واشنطن: "تعتقد إيران أساساً أنها قادرة على مهاجمة عدد كافٍ من السفن بما يؤدي عملياً إلى تعطيل حركة الملاحة في المضيق".
وأضافت: "ويبدو أن ترمب يعتقد أن الولايات المتحدة وجدت وسيلة لإخراج كميات كبيرة من النفط عبر هرمز، حتى لو لم يتعاون الإيرانيون".
انهيار وقف إطلاق النار
وأقامت الولايات المتحدة ممرات ملاحية قبالة الساحل الجنوبي لمضيق هرمز أمام سلطنة عمان، لمساعدة السفن التجارية على الدخول إلى الخليج والخروج منه. وقال الجيش الأميركي إن قواته ساعدت أكثر من 800 سفينة على عبور هذا الممر البحري الضيق خلال الشهرين الماضيين.
ومع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار خلال الأيام الأخيرة، تمكن الحرس الثوري الإيراني من إصابة سفن كانت تستخدم المسار الجنوبي وتعطيلها بواسطة الصواريخ والطائرات المُسيرة، ما أودى بحياة وأصاب عدد من أفراد الطواقم وأثار قلق شركات الشحن.
وتسعى طهران إلى إجبار السفن على استخدام الممر الشمالي للمضيق، المحاذي لسواحلها.
وتهدد هذه الهجمات بخنق حركة الملاحة مجدداً، وإعادة أسعار النفط إلى الارتفاع، بعدما كانت قد عادت لفترة وجيزة الشهر الماضي إلى مستويات ما قبل الحرب.
وارتفعت أسعار خام برنت، وهو المعيار العالمي، بنسبة 1.7% إلى 84.73 دولار للبرميل الثلاثاء، مسجلة زيادة تجاوزت 11% خلال اليومين الماضيين. ومع ذلك، فإنها لا تزال أقل بكثير من المستويات التي بلغتها في بداية الحرب عندما تجاوزت 100 دولار للبرميل.
وقال الجيش الأميركي، إن الضربات التي استؤنفت الأسبوع الماضي تواصلت الثلاثاء، مضيفاً أن "قواته بدأت تنفيذ جولة إضافية من الضربات ضد إيران لمواصلة إضعاف القدرات الإيرانية المستخدمة في مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز". كما استؤنف الحصار الأميركي على الموانئ وحركة الشحن الإيرانية بعد ظهر الثلاثاء.
واستخدمت الولايات المتحدة مقاتلات وطائرات مُسيرة ومروحيات هجومية تحلق فوق المضيق لاعتراض الأسلحة والزوارق الإيرانية قبل وصولها إلى السفن التي تبحر بمحاذاة الساحل العُماني.
إلا أن مسؤولاً أميركياً رفيعاً قال إن إطلاق إيران صواريخ كروز الساحلية المضادة للسفن من مسافات قريبة جعل بعض الهجمات الأخيرة سريعة إلى درجة تعذر اعتراضها.
وقد تخصص وزارة الحرب الأميركية "البنتاجون" مدمرات مزودة بصواريخ موجهة لدعم عمليات الملاحة، من خلال مرافقة ناقلات النفط وغيرها من السفن المغادرة للخليج لاعتراض الصواريخ الإيرانية. غير أن مسؤولين أميركيين يقولون إن تنظيم قوافل بحرية يصبح غير عملي في ظل التطبيق الكامل للحصار.
وأضاف المسؤولون أن هذه المدمرات مطلوبة في خليج عُمان للمساعدة في منع السفن من التوجه إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها.
عامل الوقت
وفي بعض الجوانب، فإن عامل الوقت الذي يضغط على الطرفين مع استئناف القتال يصب في مصلحة طهران، ما دامت قادرة على إبقاء النزاع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، بحسب "وول ستريت جورنال".
وقال عزيزي: "هم لا يريدون تصعيداً يخرج عن السيطرة، بحيث لا يبقى أمام ترمب سوى خيارات عسكرية أكثر تطرفاً".
ورغم أن الحصار يُرجح أن يلحق مزيداً من الضرر بالاقتصاد الإيراني، فإن طهران أظهرت بالفعل قدرتها على تحمل هذه التكاليف، وهي تعمل حالياً على إعادة بناء ترسانتها الصاروخية ومنظومات الدفاع الجوي التي تعرضت لاستنزاف شديد خلال الحرب.
ويرى آلان آير، كبير المفاوضين السابق مع إيران في وزارة الخارجية الأميركية، والذي يعمل حالياً في معهد الشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة لن تتمكن على الأرجح من منع إيران من تهديد الملاحة في المضيق من دون زيادة كبيرة في عملياتها العسكرية، وهو خيار لن تخاطر به لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية، بحسب ما كتبه في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الثلاثاء.
ومع اقتراب الانتخابات الأميركية، لا تزال طهران تخشى أن يلجأ ترمب إلى تصعيد الهجمات سعياً لتحقيق نصر حاسم، بدلاً من السماح باستمرار النزاع حتى انتخابات التجديد النصفي.
لكن محللين يرون أن مثل هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة إلى ترمب، إذ يُرجح أن ترد إيران باستهداف حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي، وربما إسرائيل أيضاً.
كما تواجه الولايات المتحدة نقصاً في الصواريخ الاعتراضية الضرورية للتصدي للصواريخ الإيرانية، ما يجعل إطالة أمد المواجهة خياراً أكثر خطورة بالنسبة إلى ترمب.
ويبدو أن السباق مع الوقت يحسم مسار هذه المواجهة، فكلما اقترب موعد الانتخابات الأمريكية زادت الضغوط على ترمب لتحقيق نتائج ملموسة. في المقابل، تعتمد طهران على استنزاف القوى الأمريكية عبر حرب غير تقليدية، مع احتمالية تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع. وتضع هذه التوترات أسواق الطاقة العالمية في حالة تأهب، حيث قد تؤدي أي تصعيد إلى تقلبات حادة في أسعار النفط، مما ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي.
المصدر الأصلي: الشرق للأخبار
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.