أعلنت القيادة المركزية للجيش الأميركي انتهاء جولتها الثالثة عشرة من الضربات العسكرية ضد إيران، والتي استهدفت مراكز قيادة وشبكات اتصالات، في وقت يخطط فيه الرئيس دونالد ترمب لرفع وتيرة العمليات.

تأتي هذه الضربات في إطار التوتر المستمر بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز، الذي يعد ممراً حيوياً لشحنات الطاقة العالمية.

وأوضحت القيادة المركزية يوم الجمعة أن الضربات طالت مراكز قيادة عسكرية ومستودعات للطائرات المسيرة وشبكات اتصالات ومواقع مراقبة ساحلية وقدرات بحرية، بهدف الحد من التهديد الذي تشكله إيران على الملاحة المدنية والتجارية في مضيق هرمز.

وأكدت أن الممر المائي الدولي لا يزال مفتوحاً للملاحة رغم الهجمات الأخيرة التي شنها الحرس الثوري الإيراني، مشيرة إلى أن السفن التجارية تواصل عبور المضيق بحرية تحت حماية الجيش الأميركي.

وأشارت القيادة المركزية إلى أن أكثر من 50 ألف عسكري أميركي ينتشرون حالياً في أنحاء الشرق الأوسط.

وبعد وقت قصير من الإعلان عن الضربات، أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بوقوع انفجارات في مدينة بندر عباس الساحلية، وهي مركز رئيسي لنقل الإمدادات العسكرية والبضائع التجارية.

كما تم الإبلاغ عن انفجارات في جزيرة قشم، التي تضم مخازن لأصول بحرية تشمل زوارق مسيرة يمكن لإيران استخدامها لمهاجمة السفن في مضيق هرمز، إضافة إلى مناطق قرب أنديمشك وأميدية وفيروز آباد في شمال غرب البلاد، حسب ما أوردت وكالة "أسوشيتد برس".

وذكرت القيادة المركزية أن الموجة الأخيرة من الضربات تهدف إلى "إضعاف قدرة إيران على تهديد البحارة المدنيين والسفن التجارية في المياه الإقليمية"، ضمن جهود واشنطن لاستعادة حرية الملاحة في الممر الاستراتيجي الذي يعبره نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية.

وفي تصريحات لموقع "أكسيوس"، قال ترمب إنه يدرس بجدية استئناف عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، تشمل ضربات ستكون أكبر من تلك التي نُفذت خلال عملية "الغضب الملحمي".

وأقر ترمب بأن مثل هذا القرار ستكون له تداعيات، لكنه شدد على أنه لم يحسم أمره بعد، ولم يحدد موعداً لاتخاذ القرار، فيما أكد مسؤولان أميركيان آخران عدم صدور أي أوامر جديدة للجيش.

وأضاف ترمب: "أدرس تنفيذ هجوم ضخم، أكبر من أي وقت مضى. أنا قريب من اتخاذ القرار، وكل شيء جاهز".

عبور هرمز عند أدنى مستوى في شهرين

وأفادت وكالة "رويترز"، الجمعة، نقلاً عن بيانات تتبع السفن، بأن عدد الناقلات العابرة لمضيق هرمز انخفضت إلى واحدة فقط الخميس، وهو أدنى معدل منذ السابع من مايو، مع استمرار المخاطر المهددة لحركة الشحن البحري في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط مرة أخرى لتتجاوز 100 دولار للبرميل. 

وبحسب بيانات شركة "كبلر" للتحليلات، عبرت ناقلة واحدة فقط مضيق هرمز يوم 23 يوليو، مقارنة بثلاث ناقلات في اليوم السابق.

وغادرت ناقلة النفط الخام الضخمة "نيو جاينت" المحملة بمليوني برميل من خام البصرة العراقي المضيق الخميس، ومن المقرر أن تصل إلى ميناء ريتشاو الصيني بحلول منتصف أغسطس.

ولم تدخل أي سفينة مضيق هرمز، الخميس.

وقال ترمب على منصة "تروث سوشيال"، الخميس، إن الأموال الإيرانية الخاضعة للعقوبات والموجودة بحوزة الولايات المتحدة ستستخدم لتغطية تكاليف إصلاح السفن التي تضررت خلال الحرب.

وأضاف: "ليكن هذا البيان بمثابة إعلان بأنه اعتباراً من الآن وحتى إشعار آخر، فإن أي وجميع الأضرار التي تلحق بالسفن أو الشحنات أو أي شيء ذي صلة، ستُدفع من الأموال الإيرانية التي تمتلكها الولايات المتحدة وتسيطر عليها".

واعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن مصادرة هذه الأصول تمثّل "سابقة خطيرة".

كما تصاعدت الحرب الكلامية بين الجانبين، إذ قال عراقجي إن طهران ستنتهج سياسة "العين بالعين"، رداً على الضربات الأميركية التي تستهدف بنيتها التحتية، فيما رد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال زيارته الفلبين لحضور قمة إقليمية، بأن "الثمن سيستمر في الارتفاع كل ليلة إلى أن يعودوا إلى رشدهم".

ونقل التلفزيون الرسمي الإيراني عن المتحدث العسكري العميد محمد أكرم نيا قوله، إن إيران ستواصل الرد ما دامت الولايات المتحدة تواصل مهاجمة بنيتها التحتية ومناطقها الساحلية.

موقف إيران التفاوضي

وخلصت كل من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA، ووكالة استخبارات الدفاع DIA في تقييمات حديثة إلى أن نمط القصف الذي تنفذه الولايات المتحدة حالياً ضد إيران من غير المرجح أن يدفع طهران إلى تغيير موقفها التفاوضي، حسبما نقلت شبكة CNN عن مسؤولين أميركيين مطلعين.

وذكرت أن التقييمات تضع ترمب، الذي يواجه احتمال تكبد حزبه خسائر كبيرة في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، أمام "خيارات محدودة".

وأشارت إلى أن أحد الخيارات يتمثل في تصعيد الحرب عبر إرسال قوات برية أميركية، وهو تهديد كرره ترمب مراراً أثناء حديثه عن احتلال جزيرة خرج أو السيطرة على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، إلا أن مثل هذه الخطوة ستتناقض مع أحد أبرز وعوده الانتخابية بعدم الزج بالأميركيين في "حروب خارجية لا تنتهي".

ووفقاً للتقرير، فإن المشكلة الرئيسية التي تواجه إدارة ترمب تتمثل في أن واشنطن وطهران تخوضان نمطين مختلفين من التصعيد، فأميركا تعتمد التصعيد الرأسي عبر استهداف مواقع إيرانية أكثر حساسية وتوسيع نطاق الضربات تدريجياً بهدف تغيير حسابات القيادة الإيرانية، بينما تتجه إيران إلى التصعيد الأفقي من خلال استهداف دول المنطقة والبنية التحتية المدنية، سعياً إلى زيادة الضغوط الدولية على واشنطن.

وقال مسؤول أميركي لـCNN، إن ترمب "يركز حالياً على جعل إيران تدفع ثمن انتهاكاتها لمذكرة التفاهم واستمرار أعمالها الإرهابية في مضيق هرمز، إضافة إلى سقوط الجنود الأميركيين مؤخراً"، مؤكداً أن الضربات ستستمر حتى يقرر الرئيس خلاف ذلك، مع استمرار المحادثات بين البلدين، وأن "جميع الخيارات متاحة".

وكانت مجلة "بوليتيكو" أشارت كذلك إلى أن تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية قد لا يكون كافياً لإجبار طهران على التراجع، بل يسلط الضوء على حدود ما يمكن أن تحققه الحرب الجوية وحدها.

يمثل مضيق هرمز شرياناً رئيسياً لصادرات النفط الخليجية، وأي تعطيل للملاحة فيه قد يرفع أسعار الطاقة عالمياً. ويبدو أن التصعيد العسكري الأميركي يهدف إلى ردع الحرس الثوري عن مهاجمة السفن، لكنه يخاطر بإشعال صراع إقليمي أوسع. ومن المرجح أن يثير قرار ترمب المحتمل بشن هجوم واسع جدلاً داخل الإدارة الأميركية، خاصة في ظل الانتشار العسكري الكبير بالمنطقة. كما تترقب الأسواق الدولية تطورات الموقف، لكونها ترى في أي حرب جديدة مع إيران تهديداً مباشراً لاستقرار إمدادات النفط.