ست محطات ترفيهية في السعودية تقدم تجارب استثنائية لعشاق الإثارة صيفاً
تشهد المملكة إقبالاً واسعاً من باحثي المغامرة عبر وجهات صيفية متنوعة تجمع بين الألعاب القياسية والمغامرات الجبلية والمائية، في ظل تنامي القطاع السياحي ضمن مستهدفات رؤية 2030.
تحولت السياحة الصيفية في البلاد من مجرد أجواء هادئة إلى مقصد رئيسي للشباب والباحثين عن المغامرة، مدفوعة بالتطور المتسارع للقطاع الترفيهي ومشاريع صندوق الاستثمارات العامة التي تقدم تجارب استثنائية تشمل الألعاب الضخمة والأنشطة البحرية والجبلية.
تشهد القطاع السياحي في المملكة نمواً ملحوظاً ضمن استراتيجية شاملة لتنويع الاقتصاد وجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
يأتي هذا الحراك ضمن مساعٍ وطنية تهدف لجذب 150 مليون سائح بحلول 2030، عقب تجاوز أعداد الزوار حاجز 122 مليوناً خلال عام 2025 وحده، حيث يسلط هذا التقرير الضوء على أبرز المواقع الجذابة لمحبي التشويق في فصل الصيف.
القدية.. حيث تُكتب الأرقام القياسية
في قلب جبال طويق، على بعد نحو 45 كيلومتراً غرب الرياض و70 كيلومتراً عن مطار الملك خالد الدولي، افتُتحت مدينة "سِكس فلاجز القدية" رسمياً في 31 ديسمبر 2025، لتصبح أول متنزه في المنطقة العربية يحمل هذه العلامة التجارية العالمية، وأحد أضخم مشاريع الترفيه المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة ضمن رؤية المملكة 2030.
تبلغ مساحة المدينة الترفيهية 320 ألف متر مربع، وتتضمن 28 لعبة وفعالية متفرقة عبر 6 مناطق متنوعة، صُممت بعناية لتتناغم مع التضاريس الجبلية المحيطة وتقدم تجارب فريدة بعيداً عن صخب المدن.
ونجم المدينة بلا منازع هو أفعوانية "فالكون فلايت" (رحلة الصقر)، التي حطمت ثلاثة أرقام قياسية عالمية دفعة واحدة، فهي الأعلى ارتفاعًا بواقع 195 مترًا، أي ما يعادل ارتفاع مبنى من 60 طابقًا، والأطول مسارًا بأكثر من 4.3 كيلومترات (نحو خمسة أبراج خليفة إذا وُضعت أفقيًا)، والأسرع بسرعة تلامس 250 كيلومترًا في الساعة، مقاربة لسرعة سيارات الفورمولا 1، تصل إليها العربة خلال أقل من 5 ثوانٍ فقط من الانطلاق.
وتشترط اللعبة أن يتراوح طول الراكب بين 130 و196 سنتيمتراً، ويُقال إن ضخامة مسارها تجعله مرئياً من مسافات بعيدة. وإلى جانبها، تضم المدينة أفعوانية "سِبتفاير" بسرعة 127 كم/س وارتفاع 50 متراً ومساراً يقارب 800 متر، ولعبة "جيروسبين" التي تتأرجح كالبندول على ارتفاع يعادل طائرة بوينغ 747 واقفة عمودياً، إضافة إلى أفعوانية "راتلر" العائلية المستوحاة من قطارات التعدين القديمة بسرعة 118 كم/س.
وتكتمل منظومة المدينة الترفيهية بـ"أكواريبيا"، أكبر حديقة مائية في الشرق الأوسط، والتي افتتحت أبوابها في عيد الفطر الماضي (23 أبريل 2026) بتكلفة إنشاء بلغت 2.6 مليار ريال، وتمتد على مساحة تتجاوز 250 ألف متر مربع (25 هكتارًا) موزعة على 8 مناطق مستوحاة من التنوع البيئي والطبيعي في المملكة.
وتضم الحديقة نحو 22 لعبة وتجربة مائية من تصميم شركة "وايت ووتر" العالمية، من بينها "سيرفتوبيا"، أول مسبح أمواج مخصص لركوب الأمواج في السعودية بمستويات تناسب المبتدئين والمحترفين، إلى جانب مناطق مخصصة للأطفال مثل "سبلاش جروتو" و"زوم زوم"، وأكثر من 20 منفذًا للطعام والتسوق. وقد انطلق الموسم الصيفي لكلتا الوجهتين معًا في الثاني من يوليو الجاري، ليستمر حتى 22 سبتمبر المقبل.
العلا.. مغامرات بين الرمال والسماء
تجمع العلا، التي تصف نفسها رسميًا بأنها أكبر متحف حي مفتوح في العالم، بين عبق التاريخ وأشد التجارب إثارة في المملكة. فمع شروق الشمس، تحلّق مناطيد الهواء الساخن فوق مدائن صالح وتكويناتها الصخرية على ارتفاع يصل إلى 1200 متر، في رحلات خاصة أو مشتركة يقودها طيار خبير يروي خلالها قصص المكان، وسط ضيافة تشمل الماء والقهوة والتمر قبل الإقلاع. ولمن يفضل تجربة أقصر، يوفر "المنطاد المعلّق" رحلة هادئة لمدة 20 دقيقة على ارتفاع 50 مترًا فوق ساحة المنشية.
أما عشّاق الأدرينالين الأعلى، فتنتظرهم تجربة "زيبلاين العلا"، الأطول والأسرع من نوعها في المملكة بمسار يبلغ 1.5 كيلومتر وسرعة تصل إلى 120 كم/ساعة، حيث ينطلق المشاركون في وضعية "سوبرمان" الأفقية الشهيرة فوق الأودية الصخرية. ويسبق هذه التجربة أحيانًا تحدٍّ أصعب يتمثل في "سلّم العلا"، وهو تسلّق سلّم معلّق بقمة الجبل على ارتفاع 45 مترًا بعد جولة مشي مدتها 20 دقيقة على جسر مثبت بكابلات معدنية على حافة الجبل، لينتهي المغامر بجولة زيبلاين إضافية طولها 100 متر في طريق العودة إلى الوادي.
وفي تجربة أخرى ضمن فعاليات مهرجان سماء العلا، تأخذ "أرجوحة العلا العملاقة" الزوار للتأرجح مسافة 70 متراً بين الصخور الشاهقة بعد تسلق ارتفاع 85 متراً فوق سطح الأرض.
ولا تقتصر مغامرات العلا على الهواء؛ فهناك تسلّق الصخور بين الأخاديد التاريخية المزيّنة بالنقوش القديمة، ورحلات الهليكوبتر فوق الوديان الصحراوية، ومسارات مشي متعددة المستويات بمرافقة مرشدين مختصين، من بينها مسار يمتد 6 كيلومترات ويستغرق نحو 3 ساعات صعودًا نحو قمة تلٍّ يطل على الواحة الغنّاء ووادي العلا (بحد أدنى للعمر 8 سنوات)، إلى جانب رحلات السفاري على الطرق الصحراوية الوعرة بسيارات الدفع الرباعي، ومغامرات نزول الحبال من قمم الجبال. وتحتفي المدينة كل يناير بسباق "درب العلا" للجري، الذي يستقطب العدائين المحترفين والهواة من مختلف الأعمار.
ينبع.. أعماق البحر الأحمر تنتظر الغواصين
تحمل ينبع لقب "عاصمة الغوص" في المملكة، إذ توفر بيئة بحرية مثالية تجعلها خيارًا مفضلًا للمبتدئين وذوي الخبرة على حد سواء، بفضل مياهها الهادئة الصافية وشعابها المرجانية الغنية بالحياة البحرية. وأبرز مواقعها حطام السفينة البريطانية "إيونا"، التي يعود تاريخها إلى أكثر من مئة عام واصطدمت بالشعاب المرجانية فغرقت، لتتحول اليوم إلى موقع غوص استكشافي يعج بالكائنات البحرية ويجذب هواة تصوير حطام السفن تحديدًا.
كما تشتهر المدينة بموقع "الشعاب السبعة"، الذي يوفر واحدة من أفضل تجارب الغوص والتصوير تحت الماء في البلاد. وتنتشر على طول ساحلها مراكز غوص معتمدة تحمل شهادات دولية، تقدم دورات تدريبية ورحلات بحرية بمختلف المستويات، فيما يوفر ساحل جدة القريب بديلاً أسهل لمن يفضل الغوص من الشاطئ مباشرة وسط حدائق مرجانية أقل عمقاً. وتنشط هذه الأنشطة سنوياً ضمن فعاليات "صيف السعودية" التي تقيمها الهيئة السعودية للسياحة على طول الساحل الغربي.
عسير.. تحليق فوق الغيوم
ارتفاعات تتجاوز 3000 متر وتيارات هوائية تُعد من الأنسب لهذه الرياضة في المنطقة، لتتحول تدريجيًا من هواية فردية محدودة إلى رياضة منظمة تحظى باهتمام رسمي ومجتمعي متزايد، وتتوسع مواقع ممارستها اليوم لتشمل محايل عسير ورجال ألمع أيضًا.
ويمنح التحليق فوق طريق عقبة الصماء، الذي يربط السودة بقرية رجال ألمع التاريخية، مشهدًا آسرًا بين جبال مكسوة بأشجار العرعر المعمرة وضباب متدفق، وامتداد للبحر الأحمر يلوح بعيدًا خلف الأفق الغائم.
وعلى مقربة من هذا المشهد، تقبع قرية الحبلة، الملقبة عالميًا بـ"القرية المعلقة"، حيث تتشبث منازلها الحجرية الرملية بحافة منحدر شديد الانحدار كان سكانها قديمًا لا يصلون إليه إلا بسلالم الحبال، قبل أن يربط بينها وبين أسفل الوادي تلفريك حديث يقطع مسافة 600 متر في رحلة تستغرق من 7 إلى 10 دقائق، يعمل بين شهري مايو وأكتوبر من كل عام.
وتحيط بالقرية مسارات مشي متعددة، من بينها مسار جبل السودة ومسار رجال ألمع ومسار قرية الحبلة نفسها، وسط غطاء نباتي كثيف من أشجار العرعر، وحياة برية تضم القرود والنسور، إلى جانب كونها موقعًا مهمًا لمراقبة الطيور المهاجرة. ويأتي هذا الزخم متزامنًا مع الإعلان عن مشروع "قمم السودة" الضخم الذي كشف عنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في سبتمبر 2023، بهدف تطوير المنطقة كوجهة عالمية جديدة للسياحة الجبلية والمغامرة، وهو ما جذب بالفعل اهتمام خبراء السياحة الدوليين.
جدة.. إثارة بلا توقف على واجهة البحر الأحمر
تحوّلت حلبة كورنيش جدة، التي كانت حكراً على سباقات الفورمولا 1، إلى مساحة مفتوحة يومياً للجمهور لممارسة المشي والجري وركوب الدراجات وحتى التزلج، بفضل موقعها المميز وإطلالتها البحرية التي جعلتها من أبرز وجهات اللياقة الاجتماعية في المدينة.
وفي المقابل، تنبض واجهة جدة البحرية بمغامرات مائية متنوعة تناسب عشاق السرعة، إذ تتصدر الدراجات المائية "الجيت سكي" المشهد باختلاف أحجامها وقوة محركاتها، وتحظى الطرازات عالية الأداء بإقبال خاص من الشباب، فيما تتوفر أيضًا تجربة "الجت كار"، وهي مزيج بين الجت سكي والسيارة الرياضية يتيح الانطلاق بسرعة وأناقة فوق سطح الماء، وتجربة "الفلاي بورد" التي تجمع بين الطيران والغطس بدفع قوة الماء، وتصلح بشكل خاص لصناع المحتوى الباحثين عن لقطات مميزة.
وفي شاطئ خور جدة، تنشط القوارب المطاطية السريعة كقوارب "البنانة" و"الدونات" بحثًا عن تجربة مليئة بالحماس، إلى جانب رياضة الاستكشاف عبر السباحة والغوص السطحي في مياه صافية تكشف التنوع البيئي للبحر الأحمر، وتوفر قوارب الكاياك والتجديف وقوفًا (SUP) خيارًا أهدأ لمن يفضل ذلك. ولعشاق الإثارة القصوى، تقدم بعض الشركات المتخصصة تجربة الغوص داخل أقفاص مخصصة لمشاهدة أسماك القرش عن قرب، ضمن باقات متكاملة تجمع عدة أنشطة مائية في موقع واحد على طول الكورنيش.
نيوم – تروجينا.. مغامرة المستقبل الجبلية
في جبال نيوم شمال غرب المملكة، يرتفع مشروع "تروجينا" على ارتفاعات تتراوح بين 1500 و2600 متر فوق سطح البحر، بمساحة إجمالية تبلغ نحو 60 كيلومتراً مربعاً، ليقدم للشباب تجربة مختلفة كلياً عن باقي الوجهات الصيفية في المملكة.
فبحيرته الاصطناعية الممتدة على طول 2.8 كيلومتر تتيح ممارسة رياضات المياه على ارتفاع نادر في شبه الجزيرة العربية، بينما توفر مساراته الجبلية فرصًا للمشي الطويل وركوب الدراجات الجبلية وسط مناظر طبيعية لا تتكرر في المنطقة.
ورغم أن المشروع يستهدف أساساً أن يكون أول منتجع للتزلج على مدار العام في الخليج خلال فصل الشتاء، فإنه صُمم ليبقى وجهة نشطة صيفاً أيضاً لعشاق الطبيعة والرياضات الجبلية، تمهيداً لاستضافته دورة الألعاب الآسيوية الشتوية في عام 2029، وذلك بعد اكتمال أعمال الإنشاء المخطط لها بنهاية 2026.
ويعكس الإقبال المتنامي على وجهات المغامرة زخمًا وطنيًا أوسع؛ إذ سجل قطاع الترفيه في المملكة أكثر من 89 مليون زائر خلال عام 2025، مع ترخيص 472 وجهة ترفيهية جديدة بنمو 12% مقارنة بالعام السابق، ليصل إجمالي الوجهات النشطة إلى 975 وجهة نشطة.
كما أظهرت بيانات الربع الأول من عام 2026 أن عدد رحلات السياح المحليين وحدهم بلغ نحو 28.9 مليون رحلة داخلية، بنمو 16% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وارتفع إنفاقهم إلى نحو 34.7 مليار ريال بزيادة 8%، وهو ما يعكس تنامي شهية الشباب السعودي تحديدًا لاستكشاف وجهات المغامرة الجديدة داخل بلادهم بدلًا من السفر بعيدًا بحثًا عنها.
من أفعوانية يُقال إنها تُرى من الفضاء في القدية، إلى تحليق حر فوق ضباب عسير وقريتها المعلقة، وغوص بين حطام السفن قبالة سواحل ينبع، ومناطيد تحلّق فوق آثار العلا الألفية، وصولًا إلى مغامرات مستقبلية في جبال نيوم، تقدّم المملكة اليوم خريطة متكاملة من المغامرات تناسب مختلف مستويات الإثارة والجرأة. وبينما تستمر مشاريع الترفيه الكبرى في التوسع نحو 2030، يبدو أن الشباب لم يعودوا بحاجة للسفر بعيدًا بحثًا عن جرعة الأدرينالين؛ فقد باتت في متناول أيديهم، على أرضهم.
تؤكد هذه المشروعات الضخمة التحول النوعي الذي تشهده البنية الترفيهية في السعودية. ومع استهداف أرقام قياسية لأعداد الزوار في السنوات المقبلة، تصبح هذه الوجهات ركيزة أساسية في استراتيجية تنويع مصادر الدخل. ويُنصح المتابعون بترقب المزيد من التطورات في قطاع السياحة النوعية مع توسيع نطاق المشاريع الكبرى.
المصدر الأصلي: أخبار 24
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.