حين تتحول الإجازة إلى وظيفة جديدة للأب
مع حلول العطلة، يجد العديد من الآباء أنفسهم أمام مهام وظيفية إضافية فُرضت عليهم دون سابق إنذار؛ إذ يتحول الأب بين عشية وضحاها إلى سائق متفرغ ومسؤول مالي، يطوف بالأبناء من مشوار إلى آخر، ليختتم يومه بميزانية مستنزفة وسيارة أنهكها السير، متسائلاً بابتسامة يغلفها التعجب: كيف اتسعت دائرة هذه المسؤوليات اليومية لتشمل كل هذه التفاصيل؟
تعد فترة الإجازات الصيفية تحدياً تنظيمياً للأسر التي تسعى للموازنة بين الاستجمام والحفاظ على روتين يومي هادف يحمي الأبناء من آثار الفراغ.
أخبار متعلقة
وتبدأ بعدها سلسلة الطلبات اليومية، فلا يكاد ينتهي من مشوار حتى يبدأ آخر: «أوصلني، أعدني، الشباب مجتمعون، سنخرج، سنتعشى، سنتنزه، وأحتاج إلى بعض المال»، حتى يشعر الأب أن وقته وجهده أصبحا موزعين بين تلبية احتياجات الجميع، في ظل حرصه على إسعاد أسرته.
والحقيقة أن المشكلة ليست في الأبناء، فهم طاقة وحيوية وحب للحياة، وإنما تكمن في الفراغ. فالفراغ، إذا لم يُستثمر بصورة إيجابية، قد يدفع الشباب إلى قضاء أوقاتهم في أنشطة محدودة الفائدة، بينما يسهم وجود أهداف واضحة، أو برامج مفيدة، أو مهارات جديدة يتعلمونها، في تحويل الإجازة إلى فرصة للنمو واكتساب الخبرات، بدلًا من أن تقتصر على كثرة التنقلات واستهلاك الوقت.
ولدينا، ولله الحمد، أندية رياضية في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، ومنشآت مميزة استثمرت فيها الدولة مليارات الريالات. وكلما زاد استخدامها من مختلف أفراد المجتمع، تعاظمت قيمتها الاجتماعية والصحية. ولهذا، أتمنى من الجهات المعنية دراسة تخصيص الفترة من الصباح وحتى قبل صلاة العصر للعائلات، ليتمكن الأب من اصطحاب أسرته، والأم من مرافقة بناتها، في بيئة تجمع بين الرياضة والترفيه والثقافة. أما الفترة من بعد صلاة العصر وحتى المساء، فيمكن أن تُخصص للشباب؛ ليجدوا متنفسًا يمارسون فيه الرياضة، وينمّون مهاراتهم، ويستثمرون طاقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع.
كما أن الدورات التدريبية، والأنشطة التطوعية، وتعلّم اللغات، والمهارات التقنية، والفنون، والقراءة، كلها استثمارات بسيطة اليوم، لكنها تؤتي ثمارًا كبيرة في المستقبل. فالإجازة ليست موسمًا لزيادة الأعباء على الأسرة، بل فرصة حقيقية لصناعة جيل أكثر صحة، وأوسع معرفة، وأعلى ثقة بالنفس.
خاتمة:
قد يبتسم الأب وهو يقرأ هذا المقال، لأنه مرّ ببعض هذه المواقف، وقد يبتسم الأبناء أيضًا لأنهم يرونها جزءًا من تفاصيل الإجازة. لكن الحقيقة أن الإجازة الناجحة لا تُقاس بعدد المشاوير أو حجم المصروف، بل بما تغرسه في الأبناء من مهارات، وثقة، وروح مسؤولية، وما تتيحه لهم من فرص للنمو والاستفادة.
[email protected]
إن نجاح العطلة لا ينبغي أن يُختزل في تلبية الرغبات الآنية للأبناء أو كثرة التنقلات، بل يكمن في استثمار هذا الوقت لبناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم. ولتحقيق ذلك، تبرز أهمية استغلال المرافق العامة والبرامج التدريبية المتاحة كأدوات فعالة لصناعة جيل أكثر ثقة ووعياً، بعيداً عن ضغوط الأعباء اليومية المعتادة.
المصدر الأصلي: اليوم
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.