المخرجة الكندية فيرميت: أتعامل مع الظلام بوصفه مساحة للتأمل
قالت المخرجة الكندية، راين فيرميت، إنَّ فيلمها الروائي الطويل «الروافع (Levers)» لا يقدِّم الظلام بوصفه مجرد خلفية للأحداث.
أكدت المخرجة الكندية راين فيرميت أن فيلمها الروائي الطويل «الروافع (Levers)» لا يستخدم الظلام مجرد خلفية للأحداث، بل يحوله إلى لغة سينمائية متكاملة، تمكن من رؤية الإنسان والعالم في لحظة فقدان كل ما كان يبدو ثابتاً.
تأتي هذه التجربة السينمائية امتداداً لاهتمام المخرجة الطويل بالظلام كفضاء بصري وروحي، حيث سبق أن قدمت أفلاماً تجريبية تعاملت مع المساحات السوداء كعنصر جمالي قائم بذاته.
وأوضحت المخرجة الكندية في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أنَّ العمل، الذي استغرق إنجازه نحو 6 سنوات، جاء نتيجة رحلة طويلة من البحث والتأمل والكتابة، سعت خلالها إلى تقديم تجربة بصرية تتجاوز الحكاية التقليدية، وتدعو المشاهد إلى عيش الفيلم أكثر من مشاهدته، لافتة إلى أنَّ فكرة الظلام صاحبتها منذ سنوات، إذ سبق أن قدمت عدداً من الأفلام التجريبية التي تعاملت مع المساحات السوداء بوصفها عنصراً جمالياً قائماً بذاته، لكنها شعرت خلال السنوات الأخيرة بأنَّ هذه الفكرة اكتسبت معنى جديداً مع التَّحوُّلات التي شهدها العالم.
وأشارت إلى أن جائحة كورونا والعزلة والقلق الذي رافقها حفزها على إعادة النظر في مفهوم الظلام، لا كغياب للضوء بل كحيز للتأمل واستكشاف ما يخفيه الإنسان في داخله.

وترى فيرميت أنَّ السينما الحديثة أصبحت أسيرة الصورة الواضحة والإضاءة الكاملة، بينما كانت هي تبحث عن الاتجاه المعاكس، فتسأل نفسها باستمرار: كيف يمكن للصورة أن تُبنى من العتمة؟ وكيف يصبح الظلام نفسه وسيلةً للحكي؟ لذلك لم يكن هدفها أن تخفي الأشياء داخل الكادر، وإنما أن تمنح المشاهد فرصةً لاكتشافها تدريجياً، وأن تجعل العين تشارك في صناعة المعنى، تماماً كما يفعل العقل.
ظلام شامل
تدور أحداث الفيلم في بلدة صغيرة في وادي النهر الأحمر بكندا، حيث يستعد الأهالي لكشف تمثال جديد، قبل أن يغير انفجار غامض حياتهم رأساً على عقب، ويغرق المنطقة في ظلام دامس ليوم كامل. ومع عودة الضوء، يجد السكان أنفسهم أمام أسئلة وجودية عن الموت والذاكرة والاستقرار والهشاشة الإنسانية.
وشهدت الدورة الماضية من «مهرجان تورنتو السينمائي الدولي» في كندا العرض العالمي الأول للفيلم، كما عُرض مؤخراً في مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» بالتشيك.
وكشفت فيرميت عن أنَّ السيناريو لم يبدأ كنصٍّ سينمائي بالمعنى المتعارف عليه، بل بدأ بمجموعة من القصائد، بعدما كتبت 22 قصيدة خلال فترة طويلة من العزلة والقراءة، لتكتشف أنَّ هذه النصوص، رغم استقلالها، تنتمي إلى عالم واحد، ومن هنا بدأت في تحويلها إلى مشاهد وشخصيات وإيقاع بصري، مؤكدة أن الشعر سبق السينما في هذه التجربة، وأن الكلمات كانت تبحث منذ البداية عن صور تحتضنها.

وأضافت أن رحلتها مع الفيلم تأثرت أيضاً بما شهدته أميركا الشمالية من أحداث، خصوصاً إسقاط تماثيل عدد من الشخصيات الاستعمارية خلال الاحتجاجات الشعبية، مثل تمثال كريستوفر كولومبوس وتمثال الملكة فيكتوريا، موضحة أن تلك المشاهد لم تكن بالنسبة إليها مجرد وقائع سياسية، بل دفعتها للتأمل في الطريقة التي يعيد بها المجتمع كتابة تاريخه، وكيف يمكن لصورة واحدة أن تغيِّر علاقتنا بالذاكرة والهوية والرموز التي اعتقدنا طويلاً أنَّها باقية.
إيقاع تأملي
ولم تقتصر مصادر إلهامها على الأحداث الجارية، فالمخرجة الكندية أكدت أنَّها قضت سنوات في قراءة الشعر والكتابات الفلسفية والروحية، إلى جانب أعمال عدد من الكُتَّاب السود، كما صاحبتها موسيقى الجاز طوال مراحل الكتابة، عادّةً أنَّ هذه العناصر مجتمعة صنعت المناخ الداخلي للفيلم، ومنحته ذلك الإيقاع التأملي الذي يطغى على مشاهده.
وعلى المستوى البصري، أوضحت المخرجة السينمائية أنَّها تعمَّدت الابتعاد عن الصورة الرقمية فائقة الوضوح، لأنَّها لا تعبِّر عن العالم الذي أرادت تقديمه، ولذلك اختارت التصوير على خام «16 مليمتر» (16mm)، مستخدمة كاميرات «بوليكس (Bolex)» قديمة، كان بعضها يعاني أعطالاً بالفعل، لافتة إلى أنَّ الخشونة البصرية، والحبيبات التي تملأ الصورة، ليست عيوباً تقنية، وإنما جزء من روح الفيلم، لكونها تمنح المشاهد إحساساً بأنَّ العالم الذي يراه هش، وغير مكتمل، مثل الشخصيات نفسها.

وأكدت أن أصعب ما واجهها لم يكن الجانب الفني وحده، وإنما طبيعة المشروع نفسه، إذ تولت كتابة السيناريو، والإخراج، والإنتاج، وإدارة التصوير في الوقت ذاته، وهو ما جعلها مسؤولةً عن كل مرحلة من مراحل التنفيذ، بداية من تطوير الفكرة وجمع التمويل، وصولاً إلى المونتاج وما بعد الإنتاج، مشيرة إلى أنَّ هذا التَّعدُّد في الأدوار فرض عليها ضغوطاً هائلة، لكنه منح الفيلم أيضاً خصوصيته، لكون كل تفصيلة مرَّت عبر رؤيتها الشخصية.
وقالت إنَّ فريق العمل لم يتشكَّل وفقاً لمعايير الإنتاج التقليدية، إذ ضمَّ في معظمه أصدقاءها وأفراداً من عائلتها، بينما خاض بعض المشاركين التجربة للمرة الأولى في مواقعهم داخل فريق الإنتاج، مشيرة إلى أنها كانت تبحث عن بيئة تقوم على الثقة والتعاون أكثر من اعتمادها على الخبرة وحدها.
وأشارت إلى أن رحلة التنفيذ لم تخلُ من العقبات، إذ واجه الفريق أعطالاً متكررة في الكاميرات، ومشكلات في خامات التصوير، فضلاً عن تحديات كثيرة خلال مرحلة ما بعد الإنتاج، حتى إنَّها كانت تشعر أحياناً بأنَّ المشروع يقاوم الاكتمال، وأنَّ عليها في كل يوم أن تبدأ من جديد، وتعيد إليه الحياة.
وعُرض الفيلم لأول مرة عالمياً في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، ثم في مهرجان كارلوفي فاري، مما يعكس اهتمام المهرجانات الكبرى بالتجارب السينمائية الجريئة. وتتميز تجربة فيرميت باستخدام كاميرات بوليكس القديمة وخام 16 ملم، مما يمنح الفيلم خشونة بصرية متعمدة تعبر عن هشاشة العالم المصور. ويعكس الفيلم أيضاً تأملات المخرجة في الهشاشة الإنسانية بعد جائحة كورونا والتحولات الاجتماعية في أميركا الشمالية، مثل إسقاط تماثيل شخصيات استعمارية.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.