تطور مسميات الفنون البصرية والمصطلحات ودلالاتها عبر الزمن
تأمل في تحولات المصطلحات الفنية واللغوية عبر الزمن، وكيف انعكست التغيرات الثقافية على مفاهيم الفن التشكيلي وصناعة الأفلام.
تراودني باستمرار تساؤلات حول المصطلحات والمفردات التي يطالها التغيير مع تعاقب الأيام، فعلى سبيل المثال، تذكرت كيف اعتدنا حتى وقت قريب على تسمية التنورة بـ "جونيلا"، وهي لفظة إيطالية نقلها الحجازيون غالباً عن المصريين، في حين اختفت هذه الكلمة تماماً اليوم لتصبح "تنورة" لدينا و"جيب" في مصر.
تشهد اللغات والثقافات عبر التاريخ تبدلات مستمرة في المفردات والمصطلحات تبعا لتحولات الفنون وأنماط الحياة والتبادل الحضاري.
جاءت هذه التوطئة لأنني انشغلت في الآونة الأخيرة، مع كل مرة أكتب فيها عبارة "فنان تشكيلي"، بالمصطلح البديل "فنان بصري"، بينما كنا نكتفي في السابق بكلمة "رسام" قبل أن تتحول إلى فنان تشكيلي ثم إلى فنان بصري حديثاً.
يفرق الفنانون بين الرسام والفنان التشكيلي على أساس أن الرسام تطلق على من يمتلك المهارة لكن بدون الرؤية والعمق الفني الذي يتمتع بها التشكيلي. بينما كنت أتخيل أن السبب هو أن الفنان التشكيلي يمكن أن يكون فناناً بدون أن يتقن مهارة الرسم بحرفية عالية.
لم يهدف مسمى "فنان بصري" الجديد إلى وضع تحديد أدق، بل على العكس تماماً، سعى إلى توسيع أفق مفهوم الفنان، لاسيما بعد إسهامات الفن الرقمي وفنون الفيديو وتقنيات أخرى عديدة في المشهد المعاصر لم تكن مدرجة في معجم الفنان التشكيلي.
أعطاني هذا التعريف راحة ما، لأنني أجدني مرتاحة في استخدام الكلمة بصيغتها الإنجليزية، لكن بالعربية أفضّل مصطلح "فنان تشكيلي" للفنان التشكيلي. في الإنجليزية كنت حين أعرف نفسي أقول كلمة فنان فقط، بدون توصيف أكبر لأن كلمة تشكيلي لم تكن تستخدم، أحيانًا أضيف تعبير تشكيلي بمعنى دهان، لأنها نفس الكلمة للاثنين في اللغة الإنجليزية، فمن الأسهل إذن أن أقول فنانة بصرية.
في السينما أيضًا، أصبح منتشرًا صيغة صانع أفلام، التي كانت في السابق مخرجًا. على الأقل في عالمنا العربي، ولا أعرف ولع المخرجين بهذه الكلمة مع أن كلمة مخرج هي أكثر دقة، لأن صانع الأفلام تشمل المخرجين والمنتجين والكتاب والمحررين، أي كل من له علاقة بصناعة الفيلم. ومع أن هناك جوائز باسم المخرج وليس باسم صانع الأفلام.
ذكرت المصطلحين اللذين لم أتأقلم معهما بعد، ربما أصبحُ أكثر مرونة مع مرور الوقت. سأعود إلى ذكر مصطلح كنا نستخدمه قديماً، وهو كلمة أجنبية استبدلناها بكلمة أجنبية أخرى، وأصبح الذي يستخدم القديمة ينظر له بأنه "دقة قديمة" وليس متطوراً بما يكفي، كنا نقول "ميز" وهي كلمة إيطالية، وأصبحنا نقول "بوفيه" وهي كلمة من أصل فرنسي، وليس لدينا حتى الآن كلمة عربية تطلق على هذه الطريقة في تقديم الطعام.
استخدامنا للكلمات يخضع لمنطق في الغالب يعتمد على المتحكم فينا، ممن نستقي فنوننا، وعاداتنا. الأمر ليس عشوائياً، أعتقد.
تعكس هذه التحولات اللغوية طبيعة التطور الثقافي والتأثر بالثقافات المهيمنة عبر التاريخ. كما توضح كيف أن لغة الفن والمجتمع في حالة دائنة ومستمرة من التجدد. ويبقى تتبع أثر هذه المصطلحات مدخلاً لفهم التحولات الاجتماعية والجمالية. هذه الظواهر اللغوية تستدعي دائماً قراءة أعمق لطبيعة التواصل البشري وتطور الفنون.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.