في معرضها الفردي «أكبر منّا (Larger Than Us)»، تدفع الفنانة اللبنانية-اليونانية ريّا متّى القميص الأبيض إلى التضخم والانفصال عن الجسد، ليصبح كتلة مستقلة بينما يتلاشى حاملها. تقوم هذه الحركة البصرية ببناء المعرض الذي يستضيفه غاليري «مايا آرت سبيس» في وسط بيروت، بتنسيق القيّمة الفنية رندا صدقة.

يأتي هذا المعرض في وقت يشهد فيه المشهد الفني اللبناني اهتماماً متزايداً بالتجريد والرمزية كوسيلتين لقراءة السلطة.

في معرضها، تعرض متّى سلسلتها الجديدة «القوة (Power)»، التي تتناول طبيعة السلطة وجاذبيتها وقدرتها على تبديل العلاقة بين الإنسان والرموز التي يبتكرها. القميص الأبيض هو محور الفكرة، ذلك الزي المرتبط في الذهنية العامة بالهيبة والنظام والمكانة المهنية والاجتماعية. ومع توالد اللوحات، يتحول هذا العنصر المألوف إلى رمز للسلطة وصورة للمؤسسات التي تكتسب نفوذاً يتجاوز نفوذ مؤسسيها.

ليس كلّ ما يبتلع الإنسان يملك فماً (مايا آرت سبيس)
ليس كلّ ما يبتلع الإنسان يملك فماً (مايا آرت سبيس)

لا تستند الأعمال إلى شخصيات أو وقائع سياسية مباشرة لاستحضار السلطة، فالفنانة تبنيها بصرياً عبر تضخُّم الكتل وتبدُّل الأحجام والعلاقة المختلّة بين الجسد والقميص. هذا القميص كلّما كَبُر، انحسر الجسد. وكلّما تكرَّرت أشكاله وتراكمت، فَقَدَ الفرد موقعه في التكوين. ريّا متّى تبتعد عن تجسيد السلطة في أشخاص أو أحداث بعينها، وتترك للأحجام والفراغات والنسب داخل اللوحة مَهمّة التعبير عنها، حيث يتراجع الإنسان أمام امتداد القميص المُتعاظم. بذلك، تكشف اللوحات عن كيفية تَبدُّل موازين العلاقة بين الإنسان والسلطة إلى أن تصبح القوة كياناً قائماً بذاته.

النسخة الجديدة قد تنسى قليلاً مَن كانت تقلّده (مايا آرت سبيس)
النسخة الجديدة قد تنسى قليلاً مَن كانت تقلّده (مايا آرت سبيس)

تفسح المساحات الواسعة ذات الألوان المحدودة المجال أمام القميص الأبيض ليتصدَّر المشهد. ويجعل التبايُن بين الأبيض والرمادي والأسود العين تنجذب إليه، في حين تضفي الخطوط الداكنة السريعة شعوراً بعدم الاستقرار، كأنَّ الأشكال توشك على الانهيار أو الانفلات. وفي لوحة يغمرها الأحمر، تزداد حدّةُ الصراع بين القمصان المتكدِّسة والفراغ المحيط بها، بينما تتراجع الحدود بين الجسد والملابس والفرد والجماعة. يخدم التكرار بناء الفكرة داخل المعرض. فهو يصنع إحساساً بمنظومة تتوالد من نفسها وتستنسخ صورتها وتضغط على ما تبقّى من البصمة الإنسانية.

الأشياء التي لا تنظر إلينا تُغيّرنا أكثر من غيرها (مايا آرت سبيس)
الأشياء التي لا تنظر إلينا تُغيّرنا أكثر من غيرها (مايا آرت سبيس)

ريا متّى مشغولة بالهوية والذاكرة والقوى المؤثرة في حياة الإنسان، وهي قضايا تعكس خلفيتها اللبنانية واليونانية. في «أكبر منّا»، تركز على السلطة وكيفية تغييرها لعلاقة الفرد بنفسه وبالآخرين. فكلما اتسع حضور الرمز في اللوحات، تراجع حضور الفرد، وأصبح موقعه وقيمته وصورته تابعة لمنظومة لا يستطيع السيطرة عليها.

تظهر الأجساد في عدد من الأعمال مجزأة أو مُحاصَرة داخل طيّات القمصان. وفي أعمال أخرى، يحضر الإنسان بحجم ضئيل عند طرف اللوحة، كأنه يراقب بناءً هائلاً لم يعد قادراً على التحكُّم فيه. ولا تحتاج متّى إلى مَشاهد صاخبة كي تتحدَّث عن السلطة. تضعها أمام العين كما لو أنها جزء معتاد من الحياة، فتبدو موجودة منذ البداية، من دون لحظة دخول أو إعلان عن نفسها.

في نهاية كلّ حكاية يبقى شيءٌ لا يعرف أنه نجا (مايا آرت سبيس)
في نهاية كلّ حكاية يبقى شيءٌ لا يعرف أنه نجا (مايا آرت سبيس)

يحتمل القميص الأبيض أكثر من قراءة. يمكن ربطه بالإدارة والعمل والطبقات المهنية، أو بالصورة الرسمية التي تمنح صاحبها شرعية اجتماعية. كما يحمل نظافة ظاهرية وانضباطاً لا يبقيان عند حدّ المظهر. ومن خلال هذا التناقض، تتجنَّب الأعمال تقديم القوة على أنها شرّ مطلق أو حالة مثالية. تكشف عن جاذبيتها أولاً ثم تراقب ما تفعله بمَن يقترب منها.

بذلك يتوقّف القميص الأبيض في أعمال ريّا متّى عن أداء مهمّته المعتادة. يخرج من الخزانة ومكان العمل ومن الجسد أيضاً، ليبدأ سيرة أخرى... سيرة أثر يبقى بعد انقضاء المشهد، يحتفظ بما مرَّ أمامه، بينما الوجوه تتبدّل وتغيب.

تتجنب متّى في أعمالها تقديم السلطة كشر مطلق، بل تبرز جاذبيتها أولاً ثم تكشف عن تأثيرها المزعزع. يدعو المعرض الزائر إلى التأمل في كيف يمكن للرموز أن تتفوق على منشئيها، وهو سؤال يظل مفتوحاً في عالم تزداد فيه هيمنة المؤسسات. يستمر المعرض في غاليري «مايا آرت سبيس» حتى موعد لاحق، ليتيح للجمهور فرصة استكشاف هذه العلاقة المعقدة.