تُظهر الأبحاث الحديثة تزايد الأدلة على أن ذوي الأصول العربية، خاصة من يعيشون في الولايات المتحدة، معرضون لخطر أكبر للإصابة بأمراض القلب وداء السكري مقارنة بمجموعات سكانية أخرى، نتيجة تشابك عوامل جينية وسلوكية واجتماعية تؤثر على صحتهم القلبية الأيضية.

تتفق الأبحاث على أن الفروق الصحية بين الأعراق تتطلب مقاربات مخصصة تأخذ في الاعتبار الخلفيات الثقافية والوراثية.

ويشدد الخبراء على أن هذه الفروق الصحية لا تحظى بتمثيل كافٍ في أنظمة الرعاية والبحوث الإكلينيكية، مما يستوجب تطوير وسائل التشخيص المبكر وبرامج وقائية مصممة خصيصاً لتتناسب مع السمات الصحية لهذه المجموعة.

ويقول الدكتور سدير الكندي، اختصاصي أمراض القلب والمدير المشارك لقسم الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية والعافية، في مستشفى هيوستن ميثوديست، إن مفهوم «الصحة القلبية الأيضية» يربط بين أمراض القلب والسمنة والسكري وأمراض الكلى، مؤكداً أن هذه الأمراض لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها.

ويشير الكندي إلى أن الجاليات العربية المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية، يُصنف أفرادها ضمن العرق الأبيض في قواعد البيانات الصحية الأميركية، وهو تصنيف قد يحجب فروقاً صحية مهمة. وتوضح دراسات استخدمت مؤشرات بديلة، مثل اللغة أو اسم العائلة، أن هذه الفئة قد تكون أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم والسكتة الدماغية وأمراض القلب، فيما يبرز مرض السكري بوصفه أحد أهم عوامل الخطر؛ إذ أظهرت بعض التحليلات أن معدل انتشاره بين الأميركيين العرب يزيد على ضعفَي المعدَّل المسجّل لدى الأميركيين البيض.

رسم توضيحي بمساعدة الذكاء الاصطناعي يوضح العلاقة بين صحة القلب والاوعية الدموية وصحة الكبد والامعاء (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي بمساعدة الذكاء الاصطناعي يوضح العلاقة بين صحة القلب والاوعية الدموية وصحة الكبد والامعاء (الشرق الأوسط)

يعزو الباحثون هذه الفروق ليس فقط للعوامل الوراثية، بل أيضاً لمحددات اجتماعية وسلوكية كالتدخين وقلة النشاط البدني وصعوبة الحصول على الرعاية. ويبرز تدخين الأرجيلة كعامل رئيسي، إذ ينبه الخبراء إلى الاعتقاد الخاطئ بأنه أقل ضرراً من السجائر، فيما قد تعادل الجلسة الواحدة استنشاق دخان عشرات السجائر، مما يرفع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب ويزيد خطر أمراض القلب والشرايين.

كما يشكل النظام الغذائي مفارقة كبيرة أيضاً؛ فقد أظهرت الدراسات أن حمية البحر المتوسط التقليدية، المنتشرة في أقسام كبيرة من المنطقة العربية، تُقلل من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية. ومع ذلك يشير الباحثون إلى أن العديد من الأفراد العرب يتبنّون أنظمة غذائية غربية بعد الهجرة، مما قد يُفاقم المخاطر القائمة.

وبعيداً عن نمط الحياة، تُشير البيانات الحديثة إلى اختلافات جينية وأيضية مُحتملة. على سبيل المثال، قد يُعاني بعض الأفراد من المنطقة العربية من توزيع ضار للدهون، خصوصاً حول البطن والأعضاء الداخلية، حتى وإن كان وزن الجسم الإجمالي طبيعياً. ويشير الدكتور الكندي إلى أن «هذا قد يُفسّر ارتفاع خطر الإصابة بداء السكري حتى وإن لم تكن معدلات السمنة أعلى بشكل ملحوظ».

وتُسلط نتائج أخرى الضوء على مخاطر فريدة لدى فئات أخرى محددة كالنساء؛ إذ تظهر النتائج أن معدلات الإصابة بسكري الحمل لدى النساء العربيات أعلى بكثير مقارنة بالنساء من العرق الأبيض وغير الأصول الإسبانية، مما يثير مخاوف بشأن صحة الأم وصحة النساء على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، تستمر المحددات الاجتماعية الأوسع نطاقاً للصحة، كالدخل الفردي للمرأة، والضغط النفسي، والتمييز ضدهن، وقدرتهن على الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، في التأثير على نتائج الأبحاث. وفي بعض الحالات، تؤثر هذه العوامل بشكل غير متناسب على النساء، مما يؤثر على كل من المخاطر وتطور الأمراض.

وعلى الرغم من المخرجات البحثية، يحذر الدكتور الكندي من أن سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليسوا متجانسين على الإطلاق؛ إذ تتفاوت المخاطر الصحية بشكل كبير حسب البلد الأم، والثقافة، وتجربة الهجرة، مما يؤكد الحاجة إلى مزيد من البحوث والتدخلات المصممة خصيصاً، إلا أنه يؤكد «أن مسار الوقاية في جميع الحالات يبقى مألوفاً».

ويضيف الدكتور كندي: «يساعد اتباع حمية غذائية صحية والمحافظة على روتين نشاط جسدي متوازن، في التحكم بضغط الدم ومستويات السكري في الدم. ويشكل الابتعاد عن التبغ ومشتقاته، والحصول على القسط الكافي من النوم، أسس صحية لجميع الأشخاص».

ويشدد الدكتور الكندي على أن «نهجاً واحداً لا يناسب الجميع»، لذا مع توسع الأبحاث هنالك حركة متنامية لتحسين تحديد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة في أنظمة الرعاية الصحية الأميركية؛ وتحسين الكشف المبكر، لا سيما مرض السكري، وتطوير تدخلات ملائمة ثقافياً تعالج عوامل الخطر الطبية والاجتماعية.

ويجري الدكتور الكندي وزملاؤه دراسة نشطة لأمراض القلب والأوعية الدموية لدى السكان العرب الأميركيين المقيمين في مدينة هيوستن؛ حيث أسسوا دراسة طولية لتقييم للأمراض لدى العرب الأميركيين، لفهم هذه المخاطر بشكل أفضل.

ويختتم الكندي بالتأكيد أن فهم هذه الفوارق يمثل الخطوة الأولى نحو تطوير رعاية صحية أكثر دقة وفاعلية، ورعاية أفضل للجميع.

وتبرز هذه المعطيات الحاجة الملحة لتحديث أنظمة التصنيف الصحي لتشمل فئات فرعية مثل العرب، وتصميم استراتيجيات وقائية تراعي خصوصياتهم. كما أن فهم العوامل المسببة، من الجينات إلى السلوك والبيئة، قد يمهد الطريق لتحسين النتائج الصحية على المدى البعيد. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في تجاوز الاعتقاد بتجانس هذه الفئة، والعمل على دراسات أكثر تفصيلاً تأخذ بالاعتبار التنوع الجغرافي والثقافي داخل الجاليات العربية.