طب يدار بالفواتير
في ممرات المستشفيات، حيث تختلط الآلام بالآمال، لا يرى المريض في ملفه الطبي إلا شعلة أمل نحو الشفاء، بينما تختبئ خلفه معارك إدارية لا تدرك أن كل تأخير في القرار أو تعنت في الإجراء هو تقصير في حقه.
هذه الإشكالية تعكس توترًا مزمناً بين الضوابط الإدارية والممارسة الطبية، حيث تتضارب المصالح على حساب المريض.
نحن اليوم أمام أزمة ثقة تفتت العلاقة بين أطراف منظومة الرعاية، حيث يجد المريض نفسه عاجزًا، يتحمل وطأة صراع دائم بين شركات التأمين ومقدمي الخدمات، وكأن صحته صارت ثمنًا يدفعه في هذا التجاذب. فشركات التأمين تنظر إلى قرارات الأطباء بريبة، خوفًا من أن تكون الخطط العلاجية وسيلة لتضخيم الفواتير، مما يدفعها إلى سياسات رفض وقائية. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض مقدمي الخدمة يبالغون في المتطلبات، فيتحول المريض من إنسان يطلب الشفاء إلى صفقة تجارية تهدف لتعظيم العوائد، متجاهلين الأسس العلمية الدقيقة للرعاية.
وبدوري تواصلت مع هيئة التخصصات الصحية السعودية التي أفادت أنها تسجل الممارسين وتمنحهم عضويات ولا تصدر لهم تراخيص مزاولة المهنة، حيث إن ترخيص مزاولة المهنة يصدر من وزارة الصحة، وأضافت أن عضوية هيئة التخصصات الصحية متاحة لجميع الأطباء العاملين في شركات التأمين ولا يوجد ما يمنع ذلك.
هذه الفجوة العميقة لا يمكن سدها بالاتهامات المتبادلة أو بالتشديد الإداري. فقد بزغت مبادرة عملية تستحق التأمل، تقترح إخضاع أطباء التأمين لترخيص "هيئة التخصصات الصحية" لضمان الكفاءة والحيادية؛ بحيث يكون الرفض أو القبول مرتكزًا على منطق طبي سريري رصين، لا على تقديرات محاسبية عشوائية.
إن هذا المقترح بقدر ما هو إجراء تنظيمي، إلا أنه "مصلحة عامة" تبدأ بحفظ حق المريض، وتمر بتعزيز مصداقية المستشفيات، وتصل إلى استقرار أداء شركات التأمين، ومع ذلك لا يزال هذا التوجه ينتظر استجابة تعي أبعاده الاستراتيجية.
ومع ذلك، يبقى الإنصاف واجباً؛ فالتأمين الصحي -بكل ما يعتريه من تحديات وعثرات– يظل خياراً أفضل بكثير من العودة إلى أزمنة الانتظار الطويلة في المستشفيات الحكومية أو وطأة تكاليف "الكاش" الباهظة في القطاع الخاص التي قد تنهك كاهل الأسرة. إن الوضع الراهن، رغم كل مساوئه، هو محطة في طريق طويل لبناء نظام فعال.
إن الحوكمة ميثاق أخلاقي، ولن يستقيم حال التأمين إلا حين ندرك جميعاً أن "الفاتورة" مهما بلغت أرقامها، لن تعادل قيمة لحظة واحدة يعود فيها المريض معافى إلى منزله، إننا بحاجة إلى ثورة في الضمائر تسبق ثورة التنظيم، لنكف عن مقايضة حياة الناس في أسواق الربح والخسارة، ونعيد للمهنة الطبية وهجها الإنساني الذي لا يقبل المساومة، فالمريض ليس مجرد رقم في سجل، إنما هو أمانة تستوجب التقدير قبل التبرير.
المقترح بإخضاع أطباء التأمين لترخيص الهيئة يهدف إلى إضفاء الطابع المهني على عملية الموافقات، لكنه لم يلقَ بعد الاستجابة المنشودة. وفي غياب تنظيم متوازن، يظل المريض هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق توازن بين حسابات التكلفة وواجب الرعاية.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.