رغم التطورات المتسارعة في المجال الطبي، يظل سرطان القولون والمستقيم من بين أكثر الأورام فتكاً في أميركا، إلا أن فرص الشفاء منه تبقى عالية إذا تم تشخيصه في مراحل مبكرة.

وقد دفع تزايد الإصابات بين الفئات العمرية الأصغر إلى مراجعة التوصيات الطبية بشأن سن بدء الفحوص.

سرطان يهدّد الأصغر سناً

في المقابل، يشهد هذا السرطان تحولاً خطيراً يتمثل في ارتفاع معدلات الوفيات بين البالغين الأصغر سناً مقارنة بعقود مضت، حيث أصبح السبب الأول للوفيات الناجمة عن السرطان لدى من تقل أعمارهم عن 50 عاماً، بعد أن كان في المرتبة الخامسة أوائل التسعينات، وفقاً لدراسة نُشرت في دورية «جاما» في يناير 2026.

ويتمثل التحدي الأكبر في خفض هذه الأرقام في عزوف الكثيرين عن فحوص الكشف بسبب شعورهم بعدم الارتياح أو صعوبة الإجراء. وفي هذا السياق، يوضح الدكتور لورانس فريدمان، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي في مستشفى نيوتن-ويلزلي التابع لجامعة هارفارد، أن هذا الواقع يحفز جهوداً مستمرة لتوسيع نطاق الفحوص وتحسينها.

ويؤكد فريدمان، المساعد لرئيس قسم الطب في مستشفى ماساتشوستس العام، ضرورة مواصلة تطوير فحوص الكشف، مشيراً إلى أن نسبة من يخضعون لفحص منظار القولون الموصى به جاءت «مخيبة للآمال»، حيث كان يُتوقع أن تصل إلى 80% بحلول عشرينات القرن الحالي، لكنها لا تتجاوز حالياً نحو 60% فقط.

وتابع قائلاً: «جميع فحوص الكشف لها مزايا وعيوب، لكن جميعها يحمل بعض الفائدة في اكتشاف سرطان القولون والمستقيم في مرحلة مبكرة قابلة للشفاء. ولهذا؛ هناك توجه مستمر لمنح الناس خيارات أكثر».

وحسب تقديرات الجمعية الأميركية للسرطان، سيجري تشخيص نحو 159000 أميركي بسرطان القولون أو المستقيم خلال عام 2026، في حين سيموت قرابة 55000 شخص بسبب هذا المرض.

تحسينات منظار القولون

دفع ارتفاع معدلات الوفيات الناجمة عن سرطان القولون والمستقيم بين البالغين الأصغر سناً، نحو إدخال تغييرات حديثة على التوجيهات الإرشادية الخاصة بفحوص الكشف عن سرطان القولون. وابتداءً من عام 2021، أوصت «قوة مهام الخدمات الوقائية الأميركية» بالبدء في إجراء فحوص الكشف من سن 45 عاماً للبالغين من أصحاب المخاطر المتوسطة - أي أولئك الذين لم تظهر لديهم أي نمّوات سرطانية أولية (تسمى الزوائد اللحمية أو البوليبات polyps)، وليس لديهم تاريخ عائلي قوي للمرض.

ويبقى فحص منظار القولون، الذي يستخدم فيه الطبيب أداة رؤية خاصة لفحص القولون والمستقيم من الداخل، «المعيار الذهبي»؛ لأنه يتيح للطبيب اكتشاف الزوائد اللحمية وإزالتها، في إجراء طبي واحد. ويكتشف منظار القولون 95 في المائة من حالات السرطان الموجودة لدى الأشخاص، الذين يخضعون لهذا الإجراء.

إلا أن منظار القولون يتطلب تنظيف وتطهير الأمعاء مسبقاً في عملية مرهقة (يطلق عليها اختصاراً «التحضير»)، والتي تتطلب تناول كميات كبيرة من سوائل غالباً ما تكون سيئة المذاق، وقضاء ساعات داخل الحمام أو بالقرب منه. وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت طرق تحضير الأمعاء أكثر ملاءمة وقبولاً، مع الاستعانة بمستحضرات ذات مذاق أفضل، وإقرار خيار «الجرعات المقسمة»، الذي لا يتطلب شرب 4 لترات من السوائل دفعة واحدة.

وفي الوقت نفسه، أسهمت تقنيات التشخيص بمساعدة الكمبيوتر في تحسين اكتشاف الزوائد اللحمية، وأصبح الأطباء يقضون وقتاً أطول، الآن، في فحص القولون. وعن ذلك، قال الدكتور فريدمان: «تضافرت كل هذه العوامل معاً، لتعزز منظار القولون من حيث الجاذبية والفاعلية».

بدائل مريحة ومناسبة

تتوفر اليوم بدائل متزايدة لمنظار القولون، تتيح مستوى أكبر من الراحة والملاءمة، رغم أنها عموماً ليست بفاعلية منظار القولون نفسها، فيما يخص كشف التشوهات، علاوة على أنها تنطوي على عيوب أخرى. وفيما يلي الخيارات المتاحة للأشخاص، الذين يعتبرون ضمن فئة الخطر المتوسط للإصابة بسرطان القولون والمستقيم:

• فحوص البراز المنزلية: تتوفر في نوعين:

- اختبار البراز المناعي الكيميائي السنوي (FIT): يستخدم الأجسام المضادة للكشف عن الدم غير المرئي في البراز.

- فحص الحمض النووي (DNA) في البراز: يبحث عن كل من الدم والمؤشرات الجينية للخلايا السرطانية في البراز. وقد أثبت الخيار الأحدث، «كولوغارد بلس Cologuard Plus»، دقة بلغت قرابة 94 في المائة في التجارب الطبية. وينبغي تكرار هذا الفحص كل ثلاث سنوات.

• الفحوص المنزلية: وأوضح الدكتور فريدمان أنها مريحة وغير جراحية، لكنها تظل أقل فاعلية في اكتشاف الزوائد اللحمية (البوليبات).

• فحص الدم في العيادة: في يوليو (تموز) 2024، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أول فحص دم للكشف عن سرطان القولون والمستقيم. ويحمل الفحص اسم «شيلد Shield»، ويرصد شظايا الحمض النووي للورم الذي تتدفق في الدم، ويمكن إجراؤه خلال زيارة روتينية للطبيب. وتبلغ دقة هذا الفحص قرابة 84 في المائة في تحديد وتشخيص سرطان القولون والمستقيم.من جهته، وصف الدكتور فريدمان فحص «شيلد» بأنه خيارٌ جذاب؛ لأنه لا يتطلب جمع عينات براز أو تحضير الأمعاء. إلا أنه، كما الحال مع فحوص البراز، لا يمكنه الكشف عن الأورام الحميدة بدقة، ناهيك عن إمكانية إزالتها، كما الحال في منظار القولون.

وأضاف: «إذا كانت نتيجة أي من هذه الفحوص البديلة إيجابية، فسيتعين عليك الخضوع لمنظار القولون، الذي ربما كنت تحاول تجنبه. وأُفضّل أن أعدّ منظار القولون بمثابة «خدمة شاملة».

• اختيار الفحص المناسب. شرح الدكتور فريدمان أن أفضل فحص للكشف المبكر، هو الفحص الذي ستخضع له. ومع أن اختيارك قد يتأثر بعوامل، مثل سهولة الإجراء، وتكراره، ودقته، فمن المرجح أن أي تجربة سابقة مع الفحوص - مثل التحضير لتنظير القولون - تلعب دوراً بالأمر كذلك. وأضاف: «إذا كان لديك تاريخ عائلي للإصابة بسرطان القولون والمستقيم، أو وجود أورام حميدة عالية الخطورة في سن مبكرة، فينبغي لك حقاً الخضوع لمنظار القولون».

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»

- خدمات «تريبيون ميديا»

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

وتبرز أهمية هذه التطورات في أن سرطان القولون والمستقيم قابل للعلاج بشكل كبير إذا تم اكتشافه مبكراً، إلا أن انخفاض نسب الإقبال على الفحوص يقوض هذه الفرصة. وتشير تقديرات الجمعية الأميركية للسرطان إلى تشخيص نحو 159 ألف حالة جديدة و55 ألف وفاة في 2026. ومع أن منظار القولون يبقى «المعيار الذهبي» بدقة 95%، إلا أن الكثيرين يتجنبونه، مما يعزز الحاجة إلى اختبارات أقل توغلاً. وتأمل الجهات الطبية أن تساهم التوصيات الجديدة التي تخفض سن الفحص إلى 45 عاماً في رفع نسب الكشف المبكر كما حدث مع دول طبقت إجراءات مماثلة.