أصعبُ ما في هذه الدنيا أن يرتحل الإنسانُ عمن يحبّهم ويحبّونه، وأن ينأى بعيداً عن قومٍ أَلِفَهم وَأَلِفُوه، فيستودعهم ذكرياته، ويجعلهم جزءًا جميلاً من حياته، وفصلاً مؤثراً من سرد حكاياته، فلا يُمكن نِسيانُهم، ويصعب أن يُسّدَّ مكانُهم، عندئذ يكون طعمُ الفراقِ مُرّاً، ويستحيلُ أَثَرُ الوَدَاعِ جَمْرَاً، ولكن هذا هو حال الدنيا، فالناسُ فيها بين نزولٍ وارتحال، وآلامٍ وآمال؛ ولهذا تفاوتوا في ألم الوداع، وتباينوا في احتمال الفراق، ما بين شاكٍ وباكٍ، وصابر وشاكر، وكما قال الشاعر من قبل، وهو أسامة بن منقذ «584»هـ: «شكا ألمَ الفراقِ الناسُ قبلي ... وَرُوِّعَ بالنّوَى حَيٌّ وَمَيتُ».

ولئن كان للفراق نوعين: قصيرٌ في هذه الدنيا مؤقت، وطويلٌ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإن الوداع في كل حالاته وأشكاله أمرٌ موجع؛ لأنه باختصار «فراقُ من تُحِبّ»!، فما يتركه هذا الوداع من لوعة في القلب أمر صعب، ولكنها سنّة الحياة، «أحبِبْ من شِئْتَ فإنّكَ مُفُارِقُه»، ولأجل هذا الوداع بكى الشعراء طويلاً، وتحسّر العشّاقُ كثيرًا، ورقّت لأفئدة المودِّعين الطير، وحنّت لقلوب الراحلين المسافات، غير أن الذي يسلّي في موضوع الفراق -أياً كان نوعه- هو الأمل؛ «فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»، فالفراق الطويل يسلّي فيه قوله تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ»، والفراق القصير يسلّي فيه قول الشاعر: «وقد يجمع اللهُ الشَّتيتَينِ بَعدَما ... يَظُنَانِ كُلَّ الظَّنَّ أَلَّا تَلاقِيا».

قلتُ هذا، عندما رحلتُ عن أحبّةٍ رائعين، وإخوة متصافين، وجيرانٍ مترابطين، كنا وإياهم بمنزلة أسرة واحدة، بعد أن مكثنا طويلاً، كانوا كما قال الشاعر: «هم الأهلُ لا مُستَودَعُ السِرَّ ذائِعٌ ...»، وقد فارقتهم دون أن أودّعهم، وكان بعضهم قد أحسّ بقرب موعد سفري، فكان يطلب مني ألا أفارقه حتى يودعني، ولكن لأنني لا أحتمل لحظات الوداع الصعبة، ولأنني لا أريد أن أُدخِل في نفوس أولئك الطيبين الضيق، أو أشقّ عليهم بمناسبات التوديع الحزينة؛ رحلتُ عنهم في صباح يومٍ هادئ دون أن يعلموا، وأنا أردّد في نفسي أبياتاً من فراقية ابن زريق البغدادي «420»هـ الشهيرة:

«وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي ...

صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ

وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً ...

وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ».

وكان بعضهم قد اعتدتُ رؤيتَه، وأَلِفْتُ صحبتَه، ثم حَدَث أن انقطعنا، وانشغلنا، وفرّقتنا الدنيا زمناً، ولكنّ الوُدَّ بيننا ما زال خفّاقاً لم ينقطع، إلى أن التقينا مرة أخرى، غير أنه كان لقاء الوداع، فتذكّرتُ حينها قول أبي الطيب:

«بأبي مَنْ وَدِدْتُهُ فَافْتَرَقْنَا ...

وقَضَى الله بَعْدَ ذَاكَ اجْتِمَاعَا

فَافْتَرَقْنَا حَوْلاً فَلَمّا التَقَيْنَا ...

كَانَ تَسْلِيمُهُ عَليّ وَدَاعَا»

فكان اللقاء وداعاً، وولّتْ الذكرى سراعاً، حتى لقد «فاضت دموع العين مني صبابةً على النّحر حتى بلّ دمعي محملي»، و»لقد لقيتُ الحادثاتِ فما جَرَى، دمعي كما أجراه يومُ فراقِ».

نعم، لقد اغرورقت عيناي بالدموع عند الرحيل، ولقد آلمتني تلك الدموع التي رأيتُها تودّعني، حتى أولئك الذين لم أكن أتوقع أن أرى دموعهم عند الرحيل، قد صنعوا للوداع هيبتَه، ورسموا للفراق لوحتَه، أما الذين احتفظوا بأدمعهم، فأولئك الذين أرّقوني وأقلقوني، إذ كان لصمتهم جَمَالاً، ولانحباس دموعهم جَلَالاً، حتى لقد أصبح الوداعُ أنيقاً، وأضحى الفراقُ صديقاً، وَجَعلتُ الأملَ لي طريقاً، فكل شمس غربت، ستشرق من جديد، وكما يقول الأديب الألماني «غوته»: «بالآمال الحلوة، يصبح الفراقُ عيدًا».