علي محمد الحازمي

حين أصبح اليقين ميزة تنافسية

تاريخ 23 يوليو 2026 - 00:01 | آخر تحديث 23 يوليو 2026 - 00:01

تسعى الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء إلى إعادة صياغة استراتيجياتها التنافسية للتكيف مع المعطيات العالمية الجديدة.

تابع قناة عكاظ على الواتساب

في الماضي، اعتمد تنافس البلدان على استقطاب الاستثمارات عبر آليات تقليدية شملت خفض الضرائب وتوفير عمالة منخفضة الأجر ومنح أراض وحوافز مالية إلى جانب استغلال وفرة الموارد. وكان الاعتقاد السائد يحصر وجهة المستثمر نحو السوق ذات العائد الأكبر، إلا أن هذا المفهوم تراجع بمرور الوقت. ومع اتساع نطاق الاضطرابات العالمية، تبدلت أولويات رأس المال ليصبح الهاجس الأكبر ليس حجم الأرباح المحتملة، بل مدى إمكانية استشراف ما سيؤول إليه الغد. وتعتبر هذه المعضلة شأناً اقتصادياً بحتاً وليست مجرد انطباع نفسي؛ إذ يشكل الغموض الهاجس الأكبر للمستثمر متجاوزاً المخاطر التي يمكن قياس تسعيرها باعتبارها جزءاً أصيلاً من التجارة، بينما يؤدي الغموض إلى تراجع القدرة على التنبؤ وتضخم تكاليف رأس المال وإرجاء الخطوات الاستثمارية.

اعتادت الأسواق المالية تاريخياً على استيعاب التموجات الاقتصادية وزيادة الفوائد وتذبذب أسعار الصرف والدورات الاقتصادية المتعاقبة. غير أن الأعوام الأخيرة جلبت نوعاً مستحدثاً من الضبابية تمثل في النزاعات التجارية واختلال سلاسل التوريد والتوترات الجيوسياسية والتطورات السريعة بالسياسات الصناعية والتجارية. وأمام هذا الواقع، فضلت الشركات الالتجاء للبلدان التي تضمن وضوحاً أكبر وإمكانية أعلى للتنبؤ بأوضاعها.

هنا برز تحوّل مهم في مفهوم التنافسية، حيث لم تعد الميزة التنافسية للدول تُقاس فقط بحجم السوق أو وفرة الموارد أو انخفاض التكاليف. أصبح معيار التنافسية يشمل أيضًا جودة المؤسسات، واستقرار الأطر التنظيمية، ووضوح السياسات الاقتصادية. قد يعود السبب في ذلك، كون كلما زادت قدرة المستثمر على توقع اتجاهات السياسة الاقتصادية، انخفضت تكلفة عدم اليقين، وارتفعت جاذبية الاقتصاد. لهذا السبب، قد تجد اقتصادًا ينمو بوتيرة معتدلة لكنه يجذب استثمارات ضخمة، في حين يواجه اقتصاد آخر يتمتع بإمكانات كبيرة صعوبة في استقطاب رؤوس الأموال بسبب تقلب البيئة التنظيمية أو غياب وضوح السياسات. إلى جانب معدلات النمو، يولي المستثمر أهمية كبيرة لقدرة الدولة على توفير بيئة اقتصادية يمكن التنبؤ بها.

من هنا، تجاوزت الإصلاحات الاقتصادية هدف تحسين المؤشرات الكلية، لتصبح وسيلة لترسيخ الثقة في البيئة الاقتصادية. وحتى تتضح الرؤية، تعزيز الحوكمة، واستقرار التشريعات، ورفع جودة المؤسسات، وتحسين كفاءة القضاء، وتسريع الإجراءات، جميعها تُعد استثمارات اقتصادية تخفض تكلفة ممارسة الأعمال، وتمنح القطاع الخاص القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل.

هذا لا يعني أن اليقين الكامل ممكن، كون العالم بطبيعته يتغيّر، ولا توجد دولة تستطيع إزالة المخاطر أو منع الصدمات الخارجية. الفارق الحقيقي يكمن في قدرة الدول على تقليل حالة عدم اليقين، وجعل قواعد اللعبة واضحة ومستقرة حتى في أوقات التقلب. المستثمر لا يبحث عن اقتصاد بلا مخاطر، وإنما عن اقتصاد يعرف كيف يديرها. ربما لهذا السبب، أصبحت المنافسة بين الاقتصادات اليوم أكثر تعقيدًا، لأنها لم تعد تدور فقط حول من يمتلك النفط، أو الموانئ، أو البنية التحتية، إنما حول من يستطيع أن يمنح المستثمر ما أصبح نادرًا في عالم سريع التغيّر «الثقة في المستقبل». اليقين لم يعد رفاهية مؤسسية، بل أصبح أحد أهم الأصول الاقتصادية التي تتنافس عليها الدول لجذب الاستثمار وتحقيق النمو المستدام.

تؤكد هذه التحولات أن استقطاب الاستثمارات الأجنبية لم يعد يعتمد فقط على الوفرة الطبيعية أو الحوافز الضريبية التقليدية. وبات لزاماً على الدول تطوير منظوماتها التشريعية والحكومية لتعزيز الشفافية والحد من الغموض التنظيمي. وتظل القدرة على بناء الثقة الاقتصادية وتقديم بيئة أعمال مستقرة هي الفيصل في ديمومة النمو وجذب رؤوس الأموال بعيدة المدى. وينبغي للمؤسسات متابعة مدى قدرة الاقتصادات المختلفة على مواكبة هذه المتغيرات دون الإخلال بوضوح قواعد اللعبة.