الطاقة والصناعة.. الآن تتحرك الملفات الثقيلة! - عبدالوهاب الفايز
عندما أُعلن عن وضع قطاعي الطاقة والصناعة تحت قيادة وإدارة واحدة، دون دمج الكيانين، اعتبر المتابعون ذلك خطوة موفقة تجمع النور إلى النور.
يأتي هذا التوجه في إطار الإصلاحات الإدارية التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030، والتي تهدف إلى تحسين كفاءة العمل الحكومي وتوحيد الجهود.
طاقةومرافق
هؤلاء المراقبون المتابعون لتطور الإدارة العامة لم يعودوا يفضلون الدمج أو الفصل، لأنها نظريات ممتازة براقة، وقد سبق دمج الصناعة والطاقة لكنه لم يُستثمر كما ينبغي. والدمج عملية معقدة تتقاذفها النزعات البشرية، فمنهم من يتمسك بصلاحياته وإداراته وموظفيه ومصالحه، مما يجعله يقاوم التغيير، ومنهم من يقبل به. وهكذا تتشكل القناعات.
وعموما ما يجري في القطاع العام من إصلاح وتطوير ودمج او فصل او إلغاء في الكيانات الحكومية هدفه المستقر في أدبيات الحكم هو المصلحة العليا للشعب السعودي، وهذا جوهر (الحكم الصالح)، وهو روح الرؤية الآن، ولا يهم أين تذهب الآراء والتفسيرات، في الدمج أو الفصل، أو الإلغاء!
من هذا المنطلق، نرى أن توحيد القيادة أو الهرم الإداري في منظومة الطاقة والصناعة تحت مسؤولية الأمير عبدالعزيز بن سلمان، يعد قراراً إيجابياً للمصلحة العامة وتدعمه مبررات موضوعية فنية كثيرة بسبب العلاقة العضوية بين القطاعين. ومن خلال خبرتنا في الصحافة الاقتصادية على مدى ثلاثة عقود، كنا غالباً في دائرة التجاذب الفني والإداري بين قيادات المنظومتين، محافظين على الحياد الموضوعي لأن كل طرف يملك مبرراته الفنية، خاصة في بلد ينمو ويواجه تحديات كبرى.
من التحديات المستمرة تحقيق الانسجام بين الطاقة والصناعة، فالصناعة لا تقوم دون إمداد طاقة مستقر وأسعار داعمة، وهذه ميزة تنافسية للبلاد. الطاقة سلعة نادرة ونعمة تتطلب كفاءة عالية. في الحوارات العامة والخاصة، كانت القضية الأساسية: من يتحمل كلفة الدعم؟ أين يُرحل: للمستثمر، للمستهلك، أم للخزينة العامة؟ وكل طرف لديه مبرراته.
ولكن التكلفة على الاقتصاد الكلي للبلد وتعطل مشاريعه وتأخر مصالحه.. أحياناً نرى لا منافح عنها؛ وكانت هذه هي منطقة الألم الكبرى المقلقة حتى يُقيض الله من يتصدى لها، ويأخذ بيده زمام الأمور للعلاج الحاسم.
وهذا الذي نراه بعد تكليف الامير عبدالعزيز بهذه المهمة، وندعو الله مخلصين أن يكتب الله لقيادة بلادنا وقيادات المنظومتين النجاح والتوفيق، فالنجاح سوف يمتد اثره ويتعدى للأجيال القادمة، والآن كلنا نجني الثمار التي وضعها قادة الطاقة والصناعة قبل خمسين عاما؛ إنه ماراثون إنجاز لا تنطفئ شعلته. وهذا ما نتطلع إليه، فالتحول والريادة في قطاع الطاقة - الذي هو مستقبل ورخاء بلادنا وأجيالها على مدى الـ 100 سنة القادمة - ترتبط بشدة بوجود قطاع صناعي متطور، واستثمار امثل لثرواتنا الطبيعية.
نعود لموضوعنا وهو التوحيد لـ (الهرم الإداري)، فهذا الأمر يضع أمامنا هموم الطاقة وملفات الصناعة، ومنها:
الهم الأول، هو توفر (اللقيم) وهو حاجة صناعة المستقبل التحويلية الأساسية، والذي يرتبط مباشرة بقطاع الطاقة. هنا المطلوب الموازنة بين استثمار كل جزئ من الطاقة الأحفورية، مع تحفيز الصناعات المحلية لتعزيز قدرتها التنافسة عالميًا. الحكومة السعودية منذ انطلاق صناعة البتروكيماويات وهي تدعم هذا القطاع. ما نحتاجه هو حوكمة هذا الأمر بدقة عالية، (وهنا أهمية الهرم القيادي في المنظومتين)، فهو القادر على حسم الموقف، مع حرصه على مصلحة القطاعين، واتاحة الفرصة لكل منهما لابتكار افضل الحلول وتحقيق النتائج.
الهم الثاني، (أمن الطاقة)، وهو مفهوم رسّخه الأمير عبدالعزيز، وفيه تتكامل المنظومتان، لأن أمن الطاقة ليس فقط ضمان تدفقها، بل في تكامل كل مكوناتها، لوجستيا وصناعيا، وابتكاريا. أمن الطاقة، مثلا، يتحقق عبر المكونات بكل تفرعاتها وتنوعها، وتصنيعها وتوطينها، وقيادة الريادة فيها. وهذا مرتبط بشكل كبير في منظومة صناعية متطورة تضع في أولويتها خدمة قطاع الطاقة.
الهم الثالث، (التحول الطاقي) الجديد المتمثل في الطاقة المتجددة، وتخزين الطاقة، ونقل الطاقة بكل مافيها من محطات ومكونات وغيرها.
الهم الرابع، وهو ارتباط كل مكونات قطاع الطاقة بالثروة المعدنية، والتي تملك منها المملكة مخزونات كبيرة. هذه تتطلب التوظيف الأمثل، وتغطية الاحتياج المحلي الذي يدعم ريادة المملكة، ويبني لها الجسور نحو الريادة في كافة أشكال الطاقة.
الهم الخامس، يخص كفاءة الطاقه. الأمير عبدالعزيز سوف ينقل بقوة تجربة كفاءة الطاقة إلى القطاع الصناعي الذي هو الأكثر استهلاكا لكل أنواع الطاقة، خاصة مع توجهات الثورة الصناعية الرابعة.
مكتبات
الهم السادس، او همنا الوطني الأكبر. إنه (موضوع تمكين الموارد البشرية في منظومة الصناعة الوطنية). هذا الملف تحفه التساؤلات والأمنيات وبعض الحسرات. فبعد نصف قرن من دعم منظومة الصناعة: ماذا انجزنا في هذا الملف، كم عدد الذي تم توظيفهم من السعوديين؟ لماذا المؤشرات متدنية؟ لماذا الصناعه كثيفة العمالة الرخيصه؟ لماذا مصانعنا المتقدمه تتحول الى مراكز تدريب للعماله حتى يتأهلوا للهجرة إلى أوروبا وأمريكا؟
الهم السابع، هو ملف (الأبحاث والتطوير والابتكار). هنا يجب الاعتراف أن المملكة حققت خطوات إيجابية في منظومة البحث والابتكار الصناعي عبر دمج الحلول التقنية المتقدمة بالواقع الإنتاجي. وهذا يحتاج وقفة أخرى مطولة.
ويضاف إلى هذه تطلعات وطنية كبرى تحقيقها ربما يتجاوز المنظومتين. التفوق الصناعي الذي نتطلع اليه من تكامل عمل الطاقة والصناعه هو (توطين الذكاء الاصطناعي في المصانع). في هذا السياق، لعلنا نستفيد من التجربة الصينية في دمج الذكاء الاصطناعي بالصناعة والتي تعد نموذجًا فريدًا قام على التخطيط الاستراتيجي المرحلي الذي بدأ بالإطار التنظيمي ثم الانتقال إلى التطبيق الواسع عبر مبادرة «الذكاء الاصطناعي بلس»، التي نجحت في بناء أكثر من 40,000 مصنع ذكي، ونشر التطبيقات في أكثر من 300,000 مصنع خلال سنوات قليلة. والأمر المهم أن هذه القفزة تحققت بعد أن اعتمدت الصين الدعم الحكومي الضخم (صناديق استثمارية بعشرات المليارات، وقسائم تدريب نماذج تتحمل الدولة 80 % من تكلفتها).
والآلية الحكومية الصينية المنسقة بـ (حوكمة عالية) هي التي مكنت الصين من الاستفادة من الذكاء لاصطناعي ليس في الصناعة، بل في مجالات عديدة. في كلمته خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي 2026 والاجتماع رفيع المستوى بشأن الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي الذي عُقد في شنغهاي (17يوليو 2026)، طرح الرئيس الصيني «شي جين بينغ» رؤية شاملة تركز على التعاون الدولي والمسؤولية البشرية. هنا الصين تدعو إلى تكامل العمل الجماعي الدولي بعد تجربتها الناجحة في الداخل.
ربما نقول ان هذه الملفات ثقيلة، وقد تضيف أعباء جديدة على الامير عبدالعزيز. بالتأكيد المسؤولية كبيرة، ولكن عذرنا ان الامير عبدالعزيز تميزت سيرته في انجاز الملفات الصعبة. وايضا يدعم راينا حجم الإنجازات التي تحققت في الوزارتين. فالأمور الاساسيه تم العمل عليها وترتيبها بالذات الاستراتيجية الصناعية. وفي وزارة الطاقة أحدث الأمير عبدالعزيز تحولاً مؤسسياً جذرياً، ناقلاً إياها من الاعتماد اللوجستي والبشري على «أرامكو السعودية» إلى كيان إداري وفني مستقل يمتلك قدراته الذاتية ويستقطب أفضل الكفاءات الوطنية. كما تم تأسيس إدارات متخصصة في السياسات، التنظيم، والرقابة، مما مكن الوزارة من بناء «ذاكرة مؤسسية» مستقلة قادرة على اتخاذ القرارات السيادية وإدارة ملفات الطاقة المعقدة (مثل النووي، الهيدروجين، وكفاءة الطاقة، تسويق المنتجات البتروليه ومعالجة محطات الوقود، هيكلة قطاع الكهرباء).
وفيما يخص استقطاب الكفاءات وتنوع الخبرات، تبنى الأمير عبدالعزيز مشروع استراتيجي لبناء الموارد البشرية في القطاع عبر برنامج (طاقات واعدة) للتدريب المكثف على رأس العمل والذي أطلقته الوزارة لاستقطاب وتطوير الخريجين الجدد وتأهيلهم للعمل في قطاع الطاقة. وهذا برنامج متقدم في التاهيل والاختيار، والأمير عبدالعزيز يتابعه شخصيا إنجازاته، وإذا عرف بخروج متدرب من البرنامج يتصل عليه ليعرف الأسباب.
لقد نقل الأمير عبدالعزيز الوزارة من مرحلة (الإدارة بالمساندة) إلى مرحلة (كفاءة القيادة)؛ فالوزارة اليوم تستكمل مستهدفات إستقطاب الكوادر الوطنية المتخصصة وفق منهجية احترافية، واصبحت (بيئة العمل) ممكنة وجاذبة، والعاملون في الوزارة يتلقون عروض الاستقطاب من جهات عديدة. ونضج الخبرة وتحقق المعرفة امر يحرص عليه الأمير عبدالعزيز لاهمية ضمان استقلالية القرار الاستراتيجي للمملكة في قطاع الطاقة، ولاهمية تعزز قدرتها على قيادة التحولات الكبرى مثل مزيج الطاقه السعودي لخفض الاستهلاك المحلي إلى ثلاثة ملايين برميل نفط يوميا.
أخيراً، نقول، نحن على ثقة بنجاح خطوة توحيد القياده، فحكمة وخبرة وسعة النظر للأمور التي نعرفها عن الأمير عبدالعزيز، ومدى اهتمامه بكل هموم وتحديات الاقتصاد السعودي وحيويته، وهذا مناط الأمر ومحرك الملفات والمعيار لاختيار القيادات، وهذا الذي يجعلنا نبارك ونفرح بالإنجازات التي تكرس الاستقرار وتعزز الوحدة الوطنية لبلادنا.
مقالات أخرى للكاتب
- الأكاديميات والمراكز الرياضية هل تستعيد روح (الحواري)؟
- توحش الرأسمالية.. هل يمهد الطريق للاشتراكية!
- التحليل السياسي.. جود السوق ولا جود البضاعة!
- حتى ننجح في توطين الوظائف.. المراجع الخارجي للموارد البشرية ضرورة
- من الهدر إلى الشركة.. الحياة الفطرية تتحول إلى استثمار
يعكس القرار إدراكاً عميقاً للترابط الاستراتيجي بين قطاعي الطاقة والصناعة، حيث يعتمد ازدهار الصناعة على استقرار إمدادات الطاقة بأسعار تنافسية، فيما تحتاج الطاقة إلى صناعة محلية متطورة لدعم سلاسل الإمداد والتوطين. نجاح هذا التوحيد سينعكس إيجاباً على تنافسية الاقتصاد السعودي وجاذبيته للاستثمار، ويسهم في تحقيق أهداف رؤية 2030 الطموحة. يترقب المراقبون كيف سيتعامل الأمير عبدالعزيز مع ملفات حساسة مثل دعم اللقيم للصناعات التحويلية وأمن الطاقة، حيث يتطلب الأمر موازنة دقيقة بين مصالح القطاعين. في النهاية، يبقى الهدف الأسمى هو خدمة المصلحة العليا للشعب السعودي وتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.