ملخص

في أول اعتراف علني من مسؤول إيراني، يروي وزير الخارجية عباس عراقجي تفاصيل غير مسبوقة حول استهداف اجتماعات كبار قادة النظام في بداية الحرب، مشيرًا إلى ثغرة أمنية يعتقد أنها لا تزال قائمة، وكاشفًا خلفيات القرار بشأن المفاوضات مع واشنطن والأسباب التي أدت إلى اندلاع النزاع، بالإضافة إلى موقف طهران من مقترحي التخصيب الصفري وتعليق تخصيب اليورانيوم.

تأتي هذه التصريحات في وقت حساس تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، وتكشف عن هشاشة أمنية عميقة في أعلى مستويات النظام الإيراني.

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في برنامج "حكاية الحرب" الذي يبث عبر التلفزيون الإيراني، إنه جرى قبل اندلاع الحرب اتخاذ قرار يقضي بـ"إغلاق مضيق هرمز في حال استهداف القيادة".

وتحدث عراقجي عن قصف مقر القيادة في بداية الحرب، قائلاً "كان لدي اجتماع مع السيد حجازي في الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم، وقدمت له تقريراً عن المفاوضات وقلت إن الأجواء باتت حربية". وأضاف أن الاجتماع الذي كان حاضراً فيه تعرض للاستهداف.

وبحسب قوله، كان مكتب علي أصغر حجازي، المستشار الرئيس للمرشد علي خامنئي، من بين الأهداف أيضاً، إلا أن حجازي خرج من الاجتماع حياً.

وأوضح أن المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية كان يعقد اجتماعاً في ذلك اليوم في مكان غير مقره المعتاد، ولا يعرف سبب نقل الاجتماع يومها إلى مقر القيادة.

لكنه أضاف "الأسوأ من ذلك كان الاجتماع الذي عقده علي شمخاني مع عدد من القادة العسكريين". وقتل علي شمخاني والحاضرون في ذلك الاجتماع في اليوم نفسه، خلال قصف مقر القيادة.

وأكد عراقجي أنه في اليوم نفسه كان مجلس معاوني وزارة الاستخبارات يعقد اجتماعاً داخل مقر الوزارة، مضيفاً أن هذا الاجتماع، الذي لم يكن منعقداً في مقر القيادة، تعرض أيضاً للاستهداف في اليوم الأول من الحرب التي استمرت 40 يوماً.

وقال وزير الخارجية الإيراني إن مكتب محمد شيرازي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني آنذاك، وكذلك مكتب علي شمخاني، حيث كان يعقد اجتماع المجلس الأعلى للدفاع في ذلك اليوم، كانا من بين الأهداف.

واعتبر عراقجي أن تزامن استهداف تلك الاجتماعات يعود إلى اختراق أمني أثر على مسارات اتخاذ القرار داخل النظام، ورجح استمرار هذه الثغرة حتى الآن.

وقال وزير الخارجية الإيراني "إن الاجتماع الذي عقده السيد شمخاني في مقر القيادة، إلى جانب مكاتب السيد شيرازي والسيد حجازي والمرشد الراحل، كانت جميعها أهدافاً تعرضت لهجمات سريعة. وفي تلك اللحظة كان سماحة القائد موجوداً في مكتبه، ومعرفة العدو بانعقاد هذه الاجتماعات دليل على وجود ثغرات أمنية".

وكشف عراقجي عن أنه لم يلتق مجتبى خامنئي خلال هذه المرحلة منذ انتخابه مرشداً، مضيفاً أنه يستبعد أن يكون قد رآه خلال هذه الفترة سوى عدد محدود جداً من الأشخاص. وأوضح أنه حتى قبل توليه منصب المرشد، كان قد رآه من بعيد في بعض المناسبات.

رواية عراقجي عن كيفية اندلاع الحرب

تحدث عراقجي عن آلية اتخاذ القرار في شأن التفاوض مع الولايات المتحدة، قائلاً "في ذلك الوقت - بين الحربين - شكلنا داخل أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي اللجنة النووية، التي أصبحت اليوم تعرف بلجنة المفاوضات، وتشتهر باسم اللجنة السداسية".

وأضاف أن "جميع النقاشات المتعلقة بالمفاوضات كانت تجرى داخل هذه اللجنة، وكانت قراراتها تمر بالإجراءات نفسها التي تمر بها قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي".

وبحسب عراقجي، ترأس هذه اللجنة في البداية علي شمخاني، ثم علي لاريجاني، وكلاهما قتل في الهجمات الأميركية والإسرائيلية.

ودافع عراقجي عن خيار التفاوض، قائلاً إن "قرار بدء الحرب اتخذه الطرف الآخر، وكنا نسعى إلى تغيير مساره بعيداً من الحرب. والقول إن المفاوضات هي التي تسببت في اندلاع الحرب ليس صحيحاً، وقرار التفاوض لم يكن قراري الشخصي، بل كان قراراً جماعياً".

وعن أسباب اندلاع الحرب التي استمرت 12 يوماً، قال "كل شيء بدأ من تصور وجود ضعف لدى إيران، فقد اعتقد الطرف الآخر أن إيران فقدت قوة ردعها الإقليمية، وأنها ستتجه لتعويض ذلك عبر الردع النووي، ولذلك رأى ضرورة تدمير منشآتها النووية".

اقرأ المزيد

وأضاف وزير الخارجية الإيراني "لقد جرب الطرف الآخر المسار الدبلوماسي، وكان منذ البداية يصر على مبدأ التخصيب الصفري. وقد تمسكنا بموقفنا، وعندما أدرك أنه لن يتمكن عبر المفاوضات من فرض هذا المطلب، بدأ الحرب، لذا فإن تمسكنا بمواقفنا خلال المفاوضات دفع الطرف الآخر إلى تجربة خيار الحرب، لكنه فشل".

وتابع عراقجي قائلاً إنه "بعدما أكمل العدو حشده العسكري في المنطقة، عاد وطرح مجدداً مطلب التفاوض على أساس التخصيب الصفري، وكان يقول إذا لم تقبلوا بذلك فسنهاجم مرة أخرى. وبعد نقاشات مطولة، جرى التوصل مجدداً إلى قرار استئناف المفاوضات، وكان الهدف الرئيس بالنسبة إلينا هو إقامة الحجة، حتى لا يقول أحد لاحقاً إنه لو جرت المفاوضات لما اندلعت الحرب".

ورداً على سؤال مفاده أنه لو استمرت الحرب التي دامت 12 يوماً لما وقعت الحرب التي استمرت 40 يوماً، قال عراقجي إن "هذا التصور موجود أيضاً لدى الطرف الآخر، لأن حرب الأيام الـ12 أسهمت في رفع مستوى جاهزية إيران للحرب التالية".

وأضاف أنه "كان علينا أن نجرب فرصة الوصول عبر المفاوضات إلى مسار غير الحرب، وكان ذلك أيضاً لإقامة الحجة أمام المجتمع الدولي والطرف الآخر وشعبنا".

رفض مبدأ التخصيب الصفري

وفي السياق نفسه، قال إنه خلال المفاوضات التي سبقت اندلاع الحرب التي استمرت 40 يوماً، وبعد رفض إيران مبدأ التخصيب الصفري، طُرح مقترح يقضي بتعليق التخصيب، إلا أن إيران رفضته أيضاً، ودافع عراقجي عن هذا القرار قائلاً "كانت مهمتنا ألا نقبل به".

ورداً على سؤال عما إذا كان قبول إيران تعليق التخصيب كان سيحول دون اندلاع الحرب، قال وزير الخارجية الإيراني إنه "لا يمكن الجزم بذلك، أولاً لأن مدة التعليق لم تكن قصيرة، وثانياً لأن قبولنا بهذا الأمر في الملف النووي كان سيؤسس لنمط مفاده أنه كلما أردتم تستطيعون أن تهاجموا وتدمروا، ثم يقبل النظام الإيراني بما يفرض عليه".

وأضاف عراقجي أنه في الـ26 من فبراير (شباط)، خلال المفاوضات التي عقدت في جنيف، وعندما رفضت إيران تعليق التخصيب، انهارت المفاوضات، لكن جرى الاتفاق على أن تواصل الفرق الفنية محادثاتها، إلا أن الأجواء تغيرت اعتباراً من اليوم التالي.

وقال إن القضية النووية كانت، في الأقل بالنسبة إلى إسرائيل، مجرد ذريعة، وإن هدفها الحقيقي كان السعي إلى تغيير النظام.

ويظهر حديث عراقجي أن الضربات الاستباقية التي نفذها العدو استهدفت شل القدرة القيادية الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب، مما دفع طهران إلى إعادة تقييم إجراءاتها الأمنية. وتثير هذه الثغرة تساؤلات حول مدى جاهزية النظام لمواجهة تهديدات مماثلة في المستقبل، خاصة في ظل استمرار المفاوضات الحساسة مع الولايات المتحدة.