طلاب إيران يؤدون الاختبارات تحت وطأة الحرب
ملخص
تتصدر محافظات طهران وفارس والأحواز قائمة المناطق الأكثر كثافة في مراكز الاختبارات بإيران، وتأتي الأحواز، رغم كونها بؤرة للمواجهات العسكرية الراهنة، في المرتبة الثانية وطنياً من حيث عدد هذه المراكز، وهو ما وضعها ضمن نطاق الإجراءات التي لم تستثنها وزارة التربية والتعليم من استكمال الاختبارات.
تأتي هذه الاختبارات في وقت تشهد فيه البلاد حالة من عدم الاستقرار الأمني والاضطرابات التعليمية التي أرخت بظلالها على المسيرة الدراسية للطلبة.
بعد أن أدى اندلاع الحرب إلى تعليقها منذ يونيو (حزيران) المنصرم، استؤنفت الاختبارات النهائية لطلبة الصفين الـ11 والـ12 في عموم إيران يوم الأحد الـ12 من يوليو (تموز) الجاري، وذلك عقب تأجيل استمر قرابة شهرين، متجاهلة بذلك الضغوط المتزايدة من الطلبة وذويهم المطالبة بإرجاء الامتحانات.
وبرر الطلاب وعائلاتهم مطالبهم بتأجيل الاختبارات بجملة من الأسباب، من بينها توقف الدراسة لأسابيع، وانقطاع الإنترنت، ومشكلات التعليم من بعد، واحتساب المعدل الدراسي بنسبة 60 في المئة من نتيجة اختبار القبول الجامعي، إلى جانب انتشار ظاهرة بيع وشراء أسئلة الاختبارات، ووجود بعض مراكز الاختبارات قرب مواقع عسكرية، في ظل استئناف الحرب.
ويعاني طلبة المحافظات الجنوبية من ظروف أمنية بالغة التعقيد، إذ وثق عدد منهم عبر منصات التواصل الاجتماعي معاناتهم مع أصوات الانفجارات وقصف الصواريخ التي لا تهدأ طوال الليل، مما يضطرهم إلى الحضور لقاعات الامتحان صباحاً بحالة من التوتر الشديد وفقدان القدرة على التركيز الذهني.
وخلال الأسابيع الماضية، أطلق طلاب الصفين الـ11 والـ12 عدداً من الحملات للمطالبة بتأجيل الاختبارات، غير أن مسؤولي وزارة التربية والتعليم أكدوا أن ضيق الوقت قبل موعد اختبار القبول الجامعي، واعتبارات التخطيط للعملية التعليمية، لا يسمحان بإعادة جدولة الاختبارات.
وفي ظل استمرار الحرب، وفي وقت تغلق الدوائر الحكومية والمصارف في بعض المحافظات، ومنها هرمزكان، لا يزال الطلاب مضطرين إلى التوجه إلى قاعات الاختبارات على رغم الانفجارات المتواصلة، وتخشى الأسر من تكرار مأساة مدرسة ميناب التي وقعت خلال الحرب التي استمرت 39 يوماً.
إغلاق المدارس وتحديات التعليم من بعد
انتهى العام الدراسي 2025-2026 في إيران بعدما شهدت المدارس إغلاقات متكررة خلال جزء كبير من العام، بسبب ظروف الحرب وتلوث الهواء وأزمة الطاقة. وعلى رغم تأكيد وزارة التربية والتعليم مراراً استمرار الدراسة عبر الإنترنت، فإن الأعطال الواسعة التي طاولت منصة "شاد" (الشبكة التعليمية للتلاميذ) والانقطاع الطويل لخدمة الإنترنت جعلا التعليم من بعد شبه مستحيل.
وأدى ذلك إلى جانب الضغوط النفسية الناجمة عن الحرب إلى ابتعاد طلاب كثر من الدراسة، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام الاختبارات النهائية من دون استعداد كافٍ. وتزداد خطورة هذا الوضع لأن نتائج هذه الاختبارات تشكل 60 في المئة من نتيجة اختبار القبول الجامعي، وتمثل 50 في المئة من نتيجة اختبار القبول في جامعة إعداد المعلمين، بما يجعلها عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الطلاب.
وكان اعتماد المعدل الدراسي ضمن نتيجة اختبار القبول الجامعي أحد أبرز أسباب المطالبة الشعبية بتأجيل الاختبارات. فهذا القرار، الذي أقره المجلس الأعلى للثورة الثقافية، أثار اعتراضات واسعة قبل اعتماده، غير أن وزارة التربية والتعليم ترفض اليوم، على رغم تأثيره المباشر في مستقبل الطلاب، إبداء أي مرونة في إعادة جدولة الاختبارات النهائية.
وقالت نائبة مدير التعليم الثانوي في محافظة لرستان زهرا نظري إن قرار تنظيم الاختبارات خلال شهري يوليو الجاري وأغسطس (آب) المقبل اتخذته الجهات العليا، مدعية أن ترتيبات اتُّخذت لضمان حضور الطلاب إلى قاعات الاختبارات في ظروف مناسبة ومن دون قلق.
لكن من غير الواضح ما المقصود بهذه الترتيبات، إذ تشير تقارير ميدانية إلى أن عدداً من الطلاب تغيبوا عن الاختبارات، فيما سلم آخرون أوراقهم من دون إجابة، بسبب الضغوط النفسية أو عدم الاستعداد الكافي.
وأشار عضو لجنة التعليم في البرلمان الإيراني إحسان عظيمي راد إلى هذه الظاهرة في منشور على منصة "إكس" السبت الماضي، قائلاً "انتهى اليوم الأول من الاختبارات النهائية للصفين الـ11 والـ12، لكن مستوى التوتر، والخروج من قاعات الاختبار بأوراق بيضاء، وحالات انعدام الأمن، ولا سيما في المناطق الجنوبية، كانت مرتفعة وشائعة للغاية، هذا فضلاً عن ورود أنباء متضاربة عن حالات غش وتسريب لأسئلة بعض الاختبارات".
في المقابل، نفى رئيس مركز التقييم وضمان الجودة في وزارة التربية والتعليم عبدالرضا فولاد وند صحة المخاوف المتعلقة بإجراء الاختبارات في المحافظات الجنوبية، أو تسليم الطلاب أوراقاً بيضاء، أو احتمال وقوع حالات غش أو تسريب للأسئلة، مؤكداً أنه لم تحدث أي مشكلات في سير الاختبارات، مدعياً أن نسبة غياب الطلاب خلال اختبارات هذا العام هي الأدنى مقارنة بالعام الماضي.
من جهتها، نقلت وكالة "إيسنا" للأنباء عن اللجنة العليا للاختبارات أن الاختبارات النهائية خلال اليومين الأولين جرت في أجواء من الهدوء والاطمئنان، وبمشاركة واسعة من الطلاب، وبدعم من أسرهم في مختلف مراكز الاختبارات على مستوى البلاد.
بيع وشراء أسئلة الاختبارات عبر قنوات "تيليغرام"
تؤكد اللجنة العليا للاختبارات أنها فرضت رقابة مشددة على سير الاختبارات النهائية لمنع أي مخالفات. ووفقاً للمسؤولين، فإن وضع معدي الأسئلة في الحَجْر، وإرسال ملفات الأسئلة إلكترونياً بصيغ مشفرة، واستخدام أجهزة رقابية من بينها كاشفات الإشارات، إضافة إلى المتابعة المستمرة لجميع مراحل التنفيذ، حال دون أي تواصل بين الطلاب وخارج قاعات الاختبار، وهو ما يجعل، بحسب قولهم، الادعاءات في شأن تسريب الأسئلة أو الكشف عنها مسبقاً بلا أساس.
وأكدت وزارة التربية والتعليم في أكثر من مناسبة أن هذه الإجراءات ضمنت أمن الاختبارات بصورة كاملة، وأن جميع الإعلانات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة تحت عنوان "بيع أسئلة الاختبارات النهائية" ليست سوى عمليات احتيال تستهدف الطلاب. وتزعم شرطة الجرائم الإلكترونية وهيئة القياس والتقويم أن أسئلة الاختبارات النهائية لا يمكن الوصول إليها تحت أي ظرف قبل بدء الاختبار.
لكن، وتزامناً مع انطلاق الاختبارات، ظهرت عشرات القنوات عبر تطبيق "تيليغرام" تروج على نطاق واسع لبيع الأسئلة، مدعية قدرتها على تزويد الطلاب بها قبل الاختبار بساعات أو حتى دقائق، مقابل مبالغ تصل إلى عدة ملايين من التومانات.
ويكشف البحث عن عبارة الاختبارات النهائية في "تيليغرام" قائمة طويلة من هذه القنوات، في مؤشر إلى نشوء سوق سوداء مزدهرة على هامش الاختبارات النهائية في إيران.
وفي إحدى الحالات، كتبت فتاة مراهقة، دفعت نحو 80 مليون تومان (نحو 530 دولاراً أميركياً) إلى مدير إحدى قنوات "تيليغرام" قبل نحو ثماني ساعات من اختبار الرياضيات للصف الـ12، أنها لا تملك أي ضمان للحصول على الأسئلة الأصلية في الموعد الموعود، لكنها لم تجد خياراً آخر، لأنها حصلت على قبول مبدئي في إحدى الجامعات خارج إيران، ويتعين عليها إرسال كشف درجاتها إلى تلك الجامعة خلال شهر بأي وسيلة.
قرب مراكز الاختبارات من المواقع العسكرية
كان قرب بعض مراكز الاختبارات من الثكنات والقواعد والمنشآت العسكرية الحساسة أحد أبرز الأسباب التي دفعت الطلاب وأسرهم إلى المطالبة بتأجيل الاختبارات النهائية. فاستناداً إلى تجربتي الحربين السابقتين، تعد هذه المواقع أهدافاً محتملة لأي هجمات جديدة، ومع تجدد المواجهات، تصاعدت أيضاً مشاعر القلق والخوف لدى الطلاب من التوجه إلى قاعات الاختبارات. وتعكس الرسائل التي تنشرها الأسر على مواقع التواصل الاجتماعي، والنقاشات الدائرة بين الطلاب في مجموعات "تيليغرام"، حجم الأزمة الأمنية والنفسية التي يعيشونها.
وكتب عدد من الطلاب، في المجموعات التي أُنشئت للمطالبة بتأجيل الاختبارات، أنهم أُجبروا على أداء الاختبارات داخل مدارس تقع قرب مواقع عسكرية. فعلى سبيل المثال، قال أحد طلاب محافظة البرز "يبعد مركز اختباري في محافظة البرز نحو كيلومتر واحد فقط من الموقع الذي تعرض للقصف خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً، ثم مرة أخرى خلال الحرب التي امتدت 40 يوماً." وأضاف أنه ظل طوال فترة الاختبار يخشى تكرار الهجوم.
وكتب طالب آخر من جنوب إيران، مشيراً إلى قرب مركز اختباره من أحد مواقع القوة البحرية التابعة للحرس الثوري "يقع مركز اختباري قرب أحد مقار القوة البحرية للحرس الثوري، وكانت أصوات الانفجارات تتردد بصورة متواصلة من هناك خلال الأيام الماضية".
وعلى رغم عدم وجود إحصاءات دقيقة وموثقة عن عدد مراكز الاختبارات الواقعة قرب المواقع العسكرية، وإصرار المسؤولين على نفي وجود أي تهديد أمني يطاولها، فإن مأساة مدرسة ميناب تشير إلى أن بعض المؤسسات التعليمية أُنشئت بمحاذاة قواعد عسكرية حساسة، مما يرفع مستوى الأخطار التي يتعرض لها الطلاب. وحتى في حال عدم وقوع هجوم، فإن مجرد الوجود في هذه المراكز تحت وطأة الخوف والقلق يفقد كثيراً من الطلاب قدرتهم على التركيز والإجابة عن الأسئلة، وهي أزمة تتفاقم بصورة خاصة في المحافظات الجنوبية في إيران.
طلاب جنوب إيران... اختبارات في ظل الحرب
تزامناً مع انطلاق الاختبارات النهائية، اندلعت جولة جديدة من المواجهات العسكرية بين النظام الإيراني والولايات المتحدة. وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت مدن عدة في جنوب إيران، من بينها بندر عباس وبوشهر وجزيرة قيس (كيش) وكنارك وتشابهار وبهبهان وعبادان، ومعشور (ماهشهر)، والعميدية (أميدية) ودزفول وجزيرة جسم (قشم)، لهجمات متواصلة، مما زاد من مستويات القلق والتوتر لدى الطلاب الذين اضطروا إلى التوجه إلى قاعات الاختبارات.
ووفقاً للإحصاءات التي نشرتها وسائل إعلام إيرانية، يشارك نحو مليون و300 ألف طالب في الاختبارات النهائية لشهري يوليو الجاري وأغسطس المقبل، موزعين على ما يقارب 5 آلاف و500 مركز اختباري. وتضم محافظات فارس والأحواز وطهران أكبر عدد من مراكز الاختبارات، مما يجعل الأحواز التي تعد إحدى بؤر المواجهات العسكرية الأخيرة في المرتبة الثانية على مستوى البلاد من حيث عدد المراكز، ومع ذلك لم تستثنها وزارة التربية والتعليم من إجراء الاختبارات.
وفي محافظة هرمزكان، التي تعد أيضاً من أبرز مناطق المواجهات، اتخذت السلطات المحلية قراراً بإغلاق الدوائر الحكومية والمصارف والجامعات خلال الإثنين الـ13 من يوليو الجاري، لكن الاختبارات النهائية للطلاب أُجريت وفق الجدول المقرر.
وفي هذا السياق، انتقدت الأمينة العامة لنقابة المعلمين في محافظة بوشهر سهيلا سياوشي الإصرار على إجراء الاختبارات حضورياً، وكتبت في مقالة "السؤال الذي يفرض نفسه هذه الأيام هو، هل يعد تنظيم الاختبارات النهائية حضورياً لطلاب الصفين الـ11 والـ12 قراراً منطقياً ومتناسباً مع الظروف، في وقت يعيش جنوب البلاد، ليلة بعد أخرى، أجواء الحرب وانعدام الأمن؟". وأضافت في إشارة إلى حادثة مدرسة ميناب "هل علينا أن ننتظر تكرار مآسٍ مثل كارثة مدرسة ميناب حتى يزداد الاهتمام بسلامة الطلاب والمعلمين؟".
وتناولت سياوشي الآثار النفسية للحرب على الطلاب، قائلة "كيف يمكن لطالب قضى ليلته وسط أصوات الانفجارات والقلق والأرق أن يتوجه في صباح اليوم التالي بهدوء وتركيز إلى اختبار مصيري؟ وهل تنسجم هذه الظروف مع مبدأ العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب؟".
وتعكس الرسائل التي ينشرها طلاب المحافظات الجنوبية على مجموعات "تيليغرام" ومواقع التواصل الاجتماعي حجم الضغوط النفسية التي يعيشونها قبل الاختبارات، وأثناءها وبعدها. فهؤلاء الطلاب يستيقظون صباح يوم الاختبار على وقع أصوات الصواريخ، ثم يتوجهون مباشرة إلى قاعات الاختبارات.
وكتب أحد طلاب بوشهر مخاطباً المسؤولين "كيف تنامون مرتاحي الضمير؟ أنا شاب في الـ18 من عمري، أمضيت 12 عاماً في الدراسة حتى أصل إلى هذه المرحلة، ثم أقضي ليلة الاختبار على وقع الانفجارات المرعبة، بينما تنامون أنتم مطمئنين".
أما طالب آخر من بندر عباس، فلم يقتصر اعتراضه على المخاوف الأمنية، بل شكا أيضاً من سوء أوضاع مراكز الاختبارات، قائلاً "لا توجد أختام على الأسئلة، وجودة الطباعة سيئة، والاختبارات لا تبدأ في موعدها، والمراقبون لا يتفهمون أوضاعنا، والبيئة غير هادئة، ولا تتوافر التجهيزات المناسبة. أتوجه إلى الاختبار في بندر عباس وسط حرارة تبلغ 40 درجة مئوية، وأقل ما أتوقعه هو أن تكون القاعة مكيفة، لكن شدة الحر تضطرنا إلى خلع أغطية الرأس. أين العدالة في ذلك؟".
وكتب طالب آخر "لماذا لا يهتم أحد باختبارات الطلاب؟ ولماذا تصرون على إجرائها في ظل الحرب؟ هل لا بد أن يسقط صاروخ على مدرسة ويقتل طلاباً حتى يتحرك أحد؟ ومن سيتحمل عندها مسؤولية أرواحهم؟".
وفي رسالة أخرى، تساءل أحد الطلاب موجهاً حديثه إلى المسؤولين "هل تستطيعون أنتم الدراسة في مثل هذه الظروف؟ ولو كان الاختبار لابنكم أو ابنتكم، هل كنتم سترسلونه إلى قاعة الاختبار بكل هذا الخوف والقلق؟".
وكتب طالب آخر "أقسم بالله أن يدي وقدمي ترتجفان من شدة التوتر. كثر لم يحضروا اختبار اليوم. وفي كل ليلة نسمع أصوات الانفجارات والاشتباكات. كيف يمكن أن ندرس في مثل هذه الظروف من دون خوف أو قلق؟".
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"
يأتي هذا الإصرار الرسمي على إجراء الامتحانات في توقيتها الحالي رغم التحديات الأمنية والتقنية التي واجهت العام الدراسي، مما يضع مستقبل آلاف الطلبة الجامعي على المحك نظراً لاعتماد هذه النتائج بنسبة كبيرة في اختبارات القبول الجامعي. ويظل الملف مرهوناً بمدى قدرة الجهات المعنية على تأمين سلامة الطلاب وتجاوز تبعات النزاع المستمر، وسط ترقب وقلق شعبي من تفاقم المخاطر على حياة المتقدمين للاختبارات.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.