عادت مزاعم استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية إلى الواجهة بعد أن دخلت العقوبات الأميركية المرتبطة بهذه التهم حيز التنفيذ، وذلك إثر شهادات من قيادات أهلية وسكان في منطقة "أم قرفة" بشمال كردفان، أفادوا فيها بأن طائرة "أنتونوف" عسكرية ألقت، السبت، مقذوفات غير مألوفة انبعث منها ألوان ودخان وروائح حادة لدى الاصطدام بالأرض.

ويأتي ذلك في سياق الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، والتي شهدت اتهامات متبادلة باستخدام أسلحة محظورة.

وزادت هذه الشكوك بعد انتشار مقطع فيديو يُظهر عناصر من قوات الدعم السريع يصفون إلقاء الطائرة مقذوفات أسفرت عن دخان أصفر كثيف، معربين عن ظنهم أنها قد تحوي مواد كيميائية.

وقال حامد الرضي، وهو أحد أبناء المنطقة، لـ"سكاي نيوز عربية"، إن الطائرة ألقت في البداية مقذوفات أحدثت انفجارات قوية وتصاعداً كثيفاً للدخان الأسود، قبل أن تسقط مقذوفات أخرى نتج عنها دخان أصفر ورائحة كريهة ونفاذة، وفق إفادات شهود كانوا قريبين من موقع القصف.

وأوضح الرضي أن القصف وقع في منطقة لم تكن مأهولة لحظة الهجوم، لكنه أعرب عن مخاوفه من تداعيات محتملة على السكان والبيئة في حال ثبوت احتواء المقذوفات على مواد كيميائية، مطالباً بإجراء تحقيقات دولية لتحديد طبيعتها.

تأتي هذه الحادثة بعد أيام من تفعيل حزمة عقوبات أميركية جديدة على السلطة القائمة في بورتسودان، وذلك في إطار المرحلة الثانية من الإجراءات المنصوص عليها في قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية ومنع استعمالها.

وجاءت العقوبات بعد أن أعلنت الولايات المتحدة، رسمياً وللمرة الأولى، أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024، في سياق الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

وفي أول رد فعل من مسؤول في "حكومة السلام" التي تتخذ من نيالا مقراً لها، دعا عز الدين الصافي، رئيس هيئة الوصول الإنساني في الحكومة التي يرأس مجلسها الرئاسي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى فتح تحقيق دولي عاجل ومستقل في ما وصفه بـ"الهجوم الكيميائي" على منطقة أم قرفة.

وقال الصافي إن مقاطع الفيديو المتداولة تشير، بحسب تعبيره، إلى استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية ضد المدنيين، مطالباً الأمم المتحدة والهيئات الدولية المختصة بالتحقيق الفوري، وتقديم مساعدات طبية وإنسانية للمجتمعات المتضررة، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات، مشدداً على أن المجتمع الدولي "لا ينبغي أن يظل صامتاً".

وكانت الولايات المتحدة قد صعّدت ضغوطها على سلطة بورتسودان خلال الدورة الـ112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي انعقدت في لاهاي بين 7 و10 يوليو الماضي.

أخبار ذات صلة

وقالت السفيرة الأميركية لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، نيكول شامبين، في بيانها أمام المجلس، إن الولايات المتحدة خلصت إلى أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في عام 2024، وطالبت سلطة بورتسودان بالكشف الكامل عن أنشطتها الكيميائية ذات الصلة، والتعاون مع إجراءات التحقق الدولية، والامتثال لالتزامات السودان بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. كما شككت واشنطن في أهلية السودان للاستمرار عضواً في المجلس التنفيذي للمنظمة ما دام غير ممتثل لتلك الالتزامات. وتعد هذه المرة الأولى التي تطالب فيها واشنطن علناً بإخضاع السودان لإجراءات تحقق دولية بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وسبق أن انتقل الملف من مستوى الاتهامات السياسية إلى المسار القانوني داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، عندما تقدمت موريتانيا وتشاد وبنين وغينيا بيساو، خلال يونيو 2025، بطلبات رسمية إلى السودان بموجب الفقرة الرابعة من المادة التاسعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، طالبت فيها بتوضيحات بشأن الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب.

ودعت بريطانيا خلال الدورة الأخيرة للمجلس التنفيذي للمنظمة سلطة بورتسودان إلى الوفاء بتعهدات السودان وإجراء تحقيق شامل في هذه الاتهامات، في مؤشر على أن الملف لا يزال مفتوحاً داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ويحظى بمتابعة من الدول الأطراف.

وتشير هذه التطورات إلى أن ملف الأسلحة الكيميائية لم يعد مجرد اتهامات متبادلة بين أطراف الحرب، بل تحول إلى قضية مطروحة على أجندة المجتمع الدولي، في ظل إعلان أمريكي رسمي باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، وعقوبات دخلت حيز التنفيذ، وتحركات متواصلة داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهو ما قد يجعل أي اتهامات جديدة موضع تدقيق دولي أوسع خلال المرحلة المقبلة.

وإذا تأكدت هذه الاتهامات، فإنها تمثل تصعيداً خطيراً في النزاع، وقد تؤدي إلى عزل دبلوماسي أوسع للسلطة القائمة في بورتسودان. كما تضع المجتمع الدولي أمام اختبار في تطبيق اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ومن المتوقع أن تركز تحقيقات المنظمة على جمع عينات من الموقع لتحديد طبيعة المقذوفات.