مسار

حين كسرت غزّة عصا "أيباك" في واشنطن

ما الذي دفع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، إلى حذف أزرار التبرع الإلكتروني لخمسة عشر نائبًا ديموقراطيًا دفعة واحدة؟ وكيف تبدل حال المنظمة التي كانت تفرض دعم إسرائيل عقيدة مشتركة بين الحزبين؟ ولماذا لم تعد تملك القوة ذاتها لمكافأة الملتزمين أو معاقبة الخارجين؟

تأتي هذه التطورات في ظل تحولات عميقة في الموقف الأميركي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة بعد الحرب الأخيرة على غزة.

ربما يكشف تصويت مجلس النواب في 15 يوليو 2026 عن إجابات، إذ تقدم النائب الجمهوري توماس ماسي بتعديل لوقف 3.3 مليارات دولار من التمويل العسكري السنوي لإسرائيل. ورغم سقوط التعديل بأغلبية 314 مقابل 104، فإن عدد المؤيدين البالغ 103 ديموقراطيين وماسي فقط كان بمثابة صفارة إنذار سياسية.

وأتت العاصفة كون التمرّد على "أيباك" بدأ من قمة الحزب الديموقراطي واضحًا، إذ أيّدت المشروع كاثرين كلارك، المسؤولة عن ضبط التصويت في الأقلية الديموقراطية وثاني أعلى شخصيّة في قيادة الحزب داخل المجلس، كما صوّتت لمصلحته نانسي بيلوسي، الرئيسة السابقة لمجلس النوّاب وأحد أرسخ حلفاء إسرائيل تاريخيًّا، قائلةً إنّ حكومة بنيامين نتنياهو، لا تستطيع مواصلة نهجها الراهن.

وعليه، جاء ردّ "أيباك" سريعًا حيث أزالت من موقعها روابط التبرّع لخمسة عشر نائبًا ديموقراطيًا كانت تؤيّدهم، بينهم بالطبع كاثرين كلارك، وجو نيغوس، مساعد زعيم الديمقراطيين، وآدم سميث، كبير الديموقراطيين في لجنة القوات المسلّحة، وبات رايان، النائب عن ولاية نيويورك وعضو لجنة القوات المسلّحة. أمّا النائبات بيلوسي وجوليا براونلي وجولي جونسون، فمُحيت من صفحاتهن عبارات الشكر على دعم العلاقة الأميركية الإسرائيليّة.

المفارقة أن عصا أيباك التي طالما أرعبت المرشحين صارت عبئًا على حاملها. فقد أعلن النائب بات رايان أنه لم يعد يريد تأييد أيباك وسيعيد أموال لجنتها السياسية، بل سيرد تبرعات الأفراد المرتبطين بها لمن يطلب. وهذا ليس صحوة أخلاقية مفاجئة بل قراءة لخريطة انتخابية متغيرة، حيث تحولت القطيعة مع أيباك من مفتاح الخزائن إلى شارة شرف يتباهى بها النواب.

والواضح هنا، أن حرب غزّة صنعت هذا التحوّل، وبات التعاطفُ مع القضية الفلسطينية ورقةً انتخابيةً لها ثقلُها في صناديق الاقتراع الأميركية، وهي رسالة لبعض المأسورين العرب بالمتطرّف "نتنياهو"، فصور القتل والخراب في غزة وغيرها لم تعد خبرًا يمكن تبريره أمام الشعب الأميركي بضرورات "الأمن" و"التحالف الاستراتيجي"، بل صارت امتحانًا يوميًّا للضمير الأميركي. ويظهر استطلاع حديث لوكالة أسوشيتد برس ومركز "نورك" أنّ نحو نصف الديموقراطيين الأميركيين يعتقدون أنّ إسرائيل ارتكبت إبادةً جماعيّة في غزّة، وهو توصيف تنفيه إسرائيل والحكومة الأميركية.

وقد سبق للرئيس دونالد ترمب أن التقط مبكّرًا هذا التحوّل، حين قال (في مقابلة مع صحيفة إسرائيل هيوم نُشرت في بونيو 2024) إنّ انتقاد إسرائيل كان قبل خمسة عشر عامًا كفيلًا بإنهاء المستقبل السياسي لأيّ نائب، أمّا اليوم فالمعادلة تكاد تنقلب؛ في إشارة واضحة إلى أنّ تأييد إسرائيل غير المشروط لم يعد حصانةً انتخابية، بل قد يغدو عبئًا على صاحبه.

ومما يبدو فإن أزمة "أيباك" ليست نقصًا في المال، بل تضاؤلًا في المساحة السياسيّة التي كان المال يستطيع شراءها. وربما نجحت "أيباك" على مدى عقود في رسم خطّ أحمر حول مساعدات إسرائيل، ولكن يبدو أن "غزّة" محت الخطّ، ليصبح الزرّ المحذوف من صفحتها الإلكترونية شاهدًا على سقوط رهبةٍ كبيرة كانت تقايض بها المرشحين. ومما يظهر لم تعُد شراكةُ "أيباك" رصيدًا انتخابيًّا يتهافت عليه المرشحون، بل صارت ذنبًا يسعون إلى التبرّؤ منه.

  • قال ومضى:

ما يبنيه الترهيب والترغيب من أسوار، يحطمه الضمير إذا تكشفت الأسرار.

تعكس هذه الأحداث تغيرًا في أولويات الناخب الأميركي، حيث لم يعد دعم إسرائيل غير المشروط حصانة انتخابية كما كان سابقًا. ويشير تصويت الأغلبية الديموقراطية ضد التعديل رغم الدعم الجمهوري الكبير إلى انقسام حزبي متزايد حول القضية. وتظل أيباك قوية ماليًا لكن نفوذها السياسي يتآكل في ظل تحول الرأي العام الذي لم يعد يتسامح مع انتهاكات حقوق الإنسان.