إذا كان لكل كرة قدم بيت... فأين بيتنا؟
في ظل الإحباط الذي أعقب خروج الولايات المتحدة من كأس العالم، لم يكن أولوية الاتحاد الأميركي لكرة القدم تغيير المدرب أو البحث عن نجوم جدد للمنتخب الأول، بل الانشغال بإصلاح المنظومة برمتها. عاد المسؤولون إلى الأسئلة الجوهرية: كيف نُنتج اللاعب؟ ولماذا باتت كرة القدم رياضة يصعب على كثير من الأطفال الوصول إليها؟ وكيف نخلق بيئة تجعل المنتخب ثمرة عمل طويل الأمد، لا مشروعًا ينطلق قبل البطولة بأشهر؟
إن وجود مركز وطني دائم للاتحادات الرياضية يُعد حجر الزاوية في بناء هوية كروية متكاملة، حيث يجمع تحت سقف واحد الإدارة والتدريب والتطوير.
ما استرعى انتباهي في التجربة الأميركية ليس حجم الاستثمار، بل وجهته. افتتح الاتحاد الأميركي هذا العام أول مركز تدريب وطني دائم في تاريخه، يضم مقره الإداري، و17 ملعبًا، وصالات رياضية، ومراكز تغذية، ويستقبل جميع المنتخبات الوطنية من الفئات العمرية الصغرى حتى المنتخب الأول. لأول مرة، أصبح لكرة القدم الأميركية عنوان واحد وبيت واحد وهوية واحدة.
قد يبدو الأمر للبعض منشأة رياضية جديدة، لكنه في الحقيقة أكبر من ذلك بكثير.
كل كرة قدم تحتاج إلى بيت. مكان تظهر فيه شخصيتها، وتُصنع فيه ثقافتها، وتُرسم فيه فلسفتها، وتُبنى فيه برامجها. عندما تدخل إلى مدينة كليرفونتين الفرنسية، أو سانت جورج بارك في إنجلترا، أو مقر الاتحاد الإسباني، فأنت لا ترى ملاعب فقط، بل ترى كيف تفكر تلك الدول في كرة القدم، وكيف تريد أن يبدو لاعبها بعد عشر سنوات، لا بعد المباراة المقبلة.
في تقديري الشخصي، يصعب الحديث عن بناء هوية كروية متكاملة بينما لا يملك الاتحاد السعودي لكرة القدم، الذي يقود المنتخب السعودي أحد أسياد آسيا، مقرًا وطنيًا يعكس مكانته وطموحه. قضى الاتحاد معظم تاريخه في مبنى اللجنة الأولمبية، ثم انتقل إلى مبنى مستأجر بعد أن ضاقت المساحات باتحادات رياضية جديدة.
القضية هنا ليست في المبنى بحد ذاته، بل في غياب مركز وطني يجسد شخصية الكرة السعودية، ويجمع تحت سقف واحد مكاتب الاتحاد، ومنشآت المنتخبات بمختلف فئاتها، والإدارات الفنية، والطب الرياضي، والتحليل، والتعليم، والتطوير، ليكون المكان الذي تتشكل فيه الهوية، وتُرسم فيه الفلسفة، وتُدار منه المشاريع التي يفترض أن تبني كرة القدم السعودية لعشرين وثلاثين عاماً مقبلة، لا أن تكتفي بإدارة عملها اليومي.
كتبت أمس أن ألمانيا، صاحبة أربعة ألقاب عالمية، ترى أن طريق العودة يبدأ من القاعدة، لا من المنتخب الأول. واليوم تقول الولايات المتحدة الشيء نفسه، رغم أنها تستضيف كأس العالم، ورغم إمكاناتها الاقتصادية الهائلة. الرسالة تكاد تكون واحدة في كل التجارب الناجحة: الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأسفل، لا من الأعلى.
كرة القدم لا تُبنى من المنتخب الأول إلى الأكاديمية، بل من الأكاديمية إلى المنتخب الأول. ولا تُصنع هوية لاعب في معسكر قصير، بل في بيئة يعيشها سنوات، ويتشرب فيها طريقة اللعب، والانضباط، والثقافة، والفكر الفني.
لدينا اليوم استثمارات كبيرة، ونبني ملاعب حديثة، وأندية تتشكل، وهذا يمنح الكرة السعودية فرصة تاريخية. لكن هذه الفرصة تحتاج إلى مشروع يبقى لعشرات السنين، لا يرتبط بجيل معين، ولا برئيس اتحاد، ولا بمدرب منتخب.
في النهاية، سيبقى السؤال قائماً: عندما يريد طفل سعودي أن يرى مستقبل كرة القدم في بلده، أو عندما يزور مدرب أجنبي الاتحاد السعودي، أو عندما يجتمع مدربو جميع المنتخبات تحت سقف واحد... أين المكان الذي يعكس شخصية الكرة السعودية؟
لأن لكل كرة قدم عظيمة بيتاً تعرف به... والهوية دائماً تبدأ من عنوان.
*نقلا عن الشرق الأوسط اللندنية
مادة إعلانية
مادة إعلانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الرسالة واضحة من التجارب الناجحة: الإصلاح الحقيقي يبدأ من القاعدة، وليس من المنتخب الأول. والسعودية تمتلك اليوم استثمارات كبيرة وبنية تحتية حديثة، لكنها تحتاج إلى مشروع طويل الأمد لا يرتهن بجيل أو مسؤول. حينها فقط، ستجد الكرة السعودية بيتها الحقيقي الذي يعكس هويتها وطموحها.
المصدر الأصلي: العربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.