«عمق» يغوص في عالم لا يحتمل الخطأ

يواصل الفيلم الوثائقي الدرامي السعودي «عمق» عروضه في صالات السينما السعودية، مقدمًا تجربة سينمائية تستند إلى قصة حقيقية، وتسلط الضوء على واحدة من أكثر المهن خطورة في العالم، من خلال توثيق الحياة المهنية للغواص السعودي أحمد الجابر، الذي يعمل في مجال صيانة أنابيب النفط في أعماق البحر.

ويأتي الفيلم في إطار تنامي الإنتاجات الوثائقية السعودية التي تتجه إلى تقديم قصص محلية بلغة سينمائية معاصرة، مستندًا إلى معالجة درامية تتجاوز التوثيق التقليدي، لتسبر الجوانب الإنسانية والنفسية لشخصية تعيش ظروفًا استثنائية فرضتها طبيعة العمل في بيئات بحرية شديدة التعقيد.

ولا يكتفي فيلم «عمق» باستعراض تفاصيل مهنة الغوص التجاري التشبعي، بل يتناول التحولات النفسية التي يعيشها الغواص خلال فترات العزل الطويلة داخل غرف الضغط، حيث يقضي أسابيع متواصلة بعيدًا عن العالم الخارجي استعدادًا للعمل في الأعماق، في تجربة يختلط فيها الضغط الجسدي بالتحديات الذهنية، ويصبح الالتزام بإجراءات السلامة عاملًا حاسمًا في الحفاظ على الحياة.

ويطرح الفيلم رؤية فلسفية تنطلق من العلاقة بين الإنسان والخطر، إذ يتحول البحر من مجرد موقع للعمل إلى فضاء يختبر فيه الإنسان حدود قدرته على التحمل، ويواجه أسئلة العزلة والخوف والبقاء في بيئة لا تحتمل الخطأ، حيث قد تكون التفاصيل الصغيرة فاصلة بين النجاة والمصير المجهول.

وتسلط أحداث الفيلم الضوء على مهنة صيانة خطوط النفط تحت سطح البحر، وهي من المهن التي تتطلب تدريبًا متخصصًا وتجهيزات معقدة، نظرًا لما تفرضه الأعماق من ضغوط فيزيائية واشتراطات دقيقة، إضافة إلى اعتمادها على أنظمة دعم متقدمة لضمان سلامة الغواصين أثناء تنفيذ المهام في مواقع يصعب الوصول إليها.

وجاء الفيلم من إنتاج «بصر ميديا»، وبدعم من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، والصندوق الثقافي، ضمن مبادرة «إثراء المحتوى العربي»، في إطار دعم صناعة السينما السعودية وتمكين المشاريع التي تقدم قصصًا محلية برؤية سينمائية ذات بعد إنساني.

وشكلت طبيعة مواقع التصوير تحديًا كبيرًا أمام فريق العمل، إذ تطلب تنفيذ عدد من المشاهد في بيئات بحرية مفتوحة مع الالتزام بمعايير السلامة الخاصة بالغوص الاحترافي، إلى جانب استخدام تجهيزات تصوير متخصصة للعمل تحت الماء، بما أتاح توثيق تفاصيل البيئة البحرية بجودة سينمائية عالية.

ويعد «عمق» أحدث الأفلام الوثائقية للمخرج السعودي عبدالرحمن صندقجي، الذي بدأ مسيرته في صناعة الأفلام عام «2008»، وقدم خلالها عددًا من الأعمال التي تناولت شخصيات وتجارب غير مألوفة، وحصد بعضها جوائز في مهرجانات محلية ودولية.

ويأتي فيلم «عمق»، إضافة جديدة لمسار الوثائقيات السعودية، التي تشهد خلال السنوات الأخيرة حضورًا متناميًا على مستوى الإنتاج والعرض، مدعومة بمبادرات وبرامج ثقافية أتاحت مساحة أوسع لصناع الأفلام لتقديم قصص سعودية بأساليب سردية معاصرة، تجمع بين الواقعية والجودة الفنية، وتستكشف تجارب إنسانية غير مألوفة، ضمن توجه يسعى إلى تقديم قصص محلية برؤية قادرة على مخاطبة المشاهد العالمي.